قيصر، المصور العسكري السوري المنشق، يقدم شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس عن التعذيب في سجون الأسد
قيصر، المصور العسكري المنشق، يقدم شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس عن التعذيب في سجون الأسد

د. عماد بوظو/

في عام 1975 صدرت رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، أحد أهم الكتاب العرب في القرن العشرين. تناولت الرواية موضوع الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له المعارضون السياسيون في تلك المنطقة من العالم، وكانت علامة فارقة في ما عرف بأدب السجون.

أول تساؤل كان يتبادر لذهن القارئ العربي، في أي بلد بالتحديد تدور أحداثها، خصوصا أن مؤلفها سعودي من قلب نجد، ولد وقضى طفولته في الأردن ودرس في جامعات بغداد والقاهرة وعمل في بيروت ثم تزوج واستقر حتى وفاته في دمشق، وأغلب هذه الدول من الممكن أن تكون مسرحا لها.

في ذلك الوقت كانت السجون السياسية شائعة عالميا، خصوصا في الدول "الثورية" التي كانت تعامل معارضيها بطريقة بالغة القسوة، من الاتحاد السوفييتي إلى الصين وأوروبا الشرقية ودول العالم الثالث التي تدور في هذا الفلك. ولم تكن الديكتاتوريات العسكرية المتعاونة مع الغرب أقل إجراما تجاه معارضيها اليساريين والشيوعيين.

في سوريا أصبحت عملية اعتقال الأبرياء مصدر دخل رئيسي لأجهزة الأمن

​​بعد عقود من صدور الرواية ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار أغلب الأنظمة الديكتاتورية، وقّعت أكثر من مئة وثلاثين دولة على مواثيق حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والثقافية، وأغلقت السجون السياسية في أغلب دول العالم باستثناء منطقة شرق المتوسط.

ففي سوريا قتل عشرات آلاف السجناء السياسيين، وتجاوزت فروع التحقيق والمعتقلات التابعة لفروع الأمن والسجون المركزية أو التابعة للميليشيات في ممارساتها الوحشية كل ما كان معروفا في السبعينيات عن سجن تدمر الشهير، وثّقت بعضها 55 ألف صورة قدمها للمجتمع الدولي المنشق سيزر لجثث آلاف المعتقلين الذين تمت تصفيتهم في سجون الأسد خلال أول عامين من الثورة.

وأصبحت عملية اعتقال الأبرياء مصدر دخل رئيسي لأجهزة الأمن، ووصلت أعداد المعتقلين والمفقودين والمطلوبين في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى مئات الآلاف.

وفي العراق، انتهى عصر صدام حسين وسجن "قصر النهاية"، لتحل مكانه معتقلات لا تختلف كثيرا عنه، ومع تعدد الإدارات التي تولّت عمليات الاعتقال خلال السنوات الأخيرة من وزارة العدل ووزارة العمل إلى وزارة الداخلية والدفاع وأجهزة الاستخبارات والميليشيات والتي لكل منها سجونها الخاصة، أصبح من الصعب تقدير العدد الحقيقي للسجناء.

وقالت الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية إن أكثر من 300 ألف موقوف بريء أودعوا في السجون العراقية خلال الأعوام 2014 حتى 2016 أغلبهم بدوافع طائفية، وكان من الصعب خروج البريء الفقير، لأن رشوة إطلاق سراح المتهم بالإرهاب كانت بين 200 و300 ألف دولار، وقد تدفع الأموال ولا يطلق سراح المتهم حتى تستمر عملية الابتزاز.

وقال المحامي مهند العيساوي مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان إن التحقيق في المراكز الأمنية والسجون في العراق مبني على التعذيب وإجبار المعتقلين على التوقيع على إفادات بارتكابهم جرائم لم يقوموا بها، كما انتشرت ظاهرة السجون السرية والاتهامات الكيدية، كما أرجع أسباب ارتفاع حالات وفاة السجناء إلى التعذيب والإهمال الطبي المتعمّد وحماية من يقوم بجرائم تعذيب وقتل المعتقلين.

في سجن إيفين الإيراني

​​من الظلم مقارنة مصر جمال عبد الناصر وأنور السادات مع إجرام ديكتاتوريات سوريا والعراق، فلم يشهد سجن القلعة والسجن الحربي سوى اعتقال بضع مئات من المعارضين، ولكن سمعتهما السيئة كانت بفضل شهرة أغلب نزلائها الذين كانوا من قيادات اليسار والإسلاميين ونخبة الصحافيين والمثقفين المصريين، وكانت إذا طالت أحكام البعض يتم نقلهم لمجموعة سجون أبو زعبل أو طرة؛ هذه كانت سجون مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

أما السجون الكبيرة فقد تم بناؤها في التسعينيات وبداية القرن الحالي، وتمّ بشكل سريع إضافة 12 سجنا جديدا في عامي 2014 و2015 لاستيعاب آلاف المعتقلين، مثل "ليمان المنيا" وسجن "المنيا" شديد الحراسة، وسجن "15 مايو"، وسجن "الكيلو 10 ونص"، واستمرت السجون باتباع وسائل التعذيب لانتزاع الاعترافات. وفي هذه المرحلة، أحيل آلاف المدنيين للمحاكم العسكرية، كما حدثت عشرات حالات الاختفاء القسري وأصدرت المحاكم المصرية خلال السنوات الماضية مئات أحكام الإعدام ولكن محاكم النقض ألغت الكثير منها، وأعدم عشرات المدنيين بعد محاكمات عسكرية، كما تلاحق الدولة نشطاء المجتمع المدني تحت ذريعة التمويل الأجنبي، ويتراوح عدد المعتقلين السياسيين في مصر اليوم بين 40 إلى 60 ألف حسب التقديرات المستقلة.

كان جهاز السافاك المرعب في إيران نموذجا لاستخبارات سبعينيات القرن الماضي، ولكن مع الثورة الإسلامية تحوّلت إيران بكاملها إلى سجن كبير على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، ويقبع في سجونها حاليا مئات آلاف المعتقلين. فقد أجرت وكالة إيسنا الطلابية في أيار/مايو 2018 مقابلة مع حسن موسوي جلك رئيس رابطة المرشدين الاجتماعيين قال فيها إن 50 شخصا يدخلون السجون الإيرانية كل ساعة، أي 438 ألفا كل عام، وفي أكتوبر/تشرين أول الماضي قال علي بختيار النائب في البرلمان الإيراني إن عدد السجناء في الفترة الحالية يبلغ أربعة أضعاف استيعاب السجون، وبما أن طاقة هذه السجون 140 ألفا حسب إحصائية "موجز سجون العالم" فهذا يعني أن هناك أكثر من نصف مليون سجين في إيران. وقال النائب محمود صادقي إن عدد السجناء ارتفع عشرين ضعفا عن أيام الشاه.

يعتبر "إيفين" أشهر سجن سياسي في إيران ونتيجة نسبة المثقفين العالية فيه فقد أطلق عليه اسم جامعة "إيفين". كان يتسع لنحو 1500 سجين عام 1977، وأصبح يتسع لخمسة عشر ألفا اليوم. وجاء في تقرير أحمد شهيد، مقرر حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن إيران تنتهج التعذيب الجسدي والنفسي ضد السجناء، وشهد سجن كهريزك اعتداءات جنسية طالت السجناء السياسيين من الجنسين وبمختلف الأعمار، كما تكررت مرارا حالات وفاة معتقلين في السجون.

وقالت ماجدالينا مغربي من منظمة العفو الدولية "إن غياب الشفافية عن هذه الوفيات أمر يثير الفزع"، كما يدفع الأهالي رشاوي لمسؤولي السجون حتى يحصل أبناؤهم على أبسط الحقوق، ولا ننسى أن إيران اليوم هي البلد الأول عالميا من ناحية عدد الإعدامات مقارنة مع عدد السكان، وفي تقرير منظمة العفو الدولية أعدمت إيران 507 أشخاص في عام 2017 أي 51 في المئة من الإعدامات المعلنة عالميا في ذلك العام.

تحولت السجون السياسية إلى مزارات ومتاحف تذكّر بعهود سابقة مظلمة، إلا في شرق المتوسط

​​وفي تركيا، بلغت أعداد المعتقلين السياسيين أرقاما لم تعرفها في تاريخها. فقد صرح قبل أيام وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أن عدد من تم احتجازهم بتهمة العلاقة مع حركة غولن 511 ألف شخص أطلق سراح أغلبهم. وفي نهاية عام 2018 نقلت صحيفة زمان التركية عن وزير العدل عبد المجيد غول قوله إن عدد المعتقلين الجنائيين والسياسيين بلغ 260 ألفا بينهم 202.434 صدرت ضدهم أحكام و57.710 بمذكرة اعتقال، وهذا يتجاوز الطاقة الاستيعابية للسجون التركية. وبدل أن تضع الحكومة خططا لتقليل عدد المعتقلين قررت بناء 228 سجنا جديدا حتى عام 2023! والتهم الجاهزة في تركيا لاعتقال أي إنسان هي الانتماء لحزب العمال الكردي أو جماعة غولن أو المشاركة في المحاولة الإنقلابية.

وحسب منظمة العفو الدولية، تركيا هي البلد الأول في العالم من حيث سجن الصحافيين والإعلاميين، وانتشرت إفادات عن تعذيب وإساءة معاملة على نطاق واسع عام 2017 خصوصا لمن احتجزوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

العالم تغير منذ عام 1975 واعترفت أغلب دول العالم بحق كل إنسان بالحياة والحرية والأمن، وتوسعت سلطات المنظمات الدولية والإنسانية وخضعت السجون في العالم لرقابة الأجهزة القضائية والمنظمات الدولية، وتحولت السجون السياسية إلى مزارات ومتاحف تذكّر بعهود سابقة مظلمة، إلا شرق المتوسط الذي وصلت فيه أعداد السجناء السياسيين والمفقودين والمطلوبين والفارين من بلادهم إلى مئات الآلاف بل ملايين الأشخاص، بحيث أصبحت رواية عبد الرحمن منيف شرق المتوسط نبوءة عن الذي ينتظر هذه المنطقة وكيف ستصبح أسوأ مكان في العالم من ناحية احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: المزيد من نجاحات إسرائيل وانتكاسات العرب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.