جندي عراقي في ساحة التحرير في بغداد
جندي عراقي في ساحة التحرير في بغداد

باربارا أ. ليف وبلال وهاب/

بالكاد كان الغبار قد انقشع عن الحملة الأخيرة في العام الماضي لتدمير "خلافة" تنظيم "الدولة الإسلامية" حتى بدأ الحديث عن طرد القوات الأميركية ينتشر داخل مجلس النواب العراقي الجديد. فهذه المشاعر المتغلغلة لم تكن مفاجئة في هيئة تضمنت لأول مرة عددا كبيرا من أعضاء الميليشيات التي غالبا ما تكون معادية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد تفاقمت هذه المشاعر إلى أن أصبحت رأيا عاما في أعقاب تحركات البيت الأبيض التي أثارت بعمق الانفعالات الشديدة الحساسية للنعرة القومية التي تزدهر داخل كيان العراق السياسي.

فعندما حصلت محاولة لاحقة للمطالبة برحيل القوات الأميركية على خمسين توقيعا في البرلمان، أثار ذلك شبح عام 2011، عندما أدّت الكراهية القومية دورا رئيسيا في فشل الاتفاق الثنائي الرامي إلى الحفاظ على وجود عسكري أميركي صغير في البلاد. ويعتمد حدوث ذلك مرة أخرى على المسار القريب المدى للمشاعر القومية لأعضاء مجلس النواب، وقدرة إيران على استغلال هذا الشعور، وفحوى رد فعل واشنطن.

ما هو الدافع وراء الدعوة إلى طرد القوات الأميركية؟

سيحدد عنصران رئيسيان ما إذا كانت مسودة مشروع القانون الحالي لمجلس النواب المتعلقة بسحب القوات الأميركية ستكتسب زخما أم لا. العنصر الأول هو النفوذ الإيراني؛ فمنظور الأمن القومي لطهران يفضّل عراقا معزولا، وضعيفا مؤسسيا، ومرهونا بالمساعدة الإيرانية ـ وهو هدف يعززه الدور الكبير الذي لعبته الميليشيات الشيعية أثناء الحرب ضدّ تنظيم "الدولة الإسلامية" وبعدها. وتقف في وجه هذا الهدف الإيراني مهمة عسكرية أميركية تهدف إلى تعزيز مهنية قوات الأمن العراقية، بينما تعمل هذه المهمة أيضا على تعزيز علاقة بغداد بواشنطن. وتبعا لذلك، فحيث تؤدي العقوبات الأميركية إلى تضييق الخناق على إيران، ستزداد مصلحة الجمهورية الإسلامية في إظهار قوتها في العراق. كما أن حدوث نزاع ثنائي مرير حول تصويت مجلس النواب سيلائم مشروع القانون بشكل جيد.

أمّا الدافع الثاني المحتمل فهو الشعور المتزايد بالوطنية والسيادة بين الطبقة السياسية العراقية (أبرزها مقتدى الصدر) والجمهور الأوسع. فهذا الاتجاه الشعبوي الواسع النطاق هو قوة فاعلة للغاية، كما أثبتت الأفعال الغوغائية في أيلول/سبتمبر 2018 في البصرة. ومع ذلك، لا يصبّ الشعب اهتمامه في الغالب على وجود القوات الأميركية، بل على القضايا الاقتصادية المتصلة بحياتهم اليومية والفساد. وتمثل هذه القضايا منطقة الراحة السياسية لمقتدى الصدر، على الرغم من مواقفه العرضية المناهضة لـ "جميع القوات الأجنبية".

منظور الأمن القومي لطهران يفضّل عراقا معزولا، وضعيفا مؤسسيا، ومرهونا بالمساعدة الإيرانية

​​وفي المقابل، فإن تركيبة مجلس النواب تجعله أكثر عرضة للحماسة القومية التي تستهدف على وجه التحديد الوجود العسكري الأميركي. فهناك 200 عضو من أصل 329 عضوا يشغلون مناصبهم للمرة الأولى، وحوالي 50 إلى 60 منهم ينتمون إلى شبكة ميليشيا "قوات الحشد الشعبي". ومثل هؤلاء الأعضاء مشحونون أصلا بأحداث مثل رحلة الرئيس الأميركي ترامب إلى العراق في كانون الأول/ديسمبر، عندما زار "قاعدة الأسد الجوية" من دون أن يلتقي بأي مسؤول سياسي عراقي. وسرعان ما استغلت طهران هذا الحدث ـ حيث انعكس ذلك في 28 كانون الأول/ديسمبر، عندما شكّك السفير الإيراني أيرج مسجدي بشكل واضح في دوافع واشنطن في إبقاء القوات الأميركية في العراق، ثم ادعى أن القوات الإيرانية قد غادرت بالفعل.

وحتى الآن، لم ينتقل الكثير من مشاعر الانسحاب المحمومة التي يتمتع بها مجلس النواب إلى الشعب، وهو ما قد يشكل كبحا مؤقتا للإجراءات التشريعية المثيرة. ومع ذلك، قد تفشل بسهولة عملية الكبح إذا اتخذت واشنطن المزيد من الخطوات "الاستفزازية"، أو إذا صممت إيران ووكلاؤها على ممارسة ضغوطا أكبر في البرلمان.

ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

  • السيناريو الأول: فشل مجلس النواب في إحراز أي تقدّم في مسودة مشروع القانون
  • الاحتمالات: النتيجة الأكثر ترجيحا ـ في الوقت الحالي
  • الآثار: فائدة كبيرة
  • الرد: يجب على بغداد أن تساعد في تحقيق هذا السيناريو بينما تبقى واشنطن هادئة

إنّ مشروع القانون الذي يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة قد لا يبصر النور في حال تناول مجلس النواب قضايا ملحة أخرى تسترعي انتباهه (مثل البصرة، وهي إحدى المسائل الملحة العديدة التي ناقشها المدير السابق لمجلس الأمن القومي الأميركي دوغلاس أوليفانت في مقال نشره في موقع "وور أون ذي روكس" في 16 كانون الثاني/يناير). ويبدو ذلك أمرا محتملا في الوقت الحالي لأنه على عكس عام 2011، فإن القوات الأميركية بعيدة عن الأنظار إلى حد كبير كما أنها أصبحت قضية هامشية بالنسبة للشعب. فلفترة من الوقت، شكّل التنديد بالقوات الأميركية المسألة الوحيدة التي يمكن أن تجد فيها الكتلتان الشيعيتان الرئيسيتان ـ تحالف "سائرون" بزعامة الصدر وتحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري ـ أرضية مشتركة، إلا أن تركيزهما ينصبّ في مكان آخر بينما يعملان على شغل المقاعد القليلة الأخيرة للحكومة الجديدة.

كما أن العملية المرهقة جدا لمجلس النواب الخاصة بطرح مشروع القانون قد عرقلت بالمثل زخم الفصائل المعادية لأميركا. فلم يتم بعد اقتراح أي مسودة مشروع قانون بصورة رسمية. وحتى لو تم تقديمها، فقد لا تصمد أمام اللجان البرلمانية ذات الصلة، التي تكون ملزمة بالتشاور مع الوزارات والمؤسسات المعنية.

ولا تزال إيران تميل بشدة إلى المضي قدما في السيناريو الثاني أو الثالث، ينطبق الأمر عينه بالنسبة لحلفائها في مجلس النواب. ومع ذلك، ينبغي على الرئيس برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي بذل مجهود هادئ بل مركز لتوجيه الأعضاء الرئيسيين لمجلس النواب بعيدا عن صياغة القانون المعني بشكل رسمي. إذ يعرف هذين الزعيميْن العراقييْن المتمرسيْن بشكل أفضل من معظم الآخرين ما ستخسره البلاد إذا ما تم إيقاف المهمة العسكرية الأميركية بصورة مفاجئة.

  • السيناريو الثاني: تمرير مجلس النواب مشروع قانون أقل وطأة
  • الاحتمالات: أمر مستبعد
  • الآثار: غير مرغوب فيها إلى خطيرة
  • الرد: تتولى بغداد زمام القيادة، وتمارس واشنطن الدبلوماسية الصبورة وتتجنب ردود الفعل الانفعالية

يمكن أن يقر مجلس النواب تشريعا أو يتخذ قرارا غير ملزم يُرشد الحكومة "بتشديد" الشروط التي يعمل بموجبها المستشارون الأميركيون. وبصرف النظر عن اللهجة المشحونة، يمكن لمثل هذا القانون أن يطلب من الحكومة ببساطة القيام بما تفعله أصلا (أي ضمان احترام القوات الأميركية لسيادة بغداد والعمل بالتنسيق الكامل مع القوات العراقية). أمّا الاحتمال الأكثر إشكالية فهو الطلب من الحكومة الدخول في ترتيبات رسمية لتأمين الظروف نفسها، بما يتجاوز الرسائل المتبادلة من عام 2014 التي طلبت بغداد بموجبها من القوات الأميركية العودة ومقاتلة تنظيم "الدولة الإسلامية". فمن شأن هذا التطور أن يتجنّب ضرورة الحصول على أصوات ثلثي أعضاء مجلس النواب للموافقة على "اتفاقية وضع القوات" [بين الولايات المتحدة والعراق].

حيث تؤدي العقوبات الأميركية إلى تضييق الخناق على إيران، ستزداد مصلحتها في إظهار القوة في العراق

​​لقد حاول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تجنب هذا الخطر ذاته في عام 2011 من خلال سعيه الحصول على تصويت مسبق بين الزعماء السياسيين الرئيسين في العراق، إلا أن مسألة السيادة البالغة الحساسية المتمثلة في الحصانة القضائية للقوات الأميركية قضت على مسودة الاتفاق. وفي الوقت الحالي، تتجنب إدارة ترامب بحكمة اتباع مثل هذا المسار، لكن يجب على بغداد أن تأخذ زمام المبادرة في درء التهديدات الأخرى ـ وتحديدا من خلال التأكيد على أن القوات الأميركية لا تعمل في العراق سوى من خلال [موافقة] حكومتها السيادية، وعن طريق ردع النداءات الداعية إلى التفاوض على ترتيب أكثر رسمية، الذي يمكن أن يحدّ من إمكانية استمرار الولايات المتحدة في تعزيز قدرات القوات العراقية في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي بدأ يظهر من جديد. كما يكمن التحدي في إقناع الزعماء الأميركيين بتجاهل اللغة الاستفزازية المعادية لأميركا المستخدمة في مجلس النواب العراقي والسماح لبغداد بقيادة زمام الأمور لتجنب صبّ الزيت على النار الشعبية.

  • السيناريو الثالث: تمرير مشروع قانون يقضي بطرد القوات الأميركية
  • الاحتمالات: من غير المرجح في الوقت الحالي، ولكن من شبه المؤكد أن يعود إلى الواجهة مرة أخرى
  • الآثار: كارثية إذا بالغت واشنطن في رد فعلها
  • الرد: يبلّغ رئيس الوزراء العراقي مجلس النواب بأن الحكومة ليست في وضع يسمح لها بسن القانون لأسباب تتعلق بالأمن القومي، في حين يحثّ المستشارون الأميركيون الرئيس ترامب على الامتناع عن الانتقام غير المجدي.

من المرجح أن يبرز هذا السيناريو الأسوأ احتمالا نتيجة للضغط الأميركي على إيران أكثر من بروزه بسبب الديناميكيات العراقية الداخلية ـ على الرغم من أنه يمكن أن يتحقق إذا ارتكبت واشنطن خطأ دبلوماسيا آخر من شأنه أن يستفز مجلس النواب. ويقينا، أن هذه النتيجة لن تترك رئيس الوزراء مكبّل اليدين، لأن باستطاعة الحكومة تحدي دستورية القانون الجديد في المحكمة أو حث المؤسسة الأمنية على الادعاء بصورة شرعية بأنها لا تستطيع تنفيذ القانون.

ومع ذلك، سيظل السيناريو الثالث يهدد المصالح الأميركية ـ العراقية من خلال إرساله إشارة سياسية استفزازية إلى واشنطن، حيث من المؤكد تقريبا أن يؤدي تمرير مشروع القانون الصاخب إلى دفع الرئيس ترامب إلى إصدار قرار، ربما عن طريق "تويتر"، يقضي بالانسحاب الفوري للقوات الأميركية والمساعدات التي تقدمها، تماما كما فعل مع سوريا.

الخلاصة

سيختبر كل سيناريو من هذه السيناريوهات فطانة الزعماء الأميركيين والعراقيين الملتزمين بشراكة أمنية دائمة، حيث يُعد حسن التعامل مع هذه السيناريوهات أمرا ضروريا لضمان مصالح الأمن القومي للبلدين. فبالإضافة إلى تعزيز قدرة العراق على كبح عودة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"، تحرص العلاقة مع وزارة الدفاع الأميركية على ترسيخ انخراط مجموعة واسعة من الجهات الدولية الفاعلة في الجهد الأوسع نطاقا لإعادة دمج البلاد في المجتمع الإقليمي.

فمن شأن إخراج العراق من عزلته ومساعدته على استعادة الاستقرار، من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الأردن ومصر ودول الخليج، أن يمنح العراق الوسائل اللازمة لاستعادة السيادة الكاملة على شؤونه ومقاومة التدخل الإيراني. وفي حين أن العديد من الشخصيات العراقية التي كانت في موقع [بارز] على مسرح الأحداث السياسية في عام 2011 التي أنهت الوجود العسكري الأميركي لا تزال تحتل مراكز هامة، إلا أن هناك مجموعة مختلفة تماما من صنّاع السياسة في واشنطن الذين من المقرر أن يكرروا ـ أو، على أمل، أن يتجنبوا ـ ذلك الخطأ.

باربارا أ. ليف هي زميلة أقدم في معهد واشنطن. وبلال وهاب هو زميل "ناثان واستير ك. واغنر" في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟