في بروكسل، ضعف تأثير مسارات أستانة وسوتشي بعد إصرار الدول الكبرى على التمسك بالمسارات الدولية وقراراتها
في بروكسل، ضعف تأثير مسارات أستانة وسوتشي بعد إصرار الدول الكبرى على التمسك بالمسارات الدولية وقراراتها

مصطفى فحص/

في بروكسل اتضح حجم الهوة ما بين موسكو والعواصم العالمية حول الحل في سوريا. فموسكو المتمسكة بإعلان انتصارها العسكري تواجه عجزا في إقناع المجتمع الدولي بأن الحرب في سوريا انتهت وفق معادلة خاسر ورابح يحق له وضع شروطه على طاولة الحل. والحل بالنسبة للرابح، من وجهة النظر الروسية، العودة إلى ما قبل 18 آذار 2011.

لكن عجز موسكو، ومعها طهران، بات واضحا في تجاوز الزمان والمكان خصوصا أنهما يواجهان صعوبة في فك الارتباط ما بين "آذار/مارس ودرعا" وفي إنهاء دور هذه المدينة المعنوي باعتبارها مهدا لما تسميه موسكو تمردا على النظام، فقد فشل المنتصر في إسقاط رمزيتها بالرغم من إعادة سيطرة قوات الأسد والمليشيات الإيرانية عليها، وعادت إليها التظاهرات من جديد وسط ارتباك روسي من كيفية التعامل معها وقلق إيراني أسدي يراهن من جديد على الخيار الأمني الذي قد يتسبب من جديد بتأجيج الحراك الشعبي واتساعه.

الموقف التصعيدي تجاه موسكو عززه بيان الدول الأوروبية الكبرى

​​من درعا البلد، التي خرجت منها تظاهرات في الأسبوع الماضي تحت مرأى ومسمع الشرطة العسكرية الروسية التي فشلت في إقناع المتظاهرين عبر وسطاء المصالحات في التخفيف من سقف شعاراتهم وتجنب المطالبة برحيل النظام، إلى مؤتمر بروكسل للمانحين الذي وضع عصا غليظة في عجلات المشروع الروسية للحل في سوريا، وأعاد تدوير الزوايا الروسية وجعل من الرابح في الميدان خاسرا في السياسية، ومن البعيد عن الميدان رابحا سياسيا.

ففي بروكسل، لم يعد لهدير الطيران الروسي ولا لوقع أقدام مليشيات طهران وقوات النظام وبراميله قدرة على فرض حل شبيه بإعلان الاستسلام. وفي بروكسل أيضا، ضعف تأثير مسارات أستانة وسوتشي بعد إصرار الدول الكبرى على التمسك بالمسارات الدولية وقراراتها خصوصا 2254 والعودة إلى جنيف، التي ذكر وزير الخارجية البلجيكي ديدييه رايندرز النظام السوري بأن عليه العودة إلى طاولة المفاوضات التي أطلقت فيها، فيما دقت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فريديريكا مورغيني مسمارا جديدا في نعش المشروع الروسي للحل في سوريا في ختام أعمال المؤتمر الدولي لدعم سوريا عندما شددت على أن الأموال التي وفرها الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار لن يتم صرفها إلا إذا بدأت عملية سلام ذات مصداقية في جنيف، تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأضاف المجتمعون في بروكسل شرطا آخر سيضاعف الضغط على موسكو في محاولاتها لإعادة تعويم النظام وفي الحفاظ على بعض رموزه في المرحلة الانتقالية والعملية السياسية عندما إذ بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والسويد وهولندا والدنمارك على مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة في سوريا.

فموسكو التي عبرت عن امتعاضها لعدم دعوة النظام إلى بروكسل، تواجه مرحلة جديدة من التعاطي الأممي مع الأزمة السورية الذي يرفض التعاون مع موسكو وفقا للوقائع الميدانية التي فرضتها ما بعد 15 أيلول/سبمتبر 2015، ويرفض التجاوب مع موسكو بناء على حل عسكري حققه النظام بدعم من موسكو وطهران، وباعتباره لن يساعد على قيام عملية انتقال سياسي تؤدي إلى تسوية دائمة وشاملة تساعد على إحلال السلام.

في بروكسل يتضح أكثر الكمين السياسي والاستراتيجي الذي نصبته الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين لموسكو في سوريا

​​هذا الموقف التصعيدي تجاه موسكو عززه بيان الدول الأوروبية الكبرى (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) إضافة الولايات المتحدة في الذكرى الثامنة للثورة السورية التي أكدت أنها لن تشارك في إعادة إعمار سوريا إلا بعد انطلاق عملية سياسية ذات مصداقية، وأضاف البيان أنه "يجب على روسيا وسوريا احترام حق اللاجئين السوريين بالعودة الطوعية وبأمان إلى ديارهم، والتوقف عن ادعائهما بأن الظروف باتت مناسبة لإعادة الإعمار والتطبيع، وندعوهما للمشاركة جدّيا في المفاوضات التي هي وحدها الكفيلة بإحلال السلام في سوريا".

في بروكسل يتضح أكثر الكمين السياسي والاستراتيجي الذي نصبته الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون لموسكو في سوريا، الذي يؤسس لمرحلة تعاطي جديدة تُضيق الخناق على الخيارات الروسية. وقد باتت خيارات موسكو محصورة في التوازن الصعب بين حلف التناقضات الذي تديره في سوريا والذي يفرض عليها في المستقبل القريب اتخاذ قرارات حاسمة لن تخلو من أضرار كبيرة على مستقبل وجودها في سوريا.

اقرأ للكاتب أيضا: سوريا، قيصر يحاصره قيصر

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟