الملك الأردني عبدالله ونجله وولي عهده الأمين حسين في اجتماع مجلس السياسات الوطني
الملك الأردني عبدالله ونجله وولي عهده الأمين حسين في اجتماع مجلس السياسات الوطني

مالك العثامنة/

في خضم كل الأزمات التي يعيشها الأردنيون، وكل الذي يتحدثون عن وضع الأردن، وهو حديث بلغ أسقفا عالية وفي كثير من الأحيان اخترق تلك السقوف، فإن أمرا واحدا صار يجول في خاطر كثيرين، وصار الهمس فيه يتصاعد إلى درجة صوتية أعلى وصارت مسموعة بوضوح، وهذا الأمر هو ولي العهد الأمير حسين بن عبدالله.

قصة ولاية العهد في الأردن قصة فيها غموض كثير مرده قلة المعلومات والحقائق والتي تعتمد غالبا على الحكايات القليلة المروية لشهود عاصروا مفاصل متتابعة منها، بدءا من مفاجأة العزل في اللحظة الأخيرة التي قام بها الملك الراحل الحسين لشقيقه (وقرة عينه كما كان يخاطبه) الأمير حسن، ثم تعيينه لابنه الأمير عبدالله وليا للعهد في آخر أيام حياة الملك الراحل، ضمن مصفوفة من الحكايات التي تواترت وتناقلها الناس كانت تتحدث عن تدخل شخصيات وتشابك علاقات في داخل القصر وسكانه.

لا يزال الملك يتحدث عن أمله بـ"جيل قادم" قريبا

​​الأمير عبدالله، الذي صار الملك بعد رحيل والده، كان بلا شك أول المتفاجئين وقد أقر بذلك في أكثر من مقابلة صحافية معه، وهو ما يعزز فكرة أن الملك الراحل كان يهيئ ابنه الأمير حمزة لتولي الملك من بعده.

إحدى الروايات التي تلقيتها من مصدر موثوق كان شاهدا على تلك المرحلة، قال لي إن الملك لم يكن ليعزل شقيقه لو أكد له الأمير حسن أن ولاية العهد ستعود لذرية الحسين بعد الحسن، في لقاء يتيم وأخير جرى بينهما في بيت الملك الراحل في لندن أثناء نقاهته وقد عاد من رحلة العلاج الأخيرة في مايو كلينيك، وقد أدرك الملك أنه لن يعيش طويلا، فواجه موته بشجاعة ورباطة جأش وخطة مستعجلة لترتيبات ما بعد رحيله، بل وخطة لتنظيم جنازته المهيبة أيضا.

سأل الملك الراحل في غرفة الجلوس التي جمعته مع شقيقه الأمير عن ترتيبات ولاية العهد والتي طلب منه أن يرتبها بشكل ثابت مع مجلس العائلة، لكن الشقيق الأصغر، ولي العهد آنذاك، تهرب من الإجابة متمنيا طول العمر للملك. الملك حسين لحظتها ابتسم بصمت وقد قرر قراره الأخير، بعزل شقيقه وهذا ما حصل بعد ذلك في عمان، وأتبع العزل برسالة غاضبة ومطولة ومشوشة، على غير عادة الملك الراحل المعروف ببلاغته في الكتابة والخطابة.

عين الملك الراحل ابنه الأكبر الأمير عبدالله وليا للعهد، في إجراء دستوري لا تشوبه شائبة، وقيل حينها إنه أشار بأن يكون الأمير حمزة بن الحسين وليا لعهد الملك القادم، ورغم شعبية الملك الراحل بين مواطنيه وشعبية الأمير حمزة نفسه للتشابه الكبير بينه وبين أبيه، إلا أن رغبة الملك الراحل لم تكن دستورية ولن تكون، فولاية العهد قرار يأخذه الملك الجالس على العرش. وفي تلك الحالة كان الأردن قد ودع ملكا واستقبل ملكا.

صار الأمير عبدالله ملكا، وصرح أنه ليس أباه منذ البداية، وعين حمزة وليا للعهد، ثم عزله ليعين ابنه الأمير حسين وليا للعهد وريثا للعرش، وقضي الأمر.

كانت ميزة الأمير حمزة أنه أمير تمت تربيته وتنشئته ليكون ملكا، وهذا وضع الأمير حسين بن عبدالله في سباق ماراثوني مع الزمن ليحظى بنفس التنشئة "الملكية" التي أشرف عليها والده الملك بنفسه.

♦♦♦

في شباط/فبراير الماضي، كنت في العاصمة الأردنية عمان، بدعوة من مكتب الملك عبدالله الثاني للقائه ضمن نخبة من الزملاء الأكارم.

ما تحدث به الملك كان وافر الأهمية وفي الشقين المحلي والدولي، وبناء على طلبه الشخصي أكثر من مرة، كان الحديث ليس للنشر، لكن ما انتبهت إليه في حديثه (وفي أحد المفاصل كان يحاور كاتب هذا المقال في مداخلة)، أنه كان دائم التركيز وبشكل مستمر على أن الآتي مع جيل الشباب القادم سيكون أفضل، وفي محور ما كنت أتحدث به عن تزوير الوعي الجمعي للناس، أشار الملك لي موافقا أن "جيلنا" راحت عليه ولن يدرك حجم التغيرات ـ ثم استطرد بحماس ـ "لكن الأمل في الجيل الجديد"، وأنه علينا العمل بسرعة لكي نهيئ القادم لهذا الجيل، ثم تحدث عن رؤيته لمحتويات ذلك القادم والمستعجل.

تلك اللحظة، اعتقدت أن الملك يتحدث عن الشباب بشكل عام، لكن بعد اللقاء ومتابعة الأخبار المحلية والتي كان الأمير حسين ولي العهد فيها عنوانا متكررا بزياراته ونشاطاته في كل أنحاء المملكة، استرجعت حديث الملك الحماسي والمتكرر عن "الجيل الجديد"، وطرحت تلك الفكرة على نخبة نوعية من الإعلاميين في جلسة اجتماعية، ليؤكد لي الزملاء أن ما كان الناس يهمسون به سابقا، صار حديثا يقارب الحقيقة، والقصة الآن تكمن في التوقيت.

الملك، الذي لم يخف في مقابلة صحافية تم نشرها على شكل تسريبات مع الصحافي الأمريكي جيفري غولدبرغ في مجلة " أتلانتيك" في نيسان/أبريل عام 2013، أنه فكر أكثر من مرة بالتنازل عن العرش بل وباح بذلك علنا أمام أقرباء وأصدقاء حسب المقابلة، لكن هذه التسريبات الصحافية المتعمدة كانت في وقت كان فيه ولي عهده لا يزال على مقاعد الدراسة والتهيئة الماراثونية.

(في الحوار المنساب بأريحية مع غولدبيرغ قال الملك: "أتعرف؟ عندما وصلت الذكرى العاشرة أتذكر جلوسي مع أفراد من عائلتي وأصدقائي المقربين وقولي لهم إنني ﻻ أريد أن أستمر". قال له غولدبيرغ: "ﻻ تستطيع أن تستقيل ببساطة". أجاب الملك: "هذا ما قالوه").

ولي العهد يمارس دوره الوظيفي في الميدان لا ظلا لأبيه وحسب، بل ظلا للملك نفسه

​​الفكرة إذن تتموضع بأريحية في وجدان الملك الأردني منذ زمن، وهو لا يخفيها ولا يعتبرها فكرة خارج المألوف، بل كان قد قال قبل تلك المقابلة مع أتلانتيك ما يجول في خاطرة بلغة غير مباشرة في مقابلة عام 2011 مع بي بي سي البريطانية، معلقا على بداية التظاهرات والأحداث في سوريا المجاورة، بقوله: "أعتقد أني كنت سأتنحى لو كنت مكانه"، في إشارة إلى الرئيس بشار الأسد، مستطردا في المقابلة ذاتها بقوله: "كنت سأتنحى وأتأكد ان الذي سيخلفني لديه القدرة على تغيير الواقع الذي نراه".

اليوم، ومع ملامح غضب شعبي متزايد وتظاهرات واعتصامات كان آخرها أمام ديوان الملك نفسه، فإن ولي العهد يمارس دوره الوظيفي في الميدان لا ظلا لأبيه وحسب، بل ظلا للملك نفسه، والظل بدأ يتجسد أكثر بملامح صارت تأخذ تجسيما حيويا يتجاوز سراب الظل.

والملك، لا يزال يتحدث عن أمله بـ"جيل قادم" وقريبا، مع ضرورة الاستعجال بتغييرات تمهيدية تسمح بتغيير الواقع اليائس في الأردن.

♦♦♦

هل أتحدث هنا عن إشارات ملكية واضحة بتنازل قريب عن العرش؟

هناك إشارات بعيدة لكن ملموسة، يمكن التقاطها من دون الجزم بجواب نهائي حاسم.

لا أحد يمكن أن تسأله عن ذلك في محيط دائرة الملك ويجيبك بوضوح، لكن الجميع ـ خارج تلك الدائرة ـ يتحدث عنها بوضوح، مع أن الحديث في الأمر لا يخالف القانون كما أن تلك الرغبة ـ إن وجدت ـ لا تتعارض مع الدستور بالمطلق.

وفي النهاية، القصة كلها، وفي ظل غياب شفافية مع مصفوفة أزمات هائلة في الأردن، لا تعدو تكهنات قائمة عما يتحدث به الجميع في الأردن، وأكاد أقول الجميع بما فيهم الملك نفسه.

اقرأ للكاتب أيضا: الشيشان: مظلومية التاريخ الأبدية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!