حبيبان عند كورنيش الضبية شمالي بيروت
حبيبان عند كورنيش الضبية شمالي بيروت

د. عماد بوظو/

في مرحلة ما من تطور البشرية برزت الحاجة لتنظيم العلاقات الجنسية بحيث يلتحق الأبناء بأب محدد يرثوا أملاكه، وهو ما أدى إلى نشوء الأسرة، وأصبح إشهار العلاقة بين الذكر والأنثى عبر الزواج هو شرط السماح بممارسة الجنس. كما لجأت بعض الديانات إلى ربط الفعل الجنسي بالخطيئة لمنع الإنسان من الانجرار وراء غرائزه وما زال هذا الارتباط راسخا في تفكير بعض المجتمعات حتى اليوم.

خلال العقود الأخيرة تعقدت ظروف الحياة مما أدى إلى تأخّر سن الزواج، الذي أصبح يتراوح وسطيا بين منتصف العشرينيات إلى ما بعد منتصف الثلاثينيات، مما خلق إشكالا حول كيفية التعامل مع الرغبة الجنسية في الفترة الفاصلة بين النضوج الجنسي والزواج والتي قد تتجاوز العقدين.

أكثر من نصف المراهقين في الغرب لم يكونوا متلهّفين لممارسة الجنس

​​في المجتمعات الغربية وكثير من دول العالم تم حل الإشكال من خلال القبول أو غض النظر عن إقامة علاقات بين المراهقين والمراهقات ذوات الأعمار المتقاربة بحيث يكتشفون الجنس سوية، مع محاولة إيجاد درجة من الإشراف تمنع حدوث حمل بسن مبكر أو انتقال بعض الأمراض. خصوصا أن هناك قناعة بأن من هم في الأعمار الصغيرة يميلون للحذر والتدرّج واللطف في ممارسة الجنس، ولأن كثيرا من المراهقين يعنيهم الحب "العذري" وأن يكونوا مقبولين من الطرف الآخر أكثر من العملية الجنسية بحد ذاتها.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف المراهقين في الغرب لم يكونوا متلهّفين لممارسة الجنس؛ ففي الولايات المتحدة 44 في المئة من الإناث و47 في المئة من الذكور مارسوا الجنس وهم في العمر بين 15 و19 عاما حسب دراسة أجريت خلال الأعوام 2011 حتى 2013.

كما أن الحمل بين المراهقات ليس بالانتشار الذي يردده بعض الإعلام العربي، ففي عام 2017 كانت نسبة الحمل عند المراهقات البيض في الولايات المتحدة 13.2 من كل ألف فتاة بين عمر 15 و19 عاما، وهذه النسبة كانت أعلى عند الأميركيين من أصول إفريقية أو أميركية لاتينية، كما سمحت المجتمعات الغربية لمن تجاوز سن الرشد بخوض علاقات طبيعية عاطفيا وجنسيا إلى أن يجد الشريك الذي يشعر أنه يريد متابعة حياته معه.

رفضت المؤسسات الدينية والمدنية في المجتمعات العربية هذه الحلول واعتبرتها انحلالا، دون تقديم بديل واقعي عنها، وبما أن التغلب على الرغبة الجنسية أمر بالغ الصعوبة، فلم تتمكن هذه المؤسسات من منع العلاقات بين الجنسين، ولكنها نجحت في جعلها سريّة.

وأشارت إحصاءات رسمية في تونس عام 2007 إلى أن 80 في المئة من الذكور و70 في المئة من الإناث قد مارسوا الجنس قبل الزواج، ورغم أن هذه الممارسة في المجتمعات العربية تراعي المحافظة على غشاء البكارة، لكن استمرار العلاقة لفترة طويلة يجعل التقيد بذلك صعبا، مما أدّى إلى انتشار عمليات ترقيع غشاء البكارة قبل الزواج، وهذا إجراء يكاد يكون مقتصرا على المجتمعات العربية، رغم صعوبة معرفة نسبة حدوثه.

يمكن أخذ فكرة عن تلك العمليات من الجراح الفرنسي مارك آبيكاسيه كشف عن تجربته معها، حيث قال إنه يجريها عدة مرات أسبوعيا لفتيات مسلمات أغلبهن من شمال إفريقيا، ولدى سؤاله عن رضاه عن ما يقوم به أجاب أنه "يقدم مساعدة لأشخاص لا يوجد أمامهم سوى خيارات صعبة". وقالت إحدى الفتيات التي أجرت هذه العملية دون الكشف عن وجهها، إنه كان عليها الاختيار بين العار وهو موضوع مكشوف اجتماعيا يشملها مع كامل أسرتها إن لم تجر العملية، وبين الخديعة المخفية التي لا يعلم بها أحد والتي تتحمل مسؤوليتها لوحدها أمام الله، وتابعت أنها لا تشعر بالندم ولا بأنها بدأت حياتها الجديدة بخديعة، فهي تحب زوجها وتريد سعادته وهي ترى أنها بعملها هذا تدخل الاطمئنان إلى قلبه.

كما تم السماح في الدول المتقدمة بأن يشترك رجل وامرأة بالسكن دون زواج، والتي يتحقق فيها الشرط الأساسي للعلاقة المشروعة وهو الإشهار والعلنية، لأن الأهل والمعارف والجوار يعرفون بهذه العلاقة، وفي حال حصول حمل فالوالدين معروفين، كما أن حقوق المرأة محفوظة حسب قوانين تلك البلاد، إذ بعد فترة من المساكنة أو عند توثيق عقود رسمية لها يصبح للمرأة حقوق مشابهة لحقوق الزوجة، حتى البابا فرنسيس قال في كنيسة لاتران عام 2017 "إنني رأيت وفاءا كبيرا في هذه المساكنات وأنا أكيد أنها زيجات حقيقية"، وفوق ذلك فإن 65 في المئة من حالات المساكنة في الولايات المتحدة تنتهي خلال خمس سنوات بالزواج.

كذلك رفض رجال الدين المسلمين المساكنة وقدموا بدلا منها أشكالا مختلفة من العلاقات بين الجنسين صنّفوها كزواج، مثل العرفي والمسيار والمتعة، لا يتوفر فيها العامل الرئيسي للعلاقات المشروعة وهو الإشهار، كما تشترط هذه العقود بشكل مسبق تنازل المرأة عن حقوقها بالنفقة والميراث والسكن المشترك، بحيث تكون هذه العلاقات مجرد رخصة "دينية" لممارسة الجنس.

كما أغمضت المجتمعات العربية عيونها عن المشتغلات بالجنس، ففي الغرب تخصّص لهنّ شوارع محددة يقفن فيها ويرتدين ثيابا معينة توحي بطبيعة مهنتهن التي تراقبها الدولة صحيّا، بينما في الدول العربية هذه المهنة في الظاهر ممنوعة قانونيا، لذلك تغيب الرقابة الصحية وترتدي الكثير من هؤلاء النسوة الحجاب والجلباب الواسع الذي يخفي ملامحها وتنتقل حسب الطلب عبر وسطاء، ولم يجعل هذا المنع عدد المشتغلات بالجنس في المجتمعات العربية أقل من دول الغرب.

ففي دراسة للمفوضية الأوروبية عام 2014 كان عدد المشتغلات بالجنس في فرنسا 37 ألفا، بينما قدرت وزارة الصحة المغربية عام 2015 عددهن بالمغرب بأكثر من خمسين ألف، كما أدت الاعتبارات الاجتماعية إلى اختيار بعض النساء أماكن بعيدة لممارسة عملهن كأن تعمل العراقيات في سوريا والسوريات في لبنان واللبنانيات والمغربيات في مصر والمصريات في الخليج وهكذا، وفوق ذلك تميّزت بعض البلاد العربية بما يسمّى السياحة الجنسية حيث تستقبل زوارا هدفهم ممارسة الجنس خصوصا مع القاصرات لغياب الرقابة القانونية على هذه المهنة.

كما أدّت الأجواء الاجتماعية المغلقة في البلدان العربية إلى مضاعفات أخرى مثل انتشار التحرش، فقد ذكرت دراسة للأمم المتحدة عام 2013 أن 99.3 في المئة من الفتيات المصريات تعرّضن للتحرش في الشوارع ووسائل النقل والأسواق والمنتزهات والمناطق الخالية، 64 في المئة منهن حدّدن اللمس باعتباره أكثر الوسائل رواجا بين المتحرشين، ورغم مظاهر التدين الخارجي ونسبة الحجاب العالية كان المتحرّش يضع اللوم على الفتاة، إما لملابسها أو ضحكتها أو طريقة مشيتها أو لمجرد خروجها من منزلها، بينما تحتل السعودية مركزا متقدما بنسبة التحرش بالسيدات في أماكن العمل.

الحمل بين المراهقات ليس بالانتشار الذي يردده بعض الإعلام العربي

​​وكذلك في انتشار حوادث الاغتصاب، إذ رغم أن أغلبية اللاتي يتعرضن للاغتصاب لا يصرّحن عنه في المنطقة العربية نتيجة الوسم بالعار عند الإعلان عن التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب بل قد يشكّل خطرا على حياة الفتاة أو المرأة. فقد قال المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في مصر عام 2006 أن حالات الاغتصاب المصرّح عنها كان 20 ألف حالة في السنة، وهو نفس الرقم الذي نقلته الأمم المتحدة عن وزارة الداخلية المصرية عام 2008، وهذا عدد غير قليل ويعطي فكرة عن حقيقة ما يحدث في الدول العربية، كما يمكن ملاحظة هذا الكبت في نسبة من يتصفح المواقع الإباحية، ففي عام 2016 نشر موقع بوستاوبر نقلا عن بورن إم دي قائمة أكثر عشر دول بحثا عن المواقع الإباحية في العالم، فكان بينها ست دول إسلامية وهي بالترتيب باكستان مصر إيران المغرب السعودية تركيا، وحسب ناشطة سعودية فإن ثلث الأزواج السعوديين مدمنون على المواقع الإباحية، كما أن 96 في المئة من مخترقي البروكسي في السعودية يبحثون عن المواقع الإباحية.

أفادت دراسة لجامعة هارفارد عام 2009 أن اشتراكات المواد الإباحية على الإنترنت أكثر شيوعا في الولايات المحافظة داخل أميركا، وتوصّل ماكلنيس وهادسن إلى نفس النتيجة في دراسة قاما بها عام 2015 اعتمادا على بيانات الإنترنت، ولكن عند إجراء نفس الاستبيان اعتمادا على سؤال نفس شريحة المتدينين شخصيا كانت النتائج مختلفة، أي أن بعض المحافظين والمتدينين كانوا يكذبون عند سؤالهم عن أمورهم الجنسية، قالت ماكلنيس "لن يكون من المفاجئ للأشخاص المتدينين أن ينكروا مشاهدتهم لمحتوى جنسي، لأنه يخرق قيمهم الأساسية"، هذا مثال بسيط من مجتمع منفتح، لكنه يفيد في فهم النفاق الذي أصاب المجتمعات العربية، التي تخوض في السر حياة غير بعيدة عن الهوس الجنسي وفي العلن تلقي محاضرات في العفّة والزهد.

اقرأ للكاتب أيضا: 'شرق المتوسط' 2019

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.