Putin
Putin

مصطفى فحص/

تواجه روسيا، المنتصرة عسكريا في سوريا، صعوبة حقيقية في الملائمة بين مصالح حلفائها في سوريا ومحاولاتهم فرض اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية لحماية نظام مصالحهم المعقدة، والأطراف التي فرضت وجودها على خارطة النزاع السوري والتي تنظم هي أيضا علاقتها المتباينة مع موسكو. خصوصا أن مصالح حلفاء موسكو تختلف في أولوياتها وأهدافها بين الأطراف المشاركة في الحرب على الثورة السورية، وقد بدأت تظهر تناقضاتها إلى العلن في القضايا التكتيكية بالرغم من توافقها الكامل والمتين استراتيجيا.

ففي لحظة إعادة خلط الأوراق السياسية في المنطقة استدعت إيران حراس ممراتها من طهران إلى بيروت، إذ شهدت دمشق اجتماعا لرؤساء أركان الجيوش الإيرانية السورية والعراقية بهدف إحكام السيطرة على الانتقال البري بين العراق وسوريا والذي يعتبر الشريان الحيوي الذي يربط طهران بمناطق نفوذها، ويفرض التأكيد على أنها ما زالت تحكم قبضتها على هذا الممر على موسكو عدم التقليل من أهمية الدور الإيراني في سوريا، بالرغم من بعض الأصوات التي اعتبرت أن اللقاء الثلاثي جرى بعيدا عن أنظار موسكو وهو ما يعزز فكرة صراع النفوذ بينهما، ولهذا اضطر وزير الدفاع الروسي القيام بزيارة خاطفة للأسد لتذكيره بدور روسيا في الحفاظ على النظام.

لن تنسى طهران ومعها الأسد دور موسكو في هزيمة المعارضة

​​بالرغم من التباينات التكتيكية بين روسيا وإيران في سوريا، إلا أن موسكو تولي أهمية قصوى لعلاقتها بطهران باعتبارها شريكا حيويا في منطقة جيو-استراتيجية بالغة الحساسية، جعلت من طهران أحد أبرز ثوابت سياسات موسكو الإقليمية التي تؤثر على الاستقرار الدولي. فنظام المصالح المشتركة بين موسكو وطهران يمتد من آسيا الوسطى حتى حوض البحر المتوسط. موسكو تعتبر هذه المنطقة جزءا من المجال الحيوي السوفييتي الممتد من الفضاء الإسلامي جنوبي روسيا حتى المياه الدافئة في البحر المتوسط، والتي كانت وما زالت جوهرة الطموحات الإمبراطورية الروسية من بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين.

هذه النظرة الروسية جعلت من الجغرافيا الإيرانية الممر الوحيد الآمن سياسيا واقتصاديا وعقائديا من الحدود الأورآسياوية إلى الشرق المتوسط، الذي يشترط على روسيا تأمين الممر الإيراني وعلى إيران تأمين الممر العراقي، حتى يصلا بأمان إلى سوريا جوهرة طموحاتهما التوسعية.

حتى الآن لم تصل التباينات الروسية الإيرانية في سوريا إلى مستوى الخلاف الفعلي ولا يمكن الرهان في المدى المنظور أو المتوسط على فك الارتباط بينهما نظرا إلى قناعتهما بأن لا مكاسب إضافية لأحدهما على حساب الآخر إذا ما قام طرف ثالث باستفراد كامل لأحدهما، وأن ذلك سيؤدي مستقبلا إلى اضعافهما وخسارتهما معا. ساعدتهما هذه المعادلة على تجاوز العديد من المحن السياسية التي توهّم البعض أنها من الممكن أن تؤدي إلى تفجير النزاع بينهما؛ فقد غضت طهران الطرف عن العلاقة المتينة بين موسكو وتل أبيب التي لم تتوقف منذ سنوات عن ضرب أهداف إيرانية استراتيجية على طول المساحة السورية دون أي ردة فعل من موسكو المتهمة من أطراف إيرانية بأنها تعطل دفاعاتها الجوية أثناء قيام الطيران الإسرائيلي بضرب أهداف إيرانية، وفي المقابل تغض روسيا الطرف عن عمليات التمكين الإيراني في سوريا التي تجاوزت حتى قدرة روسيا على مجاراتها، وهي ملتزمة بالحفاظ على الخطوط الحمر التي وضعتها "موسكو ـ تل أبيب" مقابل توافق ثلاثي مصلحي بينهما على حماية نظام الأسد.

لم تصل التباينات الروسية الإيرانية في سوريا إلى مستوى الخلاف الفعلي

​​قدرت الطرفين على التعايش مع الضغط الإسرائيلي سمح لهما في الالتفاف على كافة الضغوط الأخرى التي تعمل على الفصل بينهما حيث بات من المستبعد جدا أن تتجاوب موسكو مع المطالب الدولية في إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا خصوصا في مرحلة يعاد فيها ترتيب الأولويات الغربية والإقليمية في التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، خصوصا أن الطرفين يتعرضان لحصار سياسي وعقوبات اقتصادية، حيث ترزح طهران تحت وطأة إعادة فرض العقوبات المالية بعد انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق النووي، فيما ينتظر الكرملين تداعيات تقرير المحقق الخاص روبرت مولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية على علاقته بالبيت الأبيض.

لن تنسى طهران ومعها الأسد، الذي يحاول إدارة التوازن بين العاصمتين، دور موسكو في هزيمة المعارضة، وفي المقابل تدرك موسكو حجم حاجتها للانتشار الميداني الإيراني الذي يغطي على تهالك قوات النظام ويعفيها من نشر عدد كبير من قواتها على الأرض، إذ يعود الفضل لإيران في تأمين المناطق التي يعاد احتلالها، لذلك يعمل الطرفان بمقتضيات حماية ثوابت مصالحهما الجيو-استراتيجية طويلة الأمد في سوريا بالرغم من بعض المتحولات السياسية التي تسود العلاقة بينهما.

اقرأ للكاتب أيضا: موسكو وكمين بروكسل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.