مسلمات يقرأن القرآن في جامع في إندونيسيا
مسلمات يقرأن القرآن في جامع في إندونيسيا

محمد المحمود/

على امتداد القرنين: الأول والثاني للهجرة؛ كانت الأحاديث النبوي تُروى شفهيا بلا قيد ولا شرط، إلا الثقة الشخصية المتحيّزة بين هذا الراوي وذاك، وكانت كل فرقة تبتكر لنفسها من الأحاديث ما يعزز موقفها ويشرعن خياراتها الفكرية/ العقائدية، وكانت التيارات السياسية تفعل مثل ذلك وأكثر، مما لا يستع المجال لتفصيله، بل وكان الأفراد يبتكرون أحاديث لحساباتهم الخاصة، استجابة لدوافع متنوعة؛ حتى تضخمت الأحاديث من العشرات إلى مئات الألوف، ويكفي أن نتذكر أن البخاري ـ وفق ما يذكر مدونو سيرته امتداحا له ـ اختار صحيحه (سبعة آلاف حديث تقريبا) من (600،000حديث تقريبا)، أي أن البخاري ـ رحمه الله ـ اختار 1 في المئة من الأحاديث التي كان يحفظها ليضعها في كتابه بوصفها أحاديث صحيحة السند عن الرسول. ويعني هذا أيضا أن هناك (593،000 حديث تقريبا) حفظها البخاري ولكنه لم يرها جديرة بأن ترقى لمرتبة الصحيح.

هذا بلا شك يعكس مستوى الفوضى النقلية العارمة التي استمرت لأكثر من قرنين، والتي كان البخاري وغيره من كبار المحدثين يحاولون ـ وفق قدراتهم الخاصة آنذاك، ووفق تحيزاتهم الخاصة أيضا ـ لملمت أطرافها، والحد من كارثيتها التي كانت تتضخم مع كل يوم من أيام ذلك العصر المتخم بالصراع على المقدس (لأن من يملك الديني/ المقدس؛ يملك الدنيوي/ المدنس!). كان الزمن ينتج كل يوم أحاديث شتى، معقولة وغير معقولة، تنبت على أطراف ألسنة المحدثين ورواة السير والقصاصين وحماة العقائد المناضلين والزعماء السياسيين؛ فضلا عن الحانقين على الدين الجديد المنتصر، الذي أعاد ترتيب الواقع؛ فوجد كثيرون أنهم في عداد الخاسرين.

الإسلام ونبي الإسلام ومستقبل المسلمين أهم من بقاء معصومية البخاري؛ لو يعقل التقليديون المتعصبون!

​​كان الفقهاء وكبار رجال الدين المعنيون بالشأن الديني قلقون من هذه الفوضى العارمة التي تكاد تعصف بمصداقية خطابهم من أساسه، تلك الفوضى المرتبطة بالطابع الشفاهي للرواية. ولهذا كان يستقبلون كل جهد تدويني توثيقي بكثير التأييد (طبعا، كل فرقة تعزز وتؤيد المدونات التي تدعم وجهة نظرها، فلا وجود لتوثيق محايد)؛ لأن هذا سيمكنهم من صناعة مرجعية مكتوبة يحيلون إليها دينيا، ويحتكمون إليها عند النزاع. ولم يكن احتفاؤهم بكتاب/ صحيح البخاري أو كتاب/ صحيح مسلم يخرج عن هذا السياق، إذ هما قد قاما ـ بمنطق التوثيق غير المعلن ـ بتأطير وجهة نظر التيار الذي يمثلونه، وكان من الطبيعي أن يعمد هذا التيار إلى ترفيع هذا الجهد إلى درجة العصمة؛ ليعصم مقولاته التي كانت تفتقد إلى الحسم في النص القرآني.

لهذا استمر صحيح البخاري يحصد جوائز السبق، ويكتسب مزيدا من القداسة بمرور الوقت. صحيح أن رفقاءه في الدرب، بل وبعض شيوخه، صعب عليهم أن يظفر بهذا المجد وحده، إلى درجة أن بعضهم رماه بالبدعة ودعا لعدم الأخذ عنه بكل صراحة وحزم. لكن، مع اختفاء الجيل المنافس من جهة، وانتهاء دواعي المنافسة بموته هو من جهة أخرى، اتجه التيار الأثري الذي كان يمثله إلى ترفيع الكتاب ليكون ـ كما يؤكدون ـ أوثق كتاب بعد كتاب الله/ القرآن.

في ظل الصراعات العقائدية والفقهية التي شهدها التاريخ القروسطي الإسلامي، كانت درجة قداسة الكتب الحديثية تتصاعد، وبخاصة "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، وحاول كبار رجال الدين طوال ذلك التاريخ صناعة إجماع عليهما داخل المذهب السني، وقد تحقق لهما ما أرادوا إلى حد ما؛ فبات إخضاعهما للنقد (النقد الحقيقي، وليس النقد التبجيلي) يعد نوعا من الهرطقة التي تنتهي بصاحبها إلى النبذ؛ ليجد نفسه خارج نطاق المشروعية التي ينتمي إليها بحكم الولادة والنشأة والبيئة الاجتماعية التي تضع حدود الإمكانيات، وتحدد مساراتها.

أيا كان الأمر، تأسست هذه القداسة وازدهرت، ولعل من الملفت للنظر أنها تصاعدت إلى درجة خرافية في عصور الانحطاط (ما بين 600هـ ـ 1300هـ) حتى بدأ الناس يتبركون بتلاوة صحيح البخاري أكثر مما يتبركون بتلاوة القرآن، وأصبح الحلف على صحيح البخاري من أوثق الأيمان، فقد يكذب العامي إن حلف بالقرآن، ولكنه يرتعد ولا يستطيع الكذب إن حلف بالبخاري، وكانت البوارج العثمانية تقرأه قبل مغادرتها الموانئ ليحفظها الله ببركته، وأصبح من يُلام على خطأ ما؛ يقول معتذرا عن خطئه: ماذا في ذاك؛ هل أخطأت في البخاري؟...إلخ تمظهرات التقديس الغالي.

لكن، بانفتاح آفاق العقل المسلم نسبيا؛ نتيجة تأثره بالتطورات المعرفية المعاصرة؛ بدأ صرح هذه القداسة يتصدع، حتى عند بعض أولئك الذين ينتمون ـ بشكل أو بآخر ـ إلى التيار السلفي. فمثلا، وجدنا الباحث السلفي/ رشيد رضا يشير إلى أنه ما من مذهب فقهي إلا وأهله يتركون العمل ببعض ما في البخاري ومسلم، وأن هذه القداسة للبخاري ومسلم متأخرة، وكان رشيد رضا من أوائل من نبه إلى ما اعترى منهج المحدثين القدامى من خلل حين ركزوا نقدهم على السند دون المتن، وبناء عليه نقد الحديث الوارد في البخاري أن الشمس تذهب لتسجد تحت العرش (الحديث النبوي، محمد حمزة، ص210/222).

كان البخاري في زمنه محل أخذ ورد، وكذلك مسلم؛ فضلا عن غيرهما

​​إن الذهنية التقليدية المعاصرة لا تطيق تجاوز مسلماتها التي تأسست بفعل عوامل تاريخية بشرية؛ لا علاقة لها بالمتعالي. إنها تقدس ما قدّسه التاريخ/ تاريخها القريب، دونما نظر إلى مراحل تطور هذا المقدس في تاريخها البعيد. فإذا كان متوقعا منها أن تزوّر عن الانتقادات المعاصرة لبعض ما في هذه الكتب المصححة، وتعدها عدوانا على تراثها الديني الخاص، فإن الغريب أنها لا تعرف، وإن عرفت؛ لا تعترف، بالانتقادات التي وجهها كبار شيوخ الحديث في القديم لهذه الكتب قبل أن تكتسب قداستها التي وصلت بها ـ الوعي العام/ العامي ـ إلى مرتبة الاجتهاد المعصوم.

لقد كان البخاري في زمنه محل أخذ ورد، وكذلك مسلم؛ فضلا عن غيرهما. لم يكن الجميع يسلم للبخاري بالمجد الذي أصبح فيما بعد علما عليه. يذكر الباحث المغربي/ رشيد أيلال في كتابه (صحيح البخاري، نهاية أسطورة، ص146/147) أخبارا كثيرة في هذا المضمار، فمنها ما ينقله عن الذهبي أن أبا زرعة وأبا حاتم (وهما من كبار المحدثين زمن البخاري) تركا حديث البخاري عندما كتب لهما محمد بن يحي الذهلي أن البخاري أظهر بنيسابور أن لفظ القرآن مخلوق. فالذهلي هنا ـ وهو موثوق عند كبار المحدثين ـ يتهم البخاري في عقيدته. وأبو زرعة قال عن البخاري ومسلم بعد تأليفهما كتابيهما: هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتسوقون به ألفوا كتابا لم يسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رئاسة قبل وقتها. وهنا تظهر طبيعة التنافس بين الأقران، حتى داخل التيار الواحد، فالدوافع ليست في كل الأحوال علمية ومحايدة، وإنما يدخلها ويتقاطع معها كثير من الدوافع الذاتية التي قد لا تكون واضحة لأصحابها في كل الأحوال.

إن هذه الانتقادات ـ وأمثالها كثير ـ التي وجّهها معاصرو البخاري له؛ أيا كانت دوافعها وأهدافها، تنفي الإجماع المزعوم على صحة كل ما في البخاري؛ خاصة وأنها صدرت من رموز معتبرة في التراث النقلي، بل إن بعضهم من شيوخ البخاري ومسلم، ويتأكد هذا النفي بالنظر إلى بعض ما قاله أعلام الفكر المعاصر، الذين وإن أقروا بالجهد الكبير الذي بذله كل من البخاري ومسلم، إلا أنهم وضعوا ذلك في سياقه الطبيعي كجهد بشري قابل للإصابة، كما هو قابل للخطأ، وأن تكريم النبي الأعظم ـ ص ـ يستلزم التوقف عند كثير من أحاديث البخاري لمراجعتها، ولن يستطيع أي عاقل ـ مهما كانت تقليديته ـ تصحيح أحاديث تُناقض أبجديات التعقل الإنساني، كحديث أن "الفأر أمة من بني إسرائيل"، وحديث أن الشمس إذا غربت تذهب لتسجد تحت العرش، وحديث أن القردة اجتمعت على قِرْدة فرجمتها لأنها زنت وهي متزوجة، وأن الأشجار تتحدث؛ تسلم وترد السلام...إلخ، فالإسلام ونبي الإسلام ومستقبل المسلمين أهم من بقاء معصومية البخاري؛ لو يعقل التقليديون المتعصبون!.

اقرأ للكاتب أيضا: إشكالية الثبوت في النص الديني

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Anti-government protesters chant slogans as they march during a demonstration in the central Iraqi holy shrine city of Karbala…

في 20 شباط الماضي نشرت مجلة فورن بوليسي مقالا لجون حنا نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكان عنوانه "العراق يحتاج لتغيير النظام مجددا". تزامن نشر هذا المقال مع فترة التظاهرات وحراك السيد محمّد توفيق علاوي لتشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشل علاوي في نيل الثقة لتلك الحكومة من البرلمان.

ركز المقال على نقطة مهمة جدا، وهي أساس الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي في العراق، والتي وصفها كاتب المقال بـ "انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003".

استحضر هذا المقال، بعد مرور سبعة عشر عاما على تغيير النظام الدكتاتوري في العراق، لكنه يعود إلى نقطة البداية، فهو اليوم على مفترق طريق بين الإبقاء على واقع اللادولة وديمومة الفوضى والتفكير بحلول تواجه أزمة الشرعية المتصاعدة رغم وجود انتخابات وعناوين لمؤسسات سياسية.

ما يعانيه العراق اليوم هو البقاء ضمن دائرة الأزمات التي تنتجها متلازمة التغيير والاضمحلال السياسي والتي شخصها صامويل هنتنغتون في الأنظمة التي شهدت تحولا سياسيا، وقتئِذ يصل اليأس من النظام السياسي إلى حالة التمزق، ولا تتمتع المؤسسات السياسية فيه سوى بقدر قليل من السلطة، وبقدر أقل من السيادة، وبانعدام المرونة. 

يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى 

ونتيجة هذه الأزمات يصل النظام إلى أزمة "الانحلال السياسي". ويشخص هنتنغتون المشكلة الرئيسة التي تواجه الأنظمة السياسية التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار على أنها الهبوط في النظام السياسي، والتقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، وهو نتاج إلى حد كبير للتغيّر الاجتماعي السريع لفئات جديدة في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

ويبدو أن عجلة النظام السياسي في العراق متوقفة عند عتبة هذه الأزمات، إذ تتفق الطبقة السياسية جميعها على أن العراق يعيش فعليا أزمات الانسداد السياسي، بيد أنها تبدو عاجزة تماما عن طرح حلول لتجاوز ذلك. 

فالقوى السياسية تريد الإبقاء على منظومة سياسية تدار بمنطق التخادم المصلحي الذي لا يمكنه إلا أن يعيد تدوير ثنائية الفشل والفساد. ومن جانب آخر، لا تفكر بحلول عَمَليّة قادرة على تجاوز حالة الانسداد، وبدلا من ذلك تُسخّر كل ماكيناتها الإعلامية للترويج لنظرية المؤامرة الخارجية التي تسعى للانقلاب على هذا النظام، وبالتأكيد هم يتحدثون هنا عن نظامهم الذي أسسوه، وليس النظام السياسي المُرتبط بإدارة مصالح المجتمع.

والمفارقة، أن هذه الطبقة السياسية تريد من الجمهور أن يرفض أيَّ محاولة لتغيير النظام، وتتجاهل تماما، أن العراقيين باتوا لا يستحضرون أيَّ أمل بالتغيير إلا بالتدخل الخارجي! إذ يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى عند التفكير بتغيير الطبقة السياسية التي تتقاسم الحكم وتصادر الدولة. ومن ثم تكون جميع الاحتمالات للتغيير مُرحَّبٌ بها.

لا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي

الطبقة السياسية الآن تفتقد تماما إلى شرعية المنجَز، وتمثيلها للمجتمعِ ينحسر يوما بعد آخر، حتى يصل إلى مستوى مجموعة من الناخبين يرتبطون بمصالح مع شخوص تلك الطبقة، ويتم تحشيدهم في مواسم الانتخابات. وبالنتيجة، تتآكل الشَّرعية السياسية والدستورية وتنعكس على الأداء السياسي ووظائف الدولة.

إذا، ما هو الحل؟

شخصيا، لا أرى في الانقلاب العسكري حلا للأزمة، بل هو تفكير ماضوي سخيف يريد العودة مرة ثانية إلى حكم العسكر بعد أن غادرته أكثر الدول تخلفا. كذلك الانقلاب الذي يتم بإرادة حزبية أو ميليشياوية وبدعم خارجي سيواجه الأزمة عينها التي تواجهها الانقلابات العسكرية بوجود نخب خاسرة تسعى لاستعادة موقعها في النظام السياسي، ونخب صاعدة تحاول أن تمركز بقاءها بالسلطة، والنتيجة عدم الاستقرار السياسي، ويكون السِلم الأهلي مهددا باللجوء إلى العنف.

هناك مسألتان يجب استحضارها عند مناقشة حلّ أزمة النظام السياسي وشرعية الطبقة السياسية؛ الأولى هي حركة الاحتجاجات التي ساهمت بإعادة الاعتبار للجمهور مرة أخرى، بعد أن كان مجرّد أرقام في حسابات الطبقة السياسية في فترة الانتخابات. والثانية، التفكير بالحلول يجب أن يبقى في حدود الممارسات الديمقراطية والسعي لترسيخها، وليس بالانقلاب عليها بدعوى وجود خلل في تطبيقها.

تبدأ أولى خطوات الحل بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني في العراق لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية. وبسبب السلوك السياسي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم

أهم إشكاليات النظام البرلماني هي مصادر قرار البرلمان كمؤسسة تُعبّر عن إرادة ممثلي الشعب، من قبل الزعامات السياسية التي لا تزال تتمتع بنفوذها السياسي من خلال مظاهر الشرعية التقليدية كالزعامات الدينية أو الكاريزمات التي صنعها عنوان المنصب السياسي. وبذلك تتم مصادرة القرار السياسي للبرلمان وللنواب ممثلين الشعب، وتكون النتيجة تمركز السلطة بيد الزعامات وليس المؤسسات الشرعية.

يخطأ كثيرون عندما يعتقدون أن النظام شبه الرئاسي يعني غياب البرلمان، بل على العكس هو قد يمثّل حلا لإعادة الاعتبار في الفصل بين السلطات، بعد أن أثبتت تجربة الأعوام السبعة عشرة من انحراف النموذج العراقي عن تطبيقات النظم البرلمانية، فالجميع بالسلطة والجميع في المعارضة. 

ومن ثم، التوجه نحو تطبيق النظام شبه الرئاسي سيهم بإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكونهما يعيدان الاعتبار للإرادة الشعبية في التمثيل السياسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم، فهو قد يشكل الفرصة الأخيرة لكسب الوقت، وقد يكون مدخلا لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي. وربما قد يكون مجرّد التفكير بأن التغيير سيتم على يد الطبقة السياسية الحاكمة هو أيضا نوع من الوهم.