نيوزيلنديون يمضون الليل في تذكر ضحايا المسجدين
نيوزيلنديون يمضون الليل في تذكر ضحايا المسجدين

مالك العثامنة/

كيف يمكن أن تمشي بلا قلق في هذا الكوكب؟

هذا سؤال قد يكون افتراضيا وعبثيا لو تم طرحه قبل سنوات من الآن، لكنه اليوم يصبح سؤالا في مكانه وزمانه بلا افتراضات. سؤال واقعي أمام قلق يستحكم فينا نحن بني البشر في كل زوايا الكوكب، ونحن نقصي بعضنا البعض حكما بالإعدام موتا فقط لأننا مختلفون!

خذوني مثالا..

أنا أعيش في بلجيكا، وعندي أسرة أحاول أن أوفر لها عيشها وأعمل كاتبا وصحافيا، بوصلتي في الحياة هي الإنسان كقيمة، ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

فكرة الإنسان كقيمة والتي أدافع عنها في كل ما أكتب، تضعني في مواجهة وعلى خطوط المجابهة المتقدمة مع حركات الإسلام المتطرف التي انتشرت في أوروبا ووجدت لها معاقلا وحصونا آمنة بفضل دول المؤسسات والقوانين التي يسعى المتطرفون أنفسهم إلى هدمها (لإخراج الناس من الظلمات إلى النور!).

كان لهؤلاء المتعصبين حاناتهم الخاصة والمعزولة، ولم يكن لهم مكان محترم في المساحات الاجتماعية المحلية في أوروبا

​​أسكن في شقة ضمن عمارة، وجاري الملاصقة جدرانه لجدراني أفريقي له معتقدات دينية قبلية خاصة فيه، الجار الذي يليه مسيحي من أفريقيا، والذي يليه تركي مسلم.

هذا طابق كامل متعدد الهويات والأديان، لكنه كله هدف شهي ليميني أوروبي متطرف يرى في العرق الأبيض سيادة على باقي الأعراق؛ في نظر هذا الأوروبي المتطرف، فنحن كلنا غزاة!

الوحيد الذي يتحمل كل هذا التعدد ويحتويه بلا أدنى تذمر بل برحابة هو "الدولة" العلمانية التي تضمنا جميعا، لكن المتطرف اليميني الذي يشعر بالخطر من الغزاة، بدأ يرفض قوانين الدولة، ولاستحالة نجاحه في محاولة تغيير القوانين والتشريعات، فإنه سيلجأ لمفهوم الإقصاء، ويغذي حقده المتزايد يوما بعد يوم، مفاهيم إقصاء مقابلة ترى في أي "آخر" خارجا عن الملة وجب إلغاؤه عن الوجود باسم "المقدس".

هذا مقلق.. ومقلق جدا.

♦♦♦

في مدينة "غنت" التي أعيش بها، معلم تاريخي حي، وهو سوق الجمعة الذي لم يتوقف منذ أكثر من مئتي سنة، وهو سوق مفتوح يقام كل جمعة في كل الفصول.

قبل سنتين، كنت أتجول في السوق، لأرى الناس منزعجين من بائع عربي مسلم بلحية كثة وهو يعرض بضاعته وقد شغل بصوت عال ومرتفع تسجيلا للقرآن على سماعات نصبها حول بسطته.

اقتربت منه بعد تردد، وسألته بالعربية عن هدفه من ذلك، فابتسم وقال لي: لعل الله يهديهم إلى الحق.

طبعا اعترضت على سلوكه وأوضحت له أن استخدام المكبرات لأي تسجيل صوتي ممنوع بحكم القانون، فلم يعجبه كلامي، لكن البوليس المحلي أنقذ الموقف وأجبره على وقف "دفقه الإيماني".

بين الناس، كان هناك قلة من رواد السوق، شباب بلجيكيون من العرق الأبيض، واضح من الوشوم التي زينوا بها أجسادهم أنهم متعصبون لعرقهم وجنسهم، كنت أراهم يتجمعون بعد حادثة السوق تلك في حانات قريبة يراقبون الرجل العربي، ويتهامسون بملامح غضب واضحة.

لقد قدم لهم الرجل ما يروي لهم تعصبهم الأعمى، من خلال تعصبه الأعمى نفسه.

♦♦♦

حتى سنوات مضت، كان المتطرفون البيض، والذين تسميهم الصحافة بالنازيين الجدد تحقيرا لهم، ليسوا أكثر من حثالات لا ينتبه إليها أحد من الأوروبيين، لقد كانت القيم الأوروبية تعيش أوج مجدها منتصرة بالقيم الإنسانية التي وحدت أوروبا القارة.

كان لهؤلاء المتعصبين حاناتهم الخاصة والمعزولة، ولم يكن لهم مكان محترم في المساحات الاجتماعية المحلية في أوروبا.

الوحيد الذي يتحمل كل هذا التعدد ويحتويه بلا أدنى تذمر بل برحابة هو "الدولة" العلمانية

​​القيم الإنسانية الأوروبية طبقت مفاهيمها على أوسع نطاق حين استقبلت وعلى مدار عقود طويلة (قبل الأزمة السورية حتى)، لاجئين إلى القارة هربا من البطش والحروب والاستبداد. أتى القادمون الجدد بحثا عن الأمن والأمان، لكن من بينهم من حمل معه تعصبه وشذوذه الفكري والديني مؤمنا بأنه من "الفئة الناجية" دون باقي البشر.

هؤلاء بسلوكياتهم وتصرفاتهم وسعوا دائرة قبول المتعصبين البيض ضمن محيطهم الاجتماعي والسياسي؛ صار للنازيين الجدد منابر وأصوات عالية، بل ومسموعة، وصار لهم أحزاب تنافس في الانتخابات، وهذا يعني قبولا مجتمعيا ولو بمساحات ضيقة في الحياة السياسية.

♦♦♦

على ضفاف الذاكرة البعيدة..

مرة عثرت في مجلة العربي الكويتية العريقة، على صورة عن خاطرة كتبتها السيدة فيروز في الثمانينيات من القرن الماضي، تصف فيه مشاعرها العائلية وحزنها الخاص، ولا أنسى خط يد السيدة فيروز الأنيق والجميل مستهلا خاطرتها بكلمة "عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية.." فأراني أرى عالمنا اليوم كله مثل تراجيديا إغريقية مضمخة بالدم والمآسي، لتنهي السيدة فيروز خاطرتها الجميلة بجملة حاسمة عن رؤيتها للعالم بقولها: " في ناس بس ما في إنسان".

واليوم.. وأنا أرى كل هؤلاء الناس بكل تعصبهم الديني والعرقي، كخطوط متوازية لا تلتقي لكنها بنفس الاتجاه، أجدني أردد ما قالته السيدة همسا" في ناس بس ما في إنسان".

وأجدني أمشي بقلق.. على هذا الكوكب.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يفعلها الملك؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.