يبكي من قتل في العبّارة في الموصل
يبكي من قتل في العبّارة في الموصل

إياد العنبر/

لا أظنّ أن شعبا من سكان المعمورة ذاق طعم الموت مثل العراقيين، فهم في علاقة وثيقة معه لا تعرف الانفصام. يأتي تارة على يد نظام حكم استبدادي، ويحلّ تارة أخرى جراء الحروب، وإذا انعدم هذان السببان يجلبه أبناء الوطن بأنفسهم حتى تصل البلاد إلى حافة الحرب الأهلية. وبعد 2003 كان الإرهاب العنوان الأبرز للموت المجاني.

لا نريد أن نذهب بعيدا في أعماق التاريخ، ولكن يمكننا أن نعمل جردة حساب لحوادث الموت منذ تأسيس الدولة العراقية: فعند دخول القوات البريطانية واجه العراقيون الاحتلال في بدايته ومات منهم المئات؛ وانفجرت مشكلة الآشوريين في الثلاثينيات من القرن الماضي وانتهت بمجزرة. وفي عهد الجمهورية الأولى حدثت مجازر في كركوك والموصل وبدأ العصيان الكوردي، ولم يتوقف إلا في منتصف السبعينيات مخلفا آلاف القتلى أغلبهم من المدنيين.

مشهد غرق العَبّارة في الموصل يشبه إلى حدّ كبير المشهد العراقي

​​وفي الجمهورية الثانية كان الحرس القومي بطلا لإرهاب الدولة وناشرا للموت. وفي عهد جمهورية الرّعب والقسوة الثالثة ذهب مئات الألوف من الشهداء في الحرب العراقية ـ الإيرانية، ناهيك عن المجازر الوحشية بحقّ المعارضين لحكم الطاغية صدام، من ضحايا الإجرام في حلبجة، وضحايا القمع الوحشي لمناطق الانتفاضة الشعبانية، إلى المقابر الجماعية لأهالي الوسط والجنوب.

والحكاية لم تنته عند هذا الحد، إذ سقط نظام صدّام الدكتاتوري لكن قوافل الموت المجانية لم تنته! إذ جاء الموت على شكل صور ثلاث: الأولى من خلال العمليات العسكرية، والثانية على يد الجماعات الإرهابية بغض النظر عن عناوينها وتسمياتها، والثالثة بسبب حماقات السلطة وعجزها عن القيام بأهم وظائفها في توفير الأمن والأمان، وخير دليل على ذلك حادثة جسر الأئمة في بغداد، ومجزرة سباكير في 2014.

ولا يزال العراقيون مشاريع للموت، إذ يواجهون كل يوم موتا بعنوان جديد، ومن يقتلهم اليوم هو الفساد! ففي دولة سلطانها الفساد لا يمكن لنا أن نتوقع إلا استمرار قوافل الموت المجاني. فغياب سيادة القانون يعني غياب منطق الدولة، ومن ثم تحكّم مافيات الفساد في إدارة جميع مفاصل الحياة في "دولة" تحكمها طبقة سياسية تعتاش على الخراب.

شموع حزنا على ضحايا العبّارة

​​ما حدث في الموصل في 21 آذار/مارس، في حادثة غرق العَبّارة الذي أودى بحياة العشرات، أغلبهم من النساء والأطفال، لم يكن إلا نتيجة للفساد وسوء الإدارة التي تفتك بحياة العراقيين في جميع مدن العراق.

إن ما يحدث في الموصل بعد تحرريها من تواجد تنظيم داعش، هو سوء إدارة لمنطقة منكوبة؛ فالعمليات العسكرية لم تترك إلا أرضا محروقة، ولم تستثمر الحكومة فيها على إعادة بناء جسور الثقة بين مؤسساتها الأمنية والسياسية والمواطن الذي بات يؤمن بأن الدولة، حتى وإن كانت فاشلة، فهي ملاذ أكثر أمانا من "دولة وهم" أراد داعش أن يفرض نموذجها في نينوى. بيد أن لا الحكومة ولا مجلس المحافظة ولا المحافظة كانت تملك رؤية لإدارة المحافظة في مرحلة ما بعد التحرير، وحتى شعار النصر لم يُستَثمَر إلا كدعاية انتخابية في 2018.

من يقتل العراقيين اليوم في البصرة والموصل وبغداد، وجميع مدن العراق هو وجود طبقة سياسية فاسدة تعمل وفق منظومة التخادم بين رجالاتها وأحزابها. فالطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد 2003 اختلفت في رؤيتها لهوية الدولة، وطبيعة نظام الحكم، وتعددية ولاءاتها الخارجية. لكنها تتفق على شيء واحد ألا وهو رؤيتها للسلطة وفق عنوان الغنيمة وإدارتها بمنظور واحد هو الفساد.

كانت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) تصدر شهريا إحصائيات لعدد القتلى والجرحى جراء العمليات الإرهابية. أما اليوم فتحتاج إلى إحصائيات بأعداد الضحايا الذين تُزهَق أرواحهم بسبب الفساد! وإنْ كان هذا الموضوع لا يحتاج إلى إحصائيات ومؤشرات تستخدم كدلالة لإثبات وجوده في العراق.

لا يزال العراقيون مشاريع للموت، إذ يواجهون كل يوم موتا بعنوان جديد، ومن يقتلهم اليوم هو الفساد!

​​فمن يراجع المؤسسات الصحية في جميع المحافظات سوف يستشعر أن أغلبها هي مرافق للموت وليس لإعادة الحياة. فإذا أجرينا إحصائية مقارنة بين أعداد ضحايا العلميات الإرهابية، وما يقابله من أعداد لضحايا الفساد وسوء الإدارة، فبالتأكيد لن يكون الفارق كبيرا. فحوادث السير في الطرقات الخارجية الرابطة بين المحافظات والمدن العراقية كفيلة بأن تتفوق في أعداد ضحاياها على أعداد ضحايا العمليات الإرهابية التي تعتمد العجلات الملغومة أو الأحزمة الناسفة. إذ أن هذه الطرق تفتقد لأبسط مقوّمات السَّلامة، والسبب الرئيس في ذلك هو الفساد.

مشهد غرق العَبّارة في الموصل الذي تناقلته وسائل الإعلام، يشبه إلى حدّ كبير المشهد العراقي. فالعَبّارة تشابه واقع "دولة" اسمها العراق، يبحث مواطنوها عن مناسبة للفرح والاحتفال لتأكيد حبّهم للحياة. لكن هذا الوطن ليس فيه أبسط مقومات للعيش الآمِن، وأبناؤه مشاريع للموت بعناوين عدة. والعَبّارة لا يمكن لها أن تصمد أمام أمواج الفساد التي تحرفها عن مسارها، والطبقة السياسية التي تنظر إلى هذا البلد على أنه مشروع استثماري يعظّم مواردها، لا يهمها شأن المواطنين. ويبدو أن عَبّارة العراق لن تصمد طويلا أمام الغرق في بحر الفساد.

لم يكن الموصليون إلا نموذجا للعراقيين الذين تحدّوا الإرهاب وأعلنوا الانتصار عليه على كافّة الأصعدة، وليس في ساحات المواجهة والمعركة فحسب! لقد انتصر العراقيون من خلال تمسكهم بإرادة الحياة قبال ثقافة الموت والدمار التي أراد الطائفيون والإرهابيون إشاعتها بعد 2003. لكنهم لا يزالون عاجزين ومستلبين الإرادة أمام الفساد والفاسدين الذين يعيثون في أرض العراق الدمار والخراب.

اقرأ للكاتب أيضا: الدولة الفاشلة باقية وتمدد في العراق

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟