توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في البيت الأبيض عام 1979
توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في البيت الأبيض عام 1979

هيثم حسنين/

صادف يوم 26 آذار/مارس الذكرى السنوية الأربعين لمعاهدة السلام بوساطة الولايات المتحدة والتي وقعها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. ومن أجل تخليد ذكرى تلك اللحظة التاريخية، نظمت إسرائيل مؤخرا فعاليات في "معهد هاري ترومان للبحوث" و"معهد دراسات الأمن القومي" و"كلية الجليل الغربي" و"جامعة بار إيلان" و"مركز تامي شتاينمتس لأبحاث السلام"، حصدت كل واحدة منها تغطية إعلامية مكثفة. ومع ذلك، شعر العديد من المشاركين بالإحباط لأن السلطات في القاهرة لم تسمح لأي مسؤولين مصريين أو مواطنين عاديين بالمشاركة في هذه الفعاليات.

ولا تبرر التدابير اللوجستية الدبلوماسية أو حتى تفسيرات الحكومة المعلنة على نحو ملائم هذا الامتناع. فالعديد من المسؤولين المصريين المتمركزين في تل أبيب يتحدثون العبرية بطلاقة وهم قادرون إلى حدّ كبير على مخاطبة الجماهير الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، أفاد أحد هؤلاء المسؤولين أن القاهرة ترغب في الاحتفاظ باحتفالها الرسمي بالمعاهدة لحدث يستضيفه الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا، إلا أنه لم يتم بعد تحديد موعد مثل هذا الحدث.

لا يرى المصريون أي صراع متوقع مع إسرائيل ما لم تبادر إلى مهاجمتهم أولا أو إلحاق الضرر بمصالحهم الوطنية

​​كما يمكن رؤية هذا التباين الصارخ نفسه في ردّ وسائل الإعلام في البلدين إزاء هذه الذكرى. فقد كرست وسائل الإعلام الإسرائيلية مساحة كبيرة للاحتفال بذكرى توقيع المعاهدة، لكن بالكاد قامت أي وسيلة إعلامية مصرية بتغطيتها باستثناء بعض الاقتباسات من وسائل إعلام إسرائيلية. وبدلا من ذلك، ركّزت على الذكرى الثلاثين لإعادة إسرائيل مدينة طابا المتنازع عليها في سيناء إلى السيطرة المصرية ـ وهو حدث يُحتفل به باعتباره عطلة وطنية كل 19 آذار/مارس.

وفي الموازاة، نشر مؤخرا موقع إلكتروني مرتبط بجماعة "الإخوان المسلمين" تقريرا يصف السلام بين الدولتين بـ"الوهمي" ويرثي "مفاعيله الكارثية والعكسية"، إذ إنه فتح الباب أمام وجود إسرائيل المستمر. [والأسئلة التي تطرح نفسها هنا] ما الهدف الكامن وراء هذه الردود المتباينة وما هي التداعيات السياسية المترتبة عليها بالنسبة للعلاقات الإقليمية مع إسرائيل؟

سلام دون تطبيع

بعد مرور 40 عاما على توقيع المعاهدة، يحمل الوضع الراهن للعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية في طياته كثير من الإنجازات المهمة والمشجعة:

  • غياب أي أعمال عدائية مسلحة بين البلدين لمدة أربعة عقود
  • اتفاقيات عسكرية سليمة تماما
  • علاقات دبلوماسية وقنصلية مستمرة
  • حرية مرور سفن الشحن الإسرائيلية في قناة السويس
  • علاقات تجارية متبادلة (على الرغم من أن مصر تبقيها في حدها الأدنى)
  • تعاون عسكري وثيق لمنع هجمات إرهابية على إسرائيل انطلاقا من مصر
  • غياب أي تدخل مصري عندما تتواجه إسرائيل عسكريا مع جيران عرب آخرين
  • سياحة إسرائيلية مشروعة إلى مصر (رغم أن القاهرة لا تفعل شيئا لتشجيعها)
  • قنوات حوار مفتوحة حول إقامة سلام شامل في المنطقة

ومع ذلك، يجب التمييز بشكل واضح بين الحفاظ على هذه الجوانب الأساسية للسلام والتقدّم بالعلاقات خطوة إضافية نحو التطبيع. فعلى مرّ السنين، خلص البلدان إلى أن الهدف الأول أهم بكثير من الثاني.

إلا أن كل بلد يفصل بين هذه الأولويات بدرجات متفاوتة، فقد لجأت السلطات المصرية إلى هذا الاختلاف لتعزيز مصالحها الخاصة، وغالبا ما استخدمته كأداة للعقاب أو المكافأة. وتدرك القاهرة جيدا أن العديد من الإسرائيليين يتوقون جدا إلى الاعتراف [بدولتهم] وإلى المودة والعلاقات الطبيعية بحيث سيغتنمون في معظم الأحيان أي باب دبلوماسي مشرّع أمامهم ـ ويدفعون الثمن عن طيب خاطر لإبقائه مفتوحا إذا هدد الجانب الآخر بإغلاقه. ولهذا السبب، تعمد مصر بين الحين والآخر إلى تبادل الوفود مع إسرائيل، وإرسال مجموعة من السياح إلى هناك، والتعاون في مجالات فنية محددة، وكذلك التخفيف من حدّة الهجمات في وسائل الإعلام المصرية، وتحسين الوضع الأمني في محيط السفارة الإسرائيلية، ومنح الإذن لإقامة أنشطة ثقافية ثنائية، وتحسين العلاقات التجارية بشكل هامشي، والسماح لعقد اجتماعات بين شخصيات بارزة إسرائيلية ومصرية، وقبول الدعوات الإسرائيلية للمشاركة في مآدب عشاء رفيعة المستوى، والمشاركة في معارض تجارية أو ثقافية مع الإسرائيليين.

في الوقت نفسه، تسمح الحكومة لوسائل الإعلام المحلية بالحفاظ على نبرة معادية للغاية تجاه إسرائيل. فخلال احتفالات شهر رمضان في العام الماضي على سبيل المثال، بثّ التلفزيون المصري برنامجا تبيّن خلاله أن أحد أفراد تنظيم "القاعدة" العامل في البلاد هو عميل لـ "الموساد" الإسرائيلي يعتزم تعريض الأمن القومي في مصر للخطر. وأشادت الحكومة علنا بالبرنامج، ويبدو تأييدها الضمني لمثل هذه الآراء المشوهة واضحا بالنظر إلى درجة سيطرة معسكر السيسي على قطاع الإعلام منذ توليه السلطة. ويمكن اعتبار معظم الأوصاف التي تطلقها وسائل الإعلام على القضايا المتعلقة بإسرائيل بأنها تحظى بموافقة المسؤولين الحكوميين، مما يعكس رغبة واسعة النطاق بنبذ الإسرائيليين واليهود، وإثارة الخوف والكراهية تجاههم، وتمجيد الصراع العربي ضدّهم.

ويقينا، تلتزم مصر تماما بالحفاظ على السلام رغم هذا الخطاب. ففي النهاية، تم بث برنامج المؤامرة بين "القاعدة/الموساد" وغيره من البرامج في وقت يشهد تعاونا أمنيا غير مسبوق بين الجيشين الإسرائيلي والمصري. وتحرص القاهرة أيضا على مساعدة المجتمع الدولي على توسيع نطاق السلام مع إسرائيل ليشمل دولا عربية أخرى. ومع ذلك، فإن مفهومها للعلاقات السليمة يختلف عن مفهوم إسرائيل.

ولا يرى المصريون أي صراع متوقع مع إسرائيل ما لم تبادر إلى مهاجمتهم أولا أو إلحاق الضرر بمصالحهم الوطنية. ووفقا لذلك، لا يوجد أي سيناريو موثوق يمكنهم بموجبه المحاربة بالنيابة عن الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين. لقد تمّ اختبار هذا الواقع أساسا وإثباته مرات عديدة ـ خلال الانتفاضات الفلسطينية والحروب في لبنان والحملات العسكرية الإسرائيلية في غزة وغيرها من الظروف. وقد تعلّمت القاهرة من الأخطاء التي ارتكبتها قبل عام 1979، ولن تدخل في حرب ضد إسرائيل مجددا إلا إذا كان ذلك في ظل ظروف أمن قومي طارئة.

كما تنظر مصر إلى نفسها على أنها القائد المهيمن للعالم العربي، وبالتالي يحق لها مواصلة السعي وراء المصالح العربية مقابل إسرائيل. ولم يتغير هذا الموقف عندما طردت "جامعة الدول العربية" القاهرة من صفوف المنظمة لسنوات بعد توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل. ومنذ حرب 1973، خلص المسؤولون المصريون إلى أنه يجب التعامل مع القضايا العربية مع إسرائيل على طاولة المفاوضات وليس في ساحة المعركة. وكدليل على هذه النظرية، لفتوا إلى أنه تمّت إعادة سيناء إليهم من دون إطلاق رصاصة واحدة.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن القاهرة تعتقد أن الدول العربية الأخرى ليست قوية بما يكفي للتعامل مع مسألة التطبيع بالكامل، معتبرة نظريا أن مثل هذه النتيجة ستسمح لإسرائيل بالسيطرة على أنظمتها الاقتصادية والمالية. وبالتالي، يبدو أن المسؤولين المصريين يروجون لمقاربتهم الخاصة لإسرائيل باعتبارها النموذج الأفضل ـ وخاصة توقيع اتفاق سلام ثنائي، ومع ذلك وضع حدود للتطبيع من أجل تفادي الضرر المفترض الذي قد تُلحقه إسرائيل بالنسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي في المنطقة.

يبدو أن القاهرة تعتقد أن الدول العربية الأخرى ليست قوية بما يكفي للتعامل مع مسألة التطبيع بالكامل

​​ويتمثل الجانب المشرق لهذا النموذج من السلام البارد في عدم نظر المسؤولين المصريين بجدية أبدا في إلغاء معاهدة السلام، ويرجع ذلك أساسا لأسباب استراتيجية. فمن وجهة نظرهم، قد يعتبر المجتمع الدولي مثل هذا القرار عملا عدوانيا. وهذا بدوره يمهد الطريق أمام إسرائيل لشنّ هجوم على سيناء وقناة السويس والسيطرة عليهما، مما يلحق الضرر بالمصالح الاقتصادية لمصر بينما يعزّز تلك الخاصة بإسرائيل.

توصيات للسياسة الأميركية

بإمكان للولايات المتحدة اتخاذ عدة خطوات محددة من أجل الحدّ من الحواجز التي لطالما أعاقت أي تطبيع حقيقي بين إسرائيل ومصر. فعلى سبيل المثال، يجب على إدارة ترامب أن تشجع القاهرة لكي تسمح بإجراء رحلات سياحية إلى إسرائيل دون مطالبة الأفراد بالحصول على إذن من أجهزة الاستخبارات والأمن في البلاد.

تجدر الإشارة إلى أن مصر لديها أقسام باللغة العبرية في ثلاث عشرة جامعة، لكن خريجي هذه البرامج لا يُسمح لهم عموما بزيارة إسرائيل. وعلى نحو مماثل، سُمح لعدد قليل من رجال الأعمال المصريين بإبرام صفقات مع إسرائيل حتى عندما كان مثل هذا التعاون مفيدا للبلاد ككل ـ على سبيل المثال، من شأن المشاريع التي تستفيد من خبرة إسرائيل الكبيرة في مجال تكنولوجيا المياه أن تساعد في التخفيف من مخاوف ندرة المياه في القاهرة.

هيثم حسنين كان زميل "غليزر" في معهد واشنطن في الفترة 2016 ـ 2017.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟