نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم - صورة أرشيفية.
نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم

حسين عبدالحسين/

يندر أن يغوص مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، أو الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، في نقاشات فكرية، بل هما يكتفيان في الغالب بالتعليق على شؤون الساعة، وإطلاق شعارات شعبوية بهدف تحفيز المحازبين، وهو ما سمح لنائب نصرالله، الشيخ نعيم قاسم، تولي مهمة تقديم تفكير الحزب، المستوحى في الغالب من الأفكار الإسلامية الإيرانية.

يقول قاسم، في حفل تأبين في بلدة قبريخا في جنوب لبنان، إن المواجهة مع أميركا "ليست عسكرية، وإنما سياسية وثقافية واجتماعية"، وإن الأميركيين توصلوا إلى أنه "يجب جذب الناس إلى قناعاتهم، بحيث ينحرف (الناس) بإرادتهم، ويسلمون" للأميركيين. لكن بدلا من أن تنحرف شعوب الشرق الأوسط، يعتقد قاسم أنها "استيقظت، وعادت إلى دينها، وربها، وطاعتها، واستقامتها". ويختم أن "المشكلة ليست في قناعاتنا وبما نؤمن به… فهل إذا كان لدينا أولاد نريد أن نربيهم على طاعة الله عز وجل، فنربيهم بطريقة نصف مؤمن ونصف كافر كي يرضوا عنا"؟

مشكلتنا مع إيران و"حزب الله" هي مشكلة أحرار العالم مع طغاته

​​رؤية قاسم للشعوب والدول والصراعات قاصرة، وسابقة لأفكار عصر التنوير، إذ هي تعتبر أولا، أن كل شعب هو وحدة دينية متجانسة، ما يقضي على حرية الأفراد داخل هذه الشعوب، وتعتبر أن الأفراد في كل شعب متطابقي الرأي والدين والموقف. هكذا، في عقل قاسم تصبح كل شعوب الشرق الأوسط مؤمنة بالله والدين، وهو علامة استقامتها، فيما تصبح كل أميركا منحرفة، وساعية لحرف شعوب الشرق الأوسط عن دينها واستقامتها.

العالم، في تفكير قاسم، نصفان: نصف مؤمن يعيش في الشرق الأوسط، ونصف كافر يعيش في الولايات المتحدة والغرب، والتسوية بين الطرفين مستحيلة، إذ أنها تنتج أولادا هجناء، ناقصي دين.

لبّ المشكلة في تفكير قاسم و"حزب الله" وإيران هو استبدال الفرد بالجماعة، وهو فكر بدائي، فطري بطبيعته، عاشت واندثرت في ظلّه شعوب وحضارات غابرة، إلى أن جاءت بعض الأديان، وحرّضت الأفراد ـ ضد رأي جماعتهم ـ على الإيمان بخالق واحد يسمو على كل البشر، وهو في سموه، يجعل من الأفراد متساوين، في الحقوق والواجبات، ويمنحهم حياة ثانية فيها تعويض عن المظالم التي ألمت بهم في حياتهم الأولى. رسول المسلمين خرج على قريش ورأيها، وقبله خرج المسيح على اليهود. بعض الأديان كانت أول من سمحت بتمرد الفرد على جماعته.

لا دراسات وافية عن الموضوع بعد، ولكن يمكن ربط صعود الفردية، على حساب الجماعة، باكتشاف مبدأ التعامل النقدي، حوالي 600 عاما قبل الميلاد. قبل النقود، كان الاقتصاد بالمقايضة، وكان رئيس أي جماعة يحدد مهام كل فرد في عملية الإنتاج، مقابل رعاية الرئيس للأفراد، وحمايتهم، وإطعامهم. في تلك المجتمعات البدائية، لم يحتكر رئيس الجماعة وسائل الإنتاج والاقتصاد فحسب، بل كان رأيه السائد وحده، وكان وحده سليل الآلهة، ويعود إليهم بعد مماته.

ظهور النقود سمح لرئيس الجماعة بشراء إنتاج الأفراد، وحرره من مسؤولياته الأخرى، فأعطت النقود للأفراد خيارات واستقلالية، وسمحت لهم بشراء حياة أبدية مثل ملوكهم، فوجد تجار الهيكل فرصة سانحة في بيع صكوك الرضا الإلهي للأفراد نقدا، ومع تراكم الثروات لدى الهيكل، راح ينافس الملك في الحكم، وراح الملك ينافس الهيكل في الألوهية، وحصل مرارا أن جمع البعض الحكم والألوهية معا، فحازوا على سلطة مطلقة، وهو النموذج الذي يصف خامنئي اليوم، الفيلسوف الملك، حسب المبدأ الأفلاطوني.

بعد ألفيتين ونصف، اندلعت الثورة الصناعية في أوروبا، وراح الصناعيون يتسابقون لشراء ساعات العمل ومهارات العمال، فراكم العمال قدرات مالية سمحت لهم بالانشقاق عن لورداتهم وقبائلهم ومعابدهم، والاستقلال في معاشهم وآرائهم ومعتقداتهم، فصارت الحرية الفردية ـ حرية التعبير، والملكية، والدين، والمأكل، والملبس، والاجتماع ـ حجر الأساس في العقود الاجتماعية (الدساتير) لمعظم الحكومات الغربية.

ومن نافل القول إن الحرية الفردية في الغرب تعرضت، وما تزال، لانتكاسات كان أبرزها صعود القومية النازية والفاشية، التي ترى الناس ـ مثل الشيخ قاسم ـ أمما متجانسة، ومتطابقة في الرأي والتفكير والمعتقد. وعندما يصبح التباين داخل الشعب الواحد متعذرا، يصبح النقاش الوحيد المتاح هو ضد الشعوب الأخرى.

هكذا، تصبح شعوب الشرق الأوسط كلها مستيقظة، وشعوب الغرب كلها منحرفة، وأميركا، بعدما فشلت في الإقناع عبر حربها الناعمة، جرّدت جيوشها على المسلمين، وهؤلاء خياراتهم إما مؤمن أو كافر، ولا تسويات أمامهم، فانحصر خيارهم بالقتال.

وللإنصاف، ليست إيران و"حزب الله" وحدهما في التمسك بتفكير متأخر لا يدرك الأهمية المطلقة للحرية الفردية، ويحاول تقييدها بحجة الحفاظ على القيم المجتمعية، أو "الاحترام"، أو القول إن "حرية المرء تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر"، وكأن الحرية قيمة محددة يتم توزيعها بالتساوي.

لبّ المشكلة في تفكير قاسم و"حزب الله" وإيران هو استبدال الفرد بالجماعة

​​"لا تجد انحرافا أو فسادا أو قتلا أو إجراما أو انتهاكا لحقوق الإنسان أو تدميرا في الأرض، إلا وتكون أميركا هي وراءه، إما بشكل مباشر، وإما من خلال أدواتها وعملائها، لأنها تريد السيطرة على العالم"، يقول الشيخ قاسم، في تصريح يتطابق مع تصريحات بوتين روسيا، أو مادورو فنزويلا، أو شي الصين، فالطغاة يتمسكون بالفكر المتأخر نفسه، ويقومون بشتم المطالبين بالحرية، إن من الخارج أو من الداخل.

مشكلتنا مع إيران و"حزب الله" هي مشكلة أحرار العالم مع طغاته، وهي ليست حربا للسيطرة على النفط، ولا على أرض، ولا على قواعد عسكرية. مشكلتنا مع إيران و"حزب الله" هي أننا نصبو إلى الحرية، فيما إيران ترفضها. أما الأحاديث عن الإيمان والكفر، والفساد والعملاء، والسيطرة على العالم، والمقاومة والتحرير، فمن باب تشتيت الانتباه عن القضية المركزية: الحرية.

اقرأ للكاتب أيضا: حرب العنصريين… بيض ومسلمين

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!