خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان في شباط/فبراير 2019
خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان في شباط/فبراير 2019

سايمون هندرسون/

هناك "تصعيد محتمل للصراع" بين الكونغرس الأميركي وإدارة ترامب حول الأسلحة النووية [لدولة ثالثة]. فالتوتر مرتفع، والمناوشات قد بدأت. لكن المعركة السياسية لا يتم خوضها من خلال تصعيد الصراع. فهي تتعلق بالأسلحة النووية السعودية.

تظهر كلمة "سعودي" في العديد من العناوين الرئيسية هذه الأيام. ربما الكثير جدا. ومن المحتمل أن يؤدي السعوديون دورا في "صفقة القرن" ـ أي خطة الشرق الأوسط التي لم يتم الإعلان عنها بعد ـ يكون فيها لوزنهم المالي، ومكانتهم في المنطقة وأهميتهم الدينية أمرا حاسما للدبلوماسية الأميركية.

إلا أن هذا الدور يتماشى مع التحدي المتمثل في التعامل مع السمعة السيئة التي اكتسبتها عملية سَجْن النساء الناشطات السياسيات السعوديات وإساءة معاملتهن كما يُدّعى والسبب في الاستياء من مقتل الصحافي السعودي المنشق جمال خاشقجي وتقطيع أوصاله.

تُعلن الرياض أن برنامجها النووي الناشئ مخصص بالكامل للأغراض السلمية

​​المسألة النووية تسد الفجوات بين الإيجابيات والسلبيات ـ بين ما تريد الولايات المتحدة أن يقوم السعوديون بفعله، وما تأمل أن يتوقفوا عن القيام به.

إن ما تريده الرياض هو مفاعلات للطاقة النووية، لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. ومن أجل الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية، تحتاج الرياض إلى توقيع ما يسمى بـ "اتفاقية المادة 123"، والتي من شأنها أن تحدد معايير التعاون النووي.

ويجدر بالذكر أنه عندما وقعت الولايات المتحدة مثل هذه الاتفاقية مع الإمارات العربية المتحدة في عام 2009، تعهدت أبوظبي بعدم تخصيب الوقود الخاص بها أو إعادة معالجة الوقود المستهلك. (التخصيب هو الأسلوب الذي يمكن أن يؤدي إلى إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب، التي هي مادة متفجرة نووية. وإعادة المعالجة تُنتج البلوتونيوم، الذي يمكن استخدامه أيضا في القنابل الذرية).

وتُعلن الرياض أن برنامجها النووي الناشئ مخصص بالكامل للأغراض السلمية ولكنها تريد الاحتفاظ بحق التخصيب وإعادة المعالجة. وهناك جدل إضافي قدمه أفراد سعوديون مفاده أنه إذا سُمِح لإيران بتخصيب اليورانيوم وفقا للاتفاق النووي لـ "خطة العمل الشاملة المشتركة" لعام 2015 ـ الذي لا يزال قائما على الرغم من قيام الرئيس ترامب بسحب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في العام الماضي ـ فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لا تستطيع الرياض القيام بذلك؟

وبالنسبة إلى المتشككين، هناك حجج اقتصادية قوية حول سبب احتياج الدول الغنية بالنفط والغاز، مثل السعودية والإمارات وإيران، إلى الطاقة النووية ـ الأمر الذي ربما ينافي الأمور البديهية. أولا، أن هذه الطاقة تمكنهم من توليد الكهرباء بتكلفة ثابتة، بدلا من التكلفة المتقلّبة مع أسعار الطاقة. ثانيا، تُمكن هذه الدول من زيادة عائداتها من النفط والغاز إلى أقصى حد.

ويريد البيت الأبيض تأمين أي مشتريات سعودية للتكنولوجيا النووية، تصل قيمتها إلى 80 مليار دولار، لصالح الأعمال التجارية الأميركية بدلا من الروسية أو الصينية أو الفرنسية أو الكورية الجنوبية. وهناك اعتقاد من قبل كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأميركي، والذي من المرجح أن تُعززه إحاطات إعلامية عن وفاة خاشقجي، بأنه لا يمكن الاعتماد على ولي العهد السعودي المتقلب الأمير محمد بن سلمان. ويشعر السياسيون والجمهور الأميركي على حد سواء بالقلق من تعليقه في مقابلة أُجريت معه في البرنامج الأميركي "60 دقيقة" قبل عام، عندما قال: "... إذا طوّرت إيران قنبلة نووية، فسوف نحذو حذوها في أقرب وقت ممكن".

أما في الشرق الأوسط، فيقال إن دولة الإمارات ترغب في إعادة النظر في "اتفاقية المادة 123" الخاصة بها إذا كانت مثل هذه الاتفاقية الخاصة بالرياض أقل تقييدا. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن جارة السعودية، قطر، قد أُزعجت من التقارير الإخبارية في العام الماضي والتي أفادت بأنه لن يتم حفر قناة لفصلها عن المملكة فحسب، بل سيتم استخدام المنطقة الواقعة بين البلدين كمستودع للنفايات النووية.

وحتى إسرائيل، التي يُعتقد أنها إحدى أفضل المدافعين عن محمد بن سلمان في واشنطن، وإن بصورة غير بارزة، يُقال إنها قلقة بشأن تواجد تكنولوجيا نووية في أيدي السعوديين. وقد أثارت الزيارة الأخيرة الرفيعة المستوى التي قام بها محمد بن سلمان إلى إسلام آباد القلق من استعداد باكستان لتزويد الصواريخ ذات الرؤوس النووية إلى السعودية أو إقراضها لها في وقت التوتر الإقليمي. (وتبدو منشأة جديدة لتصنيع الصواريخ في الصحراء السعودية متشابهة إلى حد كبير في التصميم لإحدى المنشآت التي زودتها الصين إلى باكستان في التسعينيات).

هناك حجج اقتصادية قوية حول سبب احتياج الدول الغنية بالنفط والغاز إلى الطاقة النووية

​​لقد شملت الجولة الأخيرة من الجدل في الكونغرس الأميركي في 28 آذار/مارس عدم تذكُّر وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري ما إذا كان قد تم التوقيع على أي من الأعمال الورقية التي أذن بها ـ والتي تسمح للشركات الأميركية بإجراء مناقشات نووية أوّلية مع السعوديين ـ بعد 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018، يوم مقتل خاشقجي. ولم يوضّح البيان اللاحق لوزارة الطاقة الأميركية ماهية الجدول الزمني. وفي اليوم نفسه، ناقش الأمير السعودي خالد بن سلمان، السفير السابق في واشنطن البالغ من العمر 31 عاما والشقيق الأصغر لمحمد بن سلمان، "القضايا الثنائية" مع وزير الخارجية الأميركي مايك بوميو في وزارة الخارجية الأميركية.

وفي الوقت الحالي، ربما تمثل الأحداث مسرحا نوويا وليس حربا نووية. ولكن حان الوقت بالتأكيد لأكل الفُشار (أي الارتياح ومشاهدة العرض السينمائي على غرار ما يقوم به المشاهدون في دور السينما الأميركية).

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن. 

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.