الفنان المصري عادل إمام والممثلة اللبنانية نيكول سابا
الفنان المصري عادل إمام والممثلة اللبنانية نيكول سابا

كوليت بهنا/

انتهت قبل أيام أعمال القمة العربية في تونس، وسط غياب عدد من الزعماء الحاليين، وخلافات متباينة بين الحاضرين، وبمقررات، ينظر إليها الفرد العربي منذ أكثر من عقدين، "يعتبران زمنيا ذروة عدم الاستقرار والحروب والانقسامات حول ثورات الربيع العربي التي أطاحت بعدد من زعماء عرب تقليديين"، بأنها ليست أكثر من حبر على ورق وكليشيهات جاهزة تتكرر في كل قمة، دون تلمّس ترجمتها العملية اللاحقة على الأرض، مما أفقد هذا الفرد ثقته بلقاءات كهذه، وبات ينتظرها كمناسبة للتهكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت له فرصة ذهبية لحرية التعبير و"فش الخلق".

ليس جديدا أن تبدلات الأحوال السياسية العربية فيما بينها كانت، ولا تزال، تجد انعكاساتها السريعة على أرض الواقع، وتطال قضايا مختلفة تمس الشارع مباشرة، مثل التبادلات التجارية أو التصعيد الإعلامي، أو التشديد وأحيانا المنع لتأشيرات الدخول بين الدول العربية، أو التضيق بقوانين تعجيزية جديدة للمقيمين العرب فوق أراضيها.

العودة إلى التقوقع والمحلية والتحزبات المنفعية والاكتفاء الذاتي، توجهات تبدو أنها ليست عربية فقط

​​وفي استعراض للأعمال الدرامية، التي باتت شبه جاهزة لموسم رمضان القادم في شهر أيار/مايو 2019، يبدو أن "مسّا" من هذه التبدلات السياسية ترك آثاره الخفية في سياسات الإنتاج لعدد من الشركات العربية لهذا العام، وطال أسس العمل الدرامي الرئيسة، أي نصوص السيناريو والمخرجين واختيار النجوم بوقت واحد.

الإنتاج الدرامي العربي الذي حرص إلى وقت قريب، على تعاون ملفت ومثمر على صعيد الدراما، وحفلت أعماله السنوية بأسماء جمعت خبرات سورية خليجية، ومصرية وسورية، ولبنانية وسورية، ومصرية مع تونسية وأردنية وخليجية ولبنانية، ونجحت رؤيته الإنتاجية الدرامية في ترجمة شعار العمل العربي المشترك بأحد أهدافه الثقافية الحيوية متفوقة على ما عجزت عن تحقيقه السياسات العربية، يتراجع هذا العام خطوة إلى الوراء، ويعود إلى الانكفاء على الذات.

وتظهر الخارطة الدرامية لكل بلد توجها نحو التقوقع المحلي، وتغيب عن الأعمال الكبيرة التي أعلن عن عرضها في شهر رمضان القادم، أسماء نجوم عرب بارزة، كانوا يحتلون الساحة الدرامية المشتركة إلى وقت قريب، ويحتفى بحضورهم كنجوم يشكلون إضافة ملفتة للعمل الدرامي، ولاقوا استحسانا وقبولا إعلاميا وجماهيريا طيبا، وبخاصة في الدراما المصرية التي منحت معظمهم البطولة المطلقة الأولى، وفرضت عليهم اللهجة المصرية التي أتقنوها ببراعة ملفتة.

لكن الدراما المصرية تعود إلى "مصرنة" الدراما هذا العام، وحصر الأعمال بنجوم وخبرات فنية مصرية الهوية، باستثناء مشاركة اللبنانية نيكول سابا مع النجم عادل إمام في مسلسل"فالانتينو"، والنجم السوري جمال سليمان في الجزء الثاني من مسلسل "أفراح إبليس" الذي كان يفترض أن يعرض في العام الماضي، وكأن هناك اتفاقات خفية حدثت نتيجة لهمس ملحّ من صنّاع الدراما ذاتهم، ولاقى قبولا في آذان السياسات العليا ومصلحة الدولة، بأن لا ينافسهم أحد في عقر دارهم، أو يشاركهم أحد في "لقمة عيشهم".

الدراما السورية المنتجة من قبل شركات سورية محلية، ستبدو بدورها سورية الهوى والهوية، رغم أنها كانت، وإلى ما قبل ثمان سنوات تستضيف في أعمالها بعض الخبرات الإخراجية والنجوم العرب، باستثناء نجوم مصر لارتفاع أجورهم الخيالي.

ولا تحيد الأعمال الخليجية أو الأردنية المعلن عنها لهذا الموسم عن هذا التوجه، وكأن كل دراما ستغني منفردة على ليلاها. كما أنه توجه لا يطال مشاركة نجوم وخبرات فنية بأعمال مشتركة فقط، بل يترسخ في عمليات التسويق والتوزيع الأكثر ضررا على صناعة الدراما، حيث تكتفي كل محطة بحسب هويتها بمنح الأولوية المطلقة لأعمالها المحلية، ومن ثم شراء أو دعم بعض الأعمال الدرامية العربية التي تتوافق السياسات العليا لدولها مع المحطات وسياسة الدولة التي تتبع لها، فيما تمارس التضييق على معظم الإنتاجات العربية الأخرى تحت ذرائع مختلفة، منها الاكتفاء الذاتي أو تعسر الميزانيات المالية، أو عدم توافق المواضيع الدرامية المطروحة مع الرقابة وشروطها.

الدراما المصرية تعود إلى "مصرنة" الدراما هذا العام، وحصر الأعمال بنجوم وخبرات فنية مصرية الهوية

​​يستثنى مما تقدم استمرار التعاون الدرامي الذي ما زال مشتركا بين صنّاع الدراما في سوريا ولبنان، لأسباب تتعلق بتقبل ومتابعة الجمهور السوري واللبناني لهذه الأعمال المشتركة ومواضيعها ونجومها، وسهولة التحرك اللوجستي بين البلدين مما يخفف التكلفة الإنتاجية، إضافة إلى أسباب منفعية متبادلة، وهو استفادة الخبرات الدرامية من الأجور المرتفعة في لبنان، واستفادة الدراما اللبنانية من هذه الخبرات السورية التي ساهمت في السنوات الثمان الأخيرة في إنعاش الدراما اللبنانية ونهوضها بشكل ملحوظ وإيجابي للغاية.

العودة إلى التقوقع والمحلية والتحزبات المنفعية والاكتفاء الذاتي، توجهات تبدو أنها ليست عربية فقط، إذ يشهد العالم يوما بعد يوم سياسات صريحة ومعلنة، أو غير معلنة، تشير إلى ميول نحو الانكفاء على الذات وعدم الرغبة في التعاون مع الآخر أو الانفتاح عليه أو تقبله، وإن طالت آثاره الثقافية ـ الفنية صناعة الدراما العربية هذا العام، تبقى أهون من أن تطال قضايا مصيرية أخرى وأكثر أهمية وخطورة، وفي مقدمها تقبل الآخر كضيف أو لاجئ أو وافد، ومشاركته "لقمة" أصحاب البلد في أسواق العمل.

اقرأ للكاتبة أيضا: الدكتورة سينما

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟