قوات الأمن الجزائرية تستخدم المياه لتفريق متظاهرين
قوات الأمن الجزائرية تستخدم المياه لتفريق متظاهرين

حسين عبدالحسين/

مع استقالة رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، رحل الطاغية العربي السادس، منذ انهيار نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أيدي القوات الأميركية، قبل 16 عاما. مع ذلك، لم يصل الربيع إلى الشرق الأوسط، بل إن اهتزاز الطغاة واقتلاعهم شهد إراقة دماء أكثر، وتشريد الملايين، وعودة الطغيان بأشكال أكثر تشددا وبطشا.

وإذا كان الربيع لا يأتي برحيل الحاكم، فكيف يأتي؟ ومن المسؤول عن استمرار البؤس والشقاء؟

لا بد أن المشكلة هي في المحكومين (أو بعضهم)، ومنهم من تسلموا الحكم في عدد من دول الطغيان المنهار، أو حتى في أجزاء من هذه دول. ولكن بدلا من أن يقدم المحكومون السابقون أداء ديموقراطيا مقبولا، قدموا أداء هابطا، ونافسوا أسلافهم في الحكم في الجشع والانتقام من الماضي الظالم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان

​​ولا بد أن المشكلة هي في المحكومين، في مجتمعهم، الذي لا يقدر على إنتاج منظومات حكم مبنية على الحرية والمساواة وتداول السلطة، بل إن مفهوم غالبية المحكومين في الشرق الأوسط للحكم هو سباق على تقاسم موارد الدولة، الشحيحة أصلا.

في الماضي كنا نعتقد أن المحكومين يصبون للحرية، التي لا يعيق تحقيقها إلا حفنة من الحكام الدمويين وأزلامهم. رحل الطغاة والأزلام، وأسقط العراقيون تماثيل صدام وصوره، ورشقوها بالأحذية والنعال. ثم رفع بعض العراقيين، مكان صور صدام، صور ملالي إيران والعراق، وأظهر العراقيون أن البعث ليس حزبا، بل هو شخصية فردية وجماعية، وثقافة عامة، وأن الحياة والرأي فيها للأقوى، وما على الأضعف إلا الخضوع للأقوى، ورفع صوره، والتظاهر بعبادتها.

وفي مصر، سقط حسني مبارك، فدارت معركة بين الجيش والإسلاميين. حكم الإسلاميون، فأظهروا فظاظة مقرونة بالهبل: حوّلوا مبنى البرلمان إلى مسجد، وراحوا يتبارون في رفع الآذان داخله. مزقوا الدستور، وحاولوا استبداله بوثيقة تطوبهم حكاما أبديين، على نسق الحاكم المنتخب دائما وأبدا في تركيا. عاد الجيش، فعاد المصريون إلى الصاق الجزمات العسكرية على رؤوس أولادهم، وراحوا يصفقون ويهتفون. يقول العسكر إن باراك أوباما عدو مصر، تخرج بعض الراقصات في لوحات راقصة هابطة وعنصرية ضد الرئيس الأميركي السابق، وتتنافس مصريات في تقذيع أوباما أمام الإعلام: "شت يور ماوس يا أوباما".

والأسى وصل تونس الجميلة، التي أسقط شعبها، لا قوات أميركا، طاغيته. في تونس، وقف قادة عرب يتبارون في هجاء الربيع العربي. وفي تونس، خرج تونسيون يحملون صورا لرئيس سوريا بشار الأسد، الذي حاولت حكومة الربيع العربي التونسية إعادته إلى عضوية "جامعة الدول العربية" بكل ما أوتيت من قوة. لماذا يعتقد التونسيون أنه يحق لهم الإطاحة ببن علي ولا يحق للسوريين الإطاحة بالأسد؟

وفي ليبيا، انهمك أرباب الربيع الليبي، الذي أطاح بالقذافي، بنسف قانون الزواج المدني، وتشريع زيجات أربع لكل رجل، بما في ذلك زواج من القاصرات من عمر التاسعة.

وحتى لا نعقد آمالا أكثر من المعقول، وحتى نتعلم من الدروس الماضية، لن يأتي ـ وللأسف ـ الربيع إلى الجزائر. استقالة بوتفليقة هي انقلاب عسكري عليه، زينته تظاهرات شعبية صادقة. سيختبأ الإسلاميون خلف الحشود الشعبية، وسيختبأ العسكر خلف المجلس الانتقالي، وسيتسابق الاثنان للسيطرة على الحكم، مع ترجيح انتصار العسكر، حتى لو دمويا.

لم تختلف الثورة الجزائرية على بوتفليقة عن نظيراتها في دول الشرق الأوسط. هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير. سيطالب الجزائريون، كأقرانهم في تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا، بأمور غريبة عجيبة لا تمت إلى الحرية ولا الديمقراطية بصلة، بل إنهم سيعتقدون أن للغالبية قدرة على إملاء رأيها على الآخرين، وأن الأقليات ليسوا من يخالفونهم بالرأي فحسب، بل هم خونة للثورة والوطن.

هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير

​​مشكلة الشرق الأوسط هي في المحكومين، هي في الناس، جميعهم، مسلمين وغير مسلمين، عربا وغير عرب. في لبنان الذي ناضلت فيه مجموعة معروفة بـ "تحالف 14 آذار" من أجل الحرية والديموقراطية، قامت المجموعة نفسها بتطويب قادتها زعماء لها إلى الأبد، وساهمت في منع مسلسلات تلفزيونية لم تعجبها. وفي كردستان، طال حكم الكاك مسعود برزاني حتى صار أطول من حكم صدام نفسه، وأثرى قادة كرد أنفسهم، مثل من اضطهدوهم من قادة العرب، وقضى قادة الكرد على الحرية، وسجنوا وضربوا معارضيهم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان. هؤلاء هم أبناء الثقافة الفاسدة العنفية نفسها، التي لا تقبل الرأي الآخر، والتي تتمسك بالحكم عنوة، وتقضي على المعارضين وتتهمهم بالخيانة، وتنهب مقدرات الحكم. كل منهم، حافظ الأسد وصدام وأردوغان، خرجوا من رحم الظلم، ورفعوا أصواتهم في وجه السلاطين، ودخلوا السجون. ثم خرجوا منه، وتحولوا هم إلى سجانين. كيف الخلاص من دورة المظلومين الذين يتحولون إلى ظالمين؟ كيف الخلاص من ثقافة لا تحتمل أي رأي مغاير؟ كيف الخلاص من استقواء القوي وتزلف الضعيف؟

هو ربيع لن يأتي. نحن آسفين يا جزائر. تخالوه ربيعا، ونوده لو كان كذلك، لكننا اكتوينا بنار الطغاة والثورات. ربما التغيير في مكان آخر.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلتنا مع إيران و'حزب الله'

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.