عراقيات يشاركن في مهرجان الطائرات الورقية في بغداد
عراقيات يشاركن في مهرجان الطائرات الورقية في بغداد

إياد العنبر/

أغلب العراقيين مدمنون على العيش في الماضي ولا يجيدون العيش إلا في أحداثه. وبما أنهم كذلك فلا بأس في أن نقيّم واقعنا ونقارنه وفق هذا المنظور! ماذا لو عُدنا بالذاكرة إلى ما قبل 9 نيسان/أبريل 2003؟ بالتأكيد سنقول بأن الفرصة الوحيدة لتغيير نظام صدام كانت عن طريق التدخل العسكري، وكان ذلك الأمل الوحيد للتغيير، إذ لم نكن نملك أي فرصة أخرى؛ فشمولية نظام صدام قد هيمنت على جميع مفاصل المجال العام، ولم تسمح بإسقاطه حتى في الأحلام!

ولذلك، يستذكر كثيرون رواية أحد القابعين في سجون الدكتاتورية بتهمة حديثه عن حلم راوده في المنام بسقوط نظام صدام! وكان يردد كثير من العراقيين نكتة طريفة تُروى على لسان أحدهم بأنه طلب من أحد الأطباء أن يجعله نائما لعدة سنوات حتى يستيقظ بعد مدة ويشاهد نظام حكم آخر، وحينما يستيقظ فعلا بعد سنوات يجد الناس تهتف "هله بيك هله.. يالجدتك حلا"! وحلا هي إحدى بنات صدام حسين.

الصراع الراهن على السلطة والنفوذ لا علاقة جذرية له بحاجات المجتمع

​​ولكن لم يخطر في مخيلة أي أحد من العراقيين بأن تكلفة تغيير نظام صدام الدكتاتوري الشمولي في نيسان/أبريل 2003، ستصل إلى ما وصلت إليه الأمور في البلاد بعد ستة عشر عاما على التغيير، إذ كانت أمنيات أغلب العراقيين أن يعيشوا حياتهم مثل بقية شعوب المعمورة، من دون أية حروب ومخلفاتها من اليتامى والثكالى والأرامل، وتوقع العراقيون بأن يتم يتجاوز مشاكل العوز والفقر والخوف من المجهول، وأن تتحول كوارث الماضي ومآسيها إلى مجرد ذكرى تُذكر ولا تَعود.

بيد أن الأمل بالتغيير والمستقبل الأفضل قد تآمر عليه كثيرون، وإن أشدّهم تآمرا يمثلون طبقة سياسية كانت أغلب شخوصها قد صدعوا رؤوسنا بتاريخٍ يدعون فيه معارضتهم للنظام دكتاتوري. لكنهم في واقع الأمر كانوا معارضين لشخص صدام وليس للدكتاتورية؛ لأنه لم يسمح لهم بمشاركته في التمتع بمغانم السلطة ونفوذها.

وإذا افترضنا بأنهم أسقطوا نظام صدام، من دون التدخل الأميركي، لكانوا يحكمون العراق بنفس أساليب البطش والقسوة في الأنظمة الدكتاتورية وبعناوين أيديولوجية بالية.

هذه الطبقة السياسية لم تفرز همومها ومدركاتها في إدارة الدولة بعد 2003 انطلاقا من برنامجٍ واضح المعالم لبناء الدولة، ويهدف إلى إنجاح تجربة التحول نحو الديمقراطية وإعادة الثقة المفقودة بين المواطن ونظام الحكم. بمعنى أن تنفيذ سياسات أفضل لرفع مستوى معيشة المواطن العراقي لم يكن همّها الرئيس، ولم تتبلور لديها أولويات الإعمار وسبل تخفيف البطالة وتطوير النظام الصحي.

إذ استبدلت الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد 2003، الأمل بالوهم، وبرهنت أنها لا تملك غير الشعارات، وتعتاش على خطاب سياسي مأزوم لا يعرف غير منطق المعارضة، حتّى إذا كانت السلطة والنفوذ بيدهم، ولا تعرف هذه الطبقة غير منطق الاستئثار والتكتل في تجمعات من أصحاب المصالح المتشابهة يطلق عليها أحزاب أو تحالفات، تنخرط مع بعضها في علاقات قائمة على أساس التسويات الظرفية أو الصفقات المصلحية.

وقد أثبتت الأيّام تلو الأخرى أن حاكمينا قادرون على إبقاء الشعب في دائرة من الأوهام، مرة باسم الخطر على الطائفة، وأخرى بعنوان الحرب ضد الإرهاب، ومرة ثالثة بعنوان الإصلاح. فالسياسيون يجيدون التلاعب بالمواقف وتبرير خيباتهم، وجميع مناوراتهم وتحركاتهم تجري باتجاه واحد ووحيد، محوره "من يحصل على ماذا؟"، و"ما هي حصّة هذا الحزب أو ذلك الزعيم؟"، وتُغلف كل هذه المناورات بعناوين مصلحة المكوّن الطائفي أو في أكثرها رومانسية تسوّق في إطار "مصلحة الشعب".

وكم كنّا نتأمل بأن تكون حكومة السيد عادل عبد المهدي بداية لمؤشر التحول في إدراك القوى السياسية بخطورة الأوضاع، ومقاربة الواقع العراقي من مرحلة الانسداد السياسي والتوجه نحو المجهول، وأن تكون هذه الحكومة فرصة لتصحيح المسار، أو الفرصة الأخيرة، كما صرّح بذلك الكثير من السياسيين.

بيد أن سرعان ما أثبتت الأيام عدم قدرة عادل عبد المهدي على تقديم نموذج رجل الدولة القادر على جعل إرادة الدولة هي العليا وليس إرادة الكتل السياسية، التي جمعها الاتفاق على ترشيح عبد المهدي لإدارة المرحلة الحالية وإخراج رئاسة الوزراء من يد حزب الدعوة، وفرّقها تقاسم المناصب السيادية. وحتى هذه اللحظة لم تُستكمَل إجراءات تشكيل الحكومة، ولا تزال مناصب وزراء الداخلية والدفاع والتربية بانتظار توافقات الكتل السياسية التي لم تختلف على المعايير الشخصية التي تتولى الوزارة، وإنما اختلفت على الشخصيات التي يراد ترشيحها وحصّة التحالفات.

في خضم هذه المعطيات يتلاشى أي أمل بالتغيير، إذ أصبحنا ندور في حلقة مفرغة من الأمنيات لا يمكن لها أن تتحقق، إن لم يكن القادم أسوء. فقبل 2003 كان الأمل معقود على تغيير نظام صدام، وبعد 2003 دخلنا في جدل من يكون رئيس الحكومة، ومن أي حزب يكون؟ وبقينا نعقد الآمال على تغيير الشخصيات على أمل أن يعقبه تغيير في إدارة الدولة. ويبدو أن الطبقة السياسية باتت تعرف كيف تعطينا جرعات الوَهم تحت عنوان القادم أفضل، ويبقى الشعب العراقي لا يملك ترف البدائل.

استبدلت الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد 2003، الأمل بالوهم

​​فالصراع الراهن على السلطة والنفوذ لا علاقة جذرية له بحاجات المجتمع، بل هو معني بمصالح القيادات والطبقة الحاكمة، و"مؤسسات" توجه الأمور من خلف الكواليس. فالنخب السياسية لا تنظر للمواطن إلا بصفته "ناخب" ممكن التحايل عليه في مواسم الانتخابات، والشعب ليس سوى عنوان شعاراتي يتم اللجوء إليه عند الحاجة للتحشيد وشنّ الحروب والتظاهرات.

وقد تكون ستة عشر عاما على التغيير ليس بالعمر الطويل إذا ما قورنت بتاريخ البلدان التي شهدت تحولا نحو الديمقراطية، ولكنها بحسابات العراقيين كانت ذات تكلفة عالية في الدمار وخسائر الأرواح. بيد أنها لا تزال تشكل فرصة لمراجعة تاريخنا ومفاهيمنا ووعينا ومكاننا في العالم. فكوارث الماضي التي حفرت عميقا في وعي الإنسان وبُنية المجتمع العراقي، يجب أن تكون حافزا للتسلح بالقدرة على نقد تاريخنا والإيمان بأن حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء، وألا نسمح بعودة الدكتاتورية، وأن نعمل على تجاوز جميع آثار النظام الشمولي من تفكيرنا وتربيتنا وثقافتنا، وألا نتخلى مجددا عن حريتنا، ونتوقف عن الاستلاب السياسي الذي تسعى النخبة السياسية إلى ترسيخه وإشاعته وتحويله إلى ثقافة سياسية توهمنا بأن لا بديل عنها لإدارة الدولة.

وأخيرا على العراقيين الإيمان بأن الشعوب الحيّة هي التي تصنع التغيير إذا أدركت قوتها وتحولت من التشكي والتباكي إلى المبادرة وتصحيح المسار.

اقرأ للكاتب أيضا: العراقيون: من لم يقتله الإرهاب، قتله الفساد

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟