نتانياهو وزوجته سارة يحييان مناصري حزبه عشية الانتخابات الإسرائيلية
نتانياهو وزوجته سارة يحييان مناصري حزبه عشية الانتخابات الإسرائيلية

جويس كرم/

النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية توحي بفوز تحالف اليمين الذي سيقوده رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو، الذي يتجه إلى ولاية خامسة تتضارب فيها أولويات الداخل مع ما ستحمله خطة السلام الأميركية وتتوعد بمضاعفة النهج المتشدد مع إيران بالتنسيق مع إدارة دونالد ترامب.

فوز نتانياهو ليس مفاجئا نظرا لحذاقة الرجل في بناء التحالفات، وتحوّل المجتمع الإسرائيلي باتجاه اليمين، والدعم المقدم من واشنطن إلى موسكو لزعيم الليكود.

فرئيس الوزراء الاسرائيلي ليس متدينا إنما نجح في كسب أصوات المتدينين، كما استفاد من سياسات خصومه على رأسهم حركة "حماس" والصواريخ التي أطلقتها باتجاه تل أبيب لتوظيف الورقة الأمنية، ليعود بعدها من نافذة واشنطن وموسكو ولقاءاته مع دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في الأيام التي سبقت التصويت، ويثبت موقعه في صدارة السباق.

فوز نتانياهو هو خبر مفرح لإدارة ترامب وسيئ لإيران

​​داخليا، الفوز بمساعدة اليمين الإسرائيلي، يعني حكومة إسرائيلية يشكلها نتانياهو وتضم، على الأرجح، تحالفا يمينيا وليس حكومة وحدة أو توافق. هكذا حكومة تساعد نتانياهو في مواجهة أي أحكام قضائية في حال تمت إدانته بالفساد والتهم الأخرى الموجهة إليه، وتكون حصانته القانونية لتفادي أي عقوبة قانونية من خلال هذه الحكومة القادرة على التصويت ضد محاسبته.

إقليميا، عنوان المرحلة هو نهج نتانياهو المتشدد مع إيران ورصد قواتها وميليشياتها في سوريا أو أبعد من ذلك إلى العراق ولبنان. فبعد إدراج الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، هناك تلاق أميركي ـ إسرائيلي على زيادة الضغوط على إيران في السنة ونصف الأخيرة لولاية ترامب الأولى في الحكم، وضرب أذرع وأنشطة الحرس الثوري عسكريا في المنطقة وماديا واقتصاديا وقانونيا (شؤون الهجرة وما إلى ذلك) على نطاق أوسع.

فوز نتانياهو بعد مصادقة ترامب على قرار السيادة الإسرائيلية في الجولان والتماهي بين الرجلين، هو فوز للرئيس الأميركي أيضا، سيتطلع البيت الأبيض لتوظيفه في تسويق خطة السلام أو "صفقة القرن" المزعومة. فنتانياهو مدين لترامب اليوم بإعادة انتخابه وبقرارات من بينها الجولان ونقل السفارة إلى القدس ومؤتمر وارسو ما كانت لتبصر النور في إدارة أميركية مختلفة. من هنا سيكون على نتانياهو وأي تحالف حكومي يقوده أن يرد الجميل لترامب ويقبل بتنازلات ستتضمنها خطة السلام.

الأرجح أن تعلن واشنطن عن خطتها بالتنسيق مع نتانياهو حين تتضح صورة تشكيلته الحكومية، إنما أيا كانت النتائج لن يكون هناك مهرب لزعيم الليكود من مسايرة ترامب ودعم العرض الأميركي. حسابات نتانياهو في قبول أي خطة أميركية تراهن على أن الجانب الفلسطيني سيرفضها، ومن هنا تبرز ضرورة التريث العربي ومعه الفلسطيني في الرد على أي مبادرة أميركية وعدم منح الجانب الإسرائيلي هدية من ذهب بالرفض المطلق والمباشر للخطة. فغياب المفاوضات واستعراضات "حماس" الأمنية ساهمت اليوم كما في التسعينيات في إعادة انتخاب نتانياهو، مثلما ساعدت "حماس" في تنفيس الضغوط عنها في غزة.

سيكون على نتانياهو أن يرد الجميل لترامب ويقبل بتنازلات ستتضمنها خطة السلام

​​الامتحان الأصعب هو اليوم أمام السلطة الفلسطينية، كونها عالقة بين فك ترامب ونتانياهو من جهة وفك "حماس" وطموحاتها في الضفة الغربية من جهة أخرى. ترامب قد يكون المنفذ الأسهل للرئيس الفلسطيني محمود عباس لمحاولة إضفاء بعض الليونة على الخطة الأميركية واستقطاب دعم عربي. فرغم المواقف الأميركية المتشددة، هناك إدراك أنه لا يمكن نجاح أي جهود من دون الجانب الفلسطيني ومن دون حل الدولتين. والحديث عن ضم جزء من الضفة الغربية هو عائق في المدى الأبعد على يهودية الدولة الإسرائيلية لأنه سيقضي على حل الدولتين من دون اتفاق سلام.

فوز نتانياهو هو خبر مفرح لإدارة ترامب وسيئ لإيران من شأنه استكمال النهج الإقليمي الذي ساد السنوات الأربع الماضية، إنما قد يأتي بانفتاح على الجانب الفلسطيني هذه المرة ليس حبا بالسلام من نتانياهو، بل لأنه مدين للجانب الأميركي وأي خطة يعرضها جاريد كوشنر هذا الصيف.

اقرأ للكاتبة أيضا: الجزائر بعد بوتفليقة: ربيع انتقالي أم هزة للاستقرار؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.