متظاهرات سودانيات يحتفلن بعد خلع البشير
متظاهرات سودانيات يحتفلن بعد خلع البشير

فارس خشّان/

منذ حال الشعب الفرنسي دون عودته إلى قصر الإليزيه، يحمل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لواء "الرؤساء مدى الحياة" ويعتبر أنهم الدواء لداء الدول، إذ أنهم، باعتقاده، يحولون دون الشعبوية التي تشكو منها الديموقراطيات، من جهة، ويتمكنون من تنفيذ برامج اقتصادية طويلة الأمد لا ينقطع زخمها بانتهاء الفترات الرئاسية، من جهة أخرى.

ساركوزي ليس شواذا في هذا السياق، فالديموقراطيات الأوروبية، وفق كثيرين، تعاني الأمرّين؛ فحكوماتها لا تستطيع إجراء إصلاحات مالية واقتصادية ضرورية إذا رفضها الشعب، كما هي الحال في فرنسا مع اندلاع انتفاضة "السترات الصفراء"، كما أنها تدخل في مآزق عميقة إذا دفعت الشعارات الرناّنة الناس إلى خيارات راديكالية، كما هي حال بريطانيا مع الـ"بريكسيت"، أي الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الثورات الهادرة تنقل الجيش من الكواليس إلى الواجهة، وتضع الحاكم الفعلي أمام الناس

​​بطبيعة الحال، فإن لا رؤساء مدى الحياة في ظل الأنظمة الديموقراطية التي تقوم على تداول السلطة، بل من البديهي، خارج إطار الملكيات، أن تكون الأنظمة التي تؤبد الرؤساء أنظمة ديكتاتورية.

وفي جولة على هذه الأنظمة، تبرز بقوة تلك التي عصفت بها رياح "الربيع العربي" التي وصلت في أحدث محطاتها إلى الجزائر والسودان، بعد ليبيا وسوريا ومصر وتونس واليمن.

كما أن البحث يجعلنا نرى فنزويلا التي مات رئيسها السابق هوغو تشافيز، بعد فترة بسيطة من إعلان نفسه رئيسا مدى العمر، من دون أن نُغفل إيران، حيث كبرى الصلاحيات مناطة "بالمؤبد" أي "مرشد الجمهورية" وليس بالرئيس.

وخلافا لنظرية ساركوزي، فإنّ "تأبيد الرؤساء" في هذه الدول، تسبب بكوارث اجتماعية وإنسانية واقتصادية ومالية، وهو، إذ أطاح بالشعب والأحزاب والمؤسسات، أتاح نشوء قوتين طاغيتين: الجيش والتيارات الدينية.

وعندما انتفضت شعوب هذه الدول مع وصولها الى حافة اليأس، لم تظفر في أخذ السلطة من "الرئيس المؤبّد"، بل وجدت أنها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التيارات الدينية وإما الجيش.

وبما أن الجيش في العالم الثالث دائم الجهوزية لحماية ما يتمتع به من امتيازات فاخرة، فإنه الأقدر على رسم مسار الدولة المنتفض شعبها، لذلك فهو قادر على إمساك زمام الأمور، فيأمر بإزالة الرئيس أو يصر على إبقائه، وتاليا هو الذي يسمح بانتصار شكلي للثورة أو بهزيمة محدقة بها.

وبهذا المعنى، فإن الشعب انتفض في كل من الجزائر والسودان، ولكن من قرّر مآل الأمور واستفاد منها، هو الجيش.

وبرسم الجيش للبوصلة الثورية، تتحوّل أحلام الشعب إلى أوهام، لأن المؤسسة السياسية الخاسرة، إما كانت واجهة مدنية للعسكر أو كانت في صراع صلاحيات معهم.

والجيش، في غالبية دول العالم الثالث هو النظام نفسه، إذ يستنفد القسم الأكبر من موارد الدولة، ويستفيد من مصادر قوتها، وهو، في المقابل، وفي زمن الرخاء، يوفّر للحاكم البطش الذي يحتاج إليه من أجل أن "يؤبّد" رئاسته.

والتواطؤ الدائم بين "الحاكم" والجيش هو أحد أهم كوارث العالم الثالث، فالحاكم بدل أن يرسم سياساته على قاعدة النمو الاقتصادي، تجده يعمل على توفير الظروف السياسية والأمنية الملائمة لاستمراريته، والجيش، بدل أن يربط دعمه لاستمرارية الحاكم، بنجاح أهداف تنموية، تجده يحصر دعمه هذا بما يتوافر له من مصالح في النظام.

ولكن هذا لا يفيد بأن الثورات لا تجدي، بل العكس هو الصحيح؛ إذ إن الثورات الهادرة تنقل الجيش من الكواليس إلى الواجهة، وتضع الحاكم الفعلي أمام الناس، وتجعله يتحمّل مسؤولية ما كان يوما يتحمّلها، وتاليا، يصبح مستقبل المؤسسة العسكرية على المحك، فإمّا تنجح وإما تؤسس لثورة مستقبلية.

انتفض الشعب في كل من الجزائر والسودان، ولكن من قرّر مآل الأمور واستفاد منها، هو الجيش

​​وبناء عليه، لا تعود المؤسسة العسكرية في وضعية إعطاء الوقت للوقت، بل يبدأ العد العكسي.

في فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول الديمقراطية، حيث "الحاكم مؤقت"، لا ينتفض الناس، بسبب حرمانهم من الخبز أو من الحرية، بل من أجل الدفع بأحلام الرفاهية خطوات إلى الأمام. في حين أن الناس في دول "الحاكم الأبدي" يثورون من أجل الخبز والحرية.

وفي فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول الديمقراطية، حيث "الحاكم المؤقت" لا يقتل الناس عندما يتظاهرون ولا تعج المعتقلات بكل من يرفع صوته ضد الحاكم، بينما في دول "الحاكم الأبدي" يحصل ذلك وأدهى من ذلك أيضا.

وفي فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول الديمقراطية، حيث "الحاكم المؤقت" لا تسقط الثورة بين خياري التيارات الدينية والجيش، بل تدفع باتجاهات تغييرية في صناديق الاقتراع، بينما في دول "الحاكم الأبدي"، فإن الثورة جلّ ما تنتجه أنها تسقط القناع لتجد نفسها أمام الحاكم الفعلي...

اقرأ للكاتب أيضا: اللبناني وإعلان كارلوس غصن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟