ثمة خشية بأن النجاحات الداخلية التي حققها أردوغان بصدد أن تخلق منه مشروع ديكتاتور جديد
ثمة خشية بأن النجاحات الداخلية التي حققها أردوغان بصدد أن تخلق منه مشروع ديكتاتور جديد

عمران سلمان/

لم يتحمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه خسارتهم في الانتخابات البلدية في المدن الكبرى اسطنبول وأنقرة وأزمير، رغم فوزهم على المستوى الوطني، فذهبوا يشككون في النتائج ويطعنون في النظام، ثم طالبوا بإعادة فرز الأصوات الملغاة. وبين هذا وذاك طفت على السطح من جديد نظريات المؤامرة وأن تركيا أردوغان مستهدفة من الخارج. من هو هذا الخارج؟ لا أحد يفصح عن ذلك صراحة.

سجل بالإنجازات ولكن؟

أردوغان كان قد أشار خلال الحملة الانتخابية بأن من يربح بلدية اسطنبول فإنه سوف يربح تركيا، في إشارة منه إلى سيرورته الشخصية من عمدة لاسطنبول والذي مهد الطريق أمامه وأمام حزبه فيما بعد للفوز في الانتخابات العامة التركية عام 2002 والبقاء في السلطة منذ ذلك الحين.

هذه الانتخابات أظهرت أيضا حجم التشبث بالسلطة من قبل أردوغان وحزبه وعدم استساغتهم لفكرة التداول السلمي للسلطة

​​لا أحد يجادل بأن تركيا في عهد أردوغان خطت خطوات كبيرة إلى الأمام في مجالي الاقتصاد والسياسة الداخلية. فقد تمكن من انتشال الاقتصاد التركي من أزماته المتكررة ووضعه في مصاف الاقتصاديات المتقدمة. كما أدت مشاريع البنية التحتية التي أنجزت في عهده إلى تحسين حياة الأتراك بصورة ملحوظة، وخاصة خارج المدن الكبرى.

داخليا أيضا، عرفت تركيا في السنوات التي سبقت حكم حزب العدالة والتنمية عدم استقرار سياسي مزمن، ما بين حكومات تأتي وتذهب وجيش يقف بالمرصاد للتدخل كلما شعر بأن الأمور لا تجري وفق مشيئته.

كل هذا أصبح خلف تركيا اليوم، بفضل السياسات التي طبقها أردوغان وحزبه. هذا أمر لا ينبغي نكرانه أو التقليل منه.

مشروع ديكتاتور جديد

لكن في المقابل ثمة خشية بأن النجاحات الداخلية التي حققها أردوغان بصدد أن تخلق منه مشروع ديكتاتور جديد، وربما أقنعته بأنه لا أحد في تركيا يستطيع أو يستحق أن يخدم بلاده بصورة أفضل منه أو من حزبه.

هذه الخشية لها ما يبررها مع التوجهات الداخلية والخارجية الأخيرة لأردوغان، خاصة مع التحول إلى النظام الرئاسي الذي حصر جميع الصلاحيات في يده، والفوبيا التي تولدت نتيجة الانقلاب الفاشل قبل عامين، والتي جعلت من الرئيس التركي أسيرا لنظريات المؤامرة والشكوك التي لا تنتهي من وجود متربصين له.

فرغم حملة الاعتقالات والفصل من العمل التي طالت مئات الآلاف من الأتراك بتهمة الانتماء إلى جماعة فتح الله غولن، فضلا عن المطاردات بحق أنصار هذا الأخير في القارات الأربع، لا يبدو أن "شبح" غولن سوف "يتقاعد" قريبا ضمن المشهد التركي.

فثمة من يستثمر بكثافة في هذا "الشبح"، وفي نظريات المؤامرة الخارجية والتاريخ القريب والبعيد والمعارك التاريخية الكبرى وما شابه.

جرس إنذار حقيقي

الانتخابات البلدية التركية رغم رمزيتها أظهرت من ناحية، أن ثمة تحول في المزاج العام لدى النخب التركية، على الأقل في المدن الكبرى، التي باتت مقتنعة بأن قوة الدفع الاقتصادي والسياسي التي رافقت مرحلة أردوغان، قد أوشكت على الانتهاء. وأن الأزمات الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها بين حين وآخر، مؤشر على أن تركيا بحاجة إلى دماء جديدة. وأن احتكار حزب العدالة والتنمية للمشهد السياسي التركي ليس أمرا صحيا.

هذه المطابقة بين أردوغان كزعيم سياسي وبين تركيا كبلد تثير أكثر من علامة استفهام وتساؤل

​​لكن هذه الانتخابات أظهرت أيضا حجم التشبث بالسلطة من قبل أردوغان وحزبه وعدم استساغتهم لفكرة التداول السلمي للسلطة. ومن يقرأ صحيفة "يني شفق" التركية المحسوبة على حزب العدالة والتنمية ـ لها موقع بالعربي على الإنترنت ـ يدرك حجم الهلع والذعر الذي سببته هذه الانتخابات.

فالصحيفة تصف ما حصل بأنه بمثابة انقلاب دبره من تصفهم بأعداء تركيا وجماعة فتح الله غولن والأكراد! وهي تعتبر أن خسارة بلدية اسطنبول لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري، هي محاولة لتحجيم تركيا وإخراجها من حلبة السباق الإقليمي والدولي.

هذه المطابقة بين أردوغان كزعيم سياسي وبين تركيا كبلد تثير أكثر من علامة استفهام وتساؤل، إذ أنها تربط مصير الزعيم بالبلد وتصور بقاءه من بقائها. هذه المطابقة ينبغي أن تكون بمثابة جرس إنذار حقيقي للأتراك ولغيرهم.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يصبح العالم مكانا شديد الخطورة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟