متظاهرات سودانيات يحتفلن عقب الإعلان عن خلع البشير
متظاهرات سودانيات يحتفلن عقب الإعلان عن خلع البشير

كوليت بهنا/

بعد دأب مستمر، وسنوات متواصلة وإرادة شعبية لم تتغير أو تهدأ أو تتراجع، حقق السودانيون يوم الحادي عشر من نيسان/أبريل نصرهم الجلي، ونجحوا في الإطاحة برأس النظام، الرئيس عمر حسن أحمد البشير بعد ثلاثة عقود متواصلة من حكمه للبلاد. تجلى نجاحهم الحقيقي عبر الخطاب المدني الواعي الذي قدموه، والحفاظ على سلمية حراكهم السياسي وأهمية هذا المنجز الكبرى، حتى ولو اعتبر هذا النصر (ناقصا) ولا يعبر عن مطالب الشعب المدنية التي خرج لأجلها بالملايين، إذ تكفي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل السودانية أن تكون صحيحة وثابتة بما يكفي، للانطلاق منها والاستمرار لنيل المطالب المرجوة عبر الشارع.

يكمل نجاح السودانيين رسم بعض الخطوط الناقصة في خارطة الحرية العربية، ويضيفون إلى ما سمي بثورات "الربيع العربي" لمستهم الدافئة الخاصة. وقد لوحظ في الأشهر الأربعة الماضية التي تكثف فيها الحراك الشعبي حتى أعلى المستويات وأفرز هذا التغيير الجوهري على مستوى رأس النظام، الإصرار السوداني على التأكيد المستمر عبر خطابهم الإعلامي بوصفها "ثورة شبابية"، بما يعنيه هذا الإصرار من منح قيمة مضافة للعنصر الشبابي السوداني وحاجته الماسّة للتغيير وتطلعاته المحقة بمستقبل أفضل وأكثر أمانا واستقرارا.

يبقى الرهان على الشباب السوداني الحيّ والحيوي في الحفاظ على "نعمة" السلمية

​​وحين تمنح ثورة سمة "الشبابية"، يعني مما تعنيه صعوبة جمّة في ضبط الحيوية المفرطة أو الجانحة في طبيعة العنصر الشبابي، لكن الشباب السوداني أثبت العكس عبر الوقائع على الأرض، وأكد عبر تاريخه وثوابته الاجتماعية والتربوية والأخلاقية الراسخة، إضافة إلى شغفه التعليمي الملفت، ميله الطبيعي اللاعنفي، بل مناهضته للعنف، ورفضه المستمر لمحاولات تسميم نقائه، رغم محاولات بعض الشخصيات النافذة في السلطة السياسية السابقة تعكيره لأغراض أمنية.

وتحضرني حادثة روتها لي صديقة عملت لسنوات طويلة مع السلك الدبلوماسي في إحدى سفارات السودان في الخارج، وكانت تشيد باستمرار بدماثة ورقي مرؤوسيها وثقافتهم اللافتة، وتشيد بطيب معشر السودانيين الذين يفدون إلى السفارة بغرض الزيارة أو لأعمال قنصلية، وبخاصة الطلاب الشباب منهم الذين يتعلمون في جامعات الدولة المضيفة، وارتفاع نسبة الطالبات الإناث وشغفهن العلمي وقوة شخصياتهن واحترام الرجل السوداني للمرأة السودانية احتراما ملفتا.

لاحقا، تغيرت الأحوال وجيء بموظف جديد، قُدم على أنه موفد دبلوماسي رفيع المستوى من الخارجية السودانية، لكنه في الحقيقة كان يعمل سابقا بمهنة لا ترتبط بالسلك الدبلوماسي لا من قريب ولا من بعيد، وتبين أنه أحد رجال الأمن الإسلاميين الذين وزعهم النظام على سفاراته لأغراض التجسس على الدبلوماسيين والعاملين في السفارة والطلاب بشكل خاص.

وتضيف الصديقة أن هذا الموفد الأمني الجديد بدأ منذ أيامه الأولى بفرض قواعد دينية متشددة على العاملين في السفارة. لكن أخطر ما فعله كان استدراجه للطلاب السودانيين ومعرفة أوضاعهم المالية عن كثب لاستغلالها لاحقا في عمليات تجنيدهم ودفع المال لهم لكتابة تقارير ضد زملائهم الآخرين من الطلاب، ومعرفة كيف يفكرون وماذا يتحدثون في جلساتهم الخاصة عن الأوضاع في السودان وغيره.

وحين اكتشفت خطة هذا الدبلوماسي، حضرت إلى مكتبه مجموعة من الطلاب الأحرار، وأقفلوا الباب وتشابكوا معه دون أن يشعر بهم أحد، ثم فروا هاربين خارج البلاد كلها.

ولم تفلح جهود هذا الدبلوماسي ـ الأمني لاحقا في عمليات التجنيد لأسباب جوهرية، تُعزى إلى طبيعة الشعب السوداني الأخلاقية والتربوية وتمتعه بسمات معلنة ومعروفة مثل الطيبة والروابط الأسرية وانتفاء النزعة الذاتية لإيذاء الآخرين، والأهم هو انتفاء الحس الأمني الاستخباراتي من طبيعته، وهو نهج مدروس تغذيه الأنظمة الديكتاتورية بين الشعوب وتفسدها على المدى الطويل.

لا يحمل المرء في قلبه إلا البركات والتمنيات بانتقال سياسي سلمي سلس، يحفظ السودان الكبير أرضا وشعبا

​​إن الحفاظ على سلمية الثورة السودانية في رحلتها الطويلة القادمة لتحقيق ما يمكنها من مطالبها المشروعة المدنية، يحتاج إلى صبر طويل، والدرب يلوح من الآن بأنه درب غير سهل في مقارعة العقلية العسكرية التي أظهرت استيعابا واحتراما لشعبها حتى اليوم.

لكن الزمن غدار، وأعداء النجاح متربصون دوما في كل مكان، وعند هذه النقطة الحساسة يبقى الرهان على الشباب السوداني الحيّ والحيوي في الحفاظ على "نعمة" السلمية التي حققها وحمايتها، وهي "نعمة" حقيقية وليست مبالغة في ظل ريح العنف المحيطة التي نشهدها كل يوم وتضرب في كل مكان.

وبانتظار ما تحمله الأيام القادمة من تطورات ومتغيرات، لا يحمل المرء في قلبه إلا البركات والتمنيات بانتقال سياسي سلمي سلس، يحفظ السودان الكبير أرضا وشعبا.

اقرأ للكاتبة أيضا: كل دراما ستغني على ليلاها

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Medical staff prepare a nucleic acid kit for a journalist before the closing session of the Chinese People's Political…

حينما نتأمل في الأحداث الدائرة في العالم حول مرض كورونا، يذهب البعض لاعتبار أن هناك صراعا واضحا يلوح في الأفق أو مؤامرة كما يصفونها.

ويرى بعضهم أن محاور هذا الصراع علمية، فيما يراها آخرون سياسية أو اقتصادية.

فمنذ بداية هذا المرض وانتشاره بدأ صراع علمي محموم بين فريقين:

الفريق الأول يرى أنه لا بد من حبس الناس كلها سواء المريضة أو السليمة في بيوتهم، وفرض حظرا عليهم حتى لا ينشروا الفيروس في المجتمع.

فيما رأى آخرون، مثل مسؤولي الصحة في السويد وروسيا البيضاء أن هذا الرأي خاطئ لأنه سيمنع انتشار المناعة الطبيعية ضد الفيروس، وبالتالي قد يزيد من معدلات الوفاة به، وهذا ما رأيناه بالفعل في عدد من الدول والولايات الأميركية التي طبقت حظرا شديدا على المجتمع. ومن أمثلة هذه الدول إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بلغت معدلات الوفيات كنتيجة للإصابة بالفيروس في هذه المجتمعات أرقاما عالية.

كذلك، فإن جلوس الأصحاء، وليس فقط المرضى أو حاملي الفيروس في المنازل قد يعرض الأصحاء لتركيز أكثر من الفيروس وبالتالي ارتفاع معدلات الإصابة بالمرض.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا

أما الصراع الآخر فكان صراعا سياسيا بعدما دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نتائج فريق البحث الفرنسي الذي اكتشف كفاءة عقار الكلوروكين في علاج المرض، فانقسمت الصحافة إلى قسمين؛ أحدهم يحاول المستحيل لينفي أهمية عقار الكلوروكين بصورة قد يكون مبالغ فيها أو غير علمية كما يراها البعض، وقسم آخر يدافع عن الدواء أي عقار الهدروكسي كلوركين.

ووصل الصراع إلى درجة أن حاكم إحدى الولايات الأميركية منع استخدام العقار في ولايته لأن شخصا غير طبيعي تناول "مادة منظفة" يوجد فيها مادة كيميائية تحمل إسما مشابها لهذا العقار، وهذا مثل أن يمنع أحد استخدام البنزين للسيارات لأن شخصا ما تناوله بهدف الانتحار!

وصل الصراع إلى درجة تتجاوز كل حدود العقل والمنطق. وقد يتم فهم هذا الصراع إذا استمعنا لـ "بيل ماهر" وهو أحد أشهر مقدمي البرامج في التلفزيون في العالم الغربي المعروف بعدائه الشديد للرئيس الأميركي، وهو يدعو علانية وبلا أي خجل إلى محاولة إحداث كساد عالمي لكي يتم التخلص من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقليل احتمالات فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020.

قد يكون من العسير تصور درجة هذا الشر ولكن للأسف الشديد فإن هذا قد حدث بالحرف الواحد ومسجل بالصوت والصورة.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا. وباختصار شديد لو اختفى الفيروس أو ضعف من تلقاء نفسه كما يتوقع بعض العلماء المرموقين مثل د. ديدييه راؤول وغيره، فإن كل أبحاث التطعيم قد تذهب أدراج الرياح وتذهب معها مئات المليارات من الأرباح المتوقعة إذا تم استخدام اللقاح لتطعيم معظم سكان الأرض كما دعا بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت.

التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية

ولا تقل الكارثة بالنسبة إلى بعض الشركات إن نجح عقار هيدروكسي كلوروكين في منع انتشار المرض؛ فنجاح هذا العقار سواء في علاج المرض أو منعه يعني للبعض أن عقارا ثمنه أقل من دولار واحد وتستطيع أي دولة أن تنتجه دون الحصول على موافقات من الشركة الأولى المنتجة له نظرا لمرور عقود عديدة على اكتشافه، يعني وبكل بساطة انهيار حلم تحقيق المليارات من الأرباح من وراء بيع عقارات أو أمصال لهذا المرض.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية، وهو الأمر الذي قد يتم استغلاله من قبل بعض الدول مثل الصين للسيطرة على اقتصاد العالم.

ومن الجدير بالذكر ما قاله البروفيسور ديدييه راؤول في كتابه الأخير وتأكيده على ضرورة الفصل بين النشاط العلمي والمصالح الاقتصادية والسياسية من جهة، وأهمية التحقق من المعلومات العلمية، وعدم تركها للتلاعبات الصحفية الباحثة عن الفرقعة الإعلامية، من جهة ثانية.

الأمر فعلا معقد ويحتمل الكثير من الاحتمالات التي قد تحتاج إلى بعض الوقت للتيقن منها.

وللحديث بقية!