الممثلة الإيرانية الشابة نازانين بونيادي
الممثلة الإيرانية الشابة نازانين بونيادي

رياض عصمت/

كثيرا ما يتردد القول: "الإرهاب لا دين له". سبق أن جرى تداول هذه المقولة على ألسن كثير من الجهات منذ أن سعى بعض المتحاملين إلى التوأمة بين الإرهاب والإسلام، متجاهلين حقيقة كون معظم الأحداث الإرهابية التي وقعت في العالم كان دافعها إما التطرف العنصري غير الديني، أو أنها جاءت كردة فعل إزاء إحباط ما، أو ربما رغبة في الانتقام من مدرسة رسب فيها طالب مشاغب أو ملهى طرد منه زبون مواظب، وتؤكد الوثائق أن أغلب حوادث العنف نجم عن السماح بحمل السلاح دون ضوابط.

يحيي فيلم "فندق مومباي" (2018) ـ وهو من إنتاج أسترالي/هندي مشترك ذكرى الأحداث الدامية التي عصفت بأجمل معالم تلك المدينة الهندية الكبرى، وهو فندق "تاج محل"، الذي يعتبر أحد أكثر فنادق الهند فخامة ورفاهية.

صحيح أن الشباب العشر المنتمين إلى منظمة "لشكر طيبة" الباكستانية يدينون بدين الإسلام ـ وإن كان تنظيمهم يعتبر إرهابيا ومحاربا حتى من قبل السلطات الباكستانية ـ إلا أن الفيلم لا يغفل الإشارة بين الحين والآخر إلى كونهم مضللين.

كان بالإمكان أن يغنى سيناريو الفيلم بلمسات درامية إنسانية توقع أولئك المخدوعين الأغرار في دوامة الحيرة

​​أقدم أولئك العشر شباب على التسلل إلى مومباي في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 وإراقة دماء 164 ضحية بريئة، بينما زاد عدد الجرحى عن 308 شخصا.

كان العقل المدبر لعمليتهم الإجرامية الشنيعة عبر الموبايلات متطرف أطلق على نفسه اسما حركيا هو "الثور"، (وذكر في تيترات نهاية الفيلم أنه ما زال حرا طليقا).

للأسف، لم يسعَ سيناريو فيلم "فندق مومباي" بشكل كاف إلى "أنسنة" أولئك المغرر بهم، بل صورهم في نصف الفيلم الأول كقطيع من الضباع يهاجم بشرا أبرياء، مستقيا معظم حوارهم من تسجيلات حقيقية دون السماح للخيال الإبداعي بإضافات تغني شخصياتهم بأبعاد إنسانية. إلا أن الفيلم، بالمقابل، لم يغفل عدة حقائق عن "الإسلاموفوبيا" في سياق الإثارة والعنف اللذين حفل بهما. أول تلك الحقائق أن الناس الذين استهدفهم ذلك المخطط الإرهابي يضمون بعض المسلمين والسيخ وأميركيا وروسيا وآسيوية وبريطانيين وأستراليا وعديدا من أجناس وأعراق متباينة.

في أواخر الفيلم، عندما توكل إلى أحد الإرهابيين مهمة تصفية الرهائن، يفاجأ وهو يهم بقتل شابة مسلمة بأنها تبتهل بأدعية إسلامية إلى الله بعد أن شاهدت إعدام زوجها الأميركي بأم عينيها، فيتردد في قتلها ويسأل عبر الموبايل زعيمه الإرهابي الأكبر أن يعطيه الفتوى الشرعية، لكن الزعيم لا يتوانى أن يوعز إليه بأن قتل تلك المسلمة حلال وواجب. لا يطاوع ضمير ذلك الشاب الإرهابي الجريح على قتل مسلمة تدين بدينه، فيطلق طلقتين في الهواء، ويخرج ليصرع برصاص القوات الخاصة الهندية.

في مشهد ثان، يتصل الشاب الإرهابي بوالده بعد أن أصيب بجرح نازف، ويسأله فيما إذا كانت المنظمة الجهادية وفت بوعدها وسلمته وشقيقته الصغيرة المبلغ الموعود لقاء قيامه بالمهمة، فيجيبه الأب ـ رغم علمه ومباركته لما يفعله ولده ـ مصارحا بأنه لم يستلم أي مبلغ، فيتمتم الشاب مذهولا وخائب الأمل والدموع في عينيه: "لكنهم أقسموا على القرآن الكريم أن يفعلوا!".

يكشف سيناريو الفيلم أن من يقود ويوجه الجهاديين عن بعد من مخبئه لم يحفظ عهدا أو يحترم قسما، وأنه استغل إيمان أولئك الشباب وغرر بهم ليقوموا بتلك المهمة الانتحارية من أجل لا شيء.

في مشهد ثالث، يطلب زعيم الإرهابيين عبر الموبايل من عناصره اعتقال عدد من الرهائن الأثرياء ويجعلهم دروعا بشريا واستغلالهم للمقايضة.

ونرى في مشهد رابع ثلة رجال شرطة شجعان ـ يدع السيناريو للمشاهد تقدير دياناتهم ـ وهم يبادرون لمحاولة إنقاذ الرهائن من الفندق الذي أضرم فيه الإرهابيون النيران.

أخيرا، حين تحاصر القوات الخاصة الإرهابيين، يحثهم زعيمهم عبر الموبايل بألا يستسلموا ويسلموا أنفسهم، بل أن يقاتلوا حتى يقتلوا، ممنيا إياهم بالجنة الموعودة كأنه يملك مفاتيحها، تاركا إياهم لمصيرهم المأساوي.

أبطال فيلم "فندق مومباي"

نلاحظ خلال أحداث الفيلم ذعر "الإسلاموفوبيا" يهيمن على كثير من الناس البيض نتيجة الأفعال الدموية الطائشة لقلة من المتطرفين. يخبئ رئيس طاقم الفندق من استطاع إنقاذه من الزبائن والعاملين في قاعة حصينة، وهناك تسمع سيدة أجنبية عجوزا الشابة المسلمة تتحدث بالموبايل لتطمئن أمها، فتدنو منها بهستيرية وتتهجم عليها متهمة إياها بالانتماء لعصابة الإرهابيين لمجرد كونها مسلمة. كما تشتبه تلك السيدة البيضاء العجوز ببطل الفيلم النادل الهندي الشاب، الذي يرتدي عمامة ويطلق لحية، فيواجهها ويريها على موبايله صورة زوجته الحامل وابنته الطفلة، ويخبرها بأنه ينتمي إلى طائفة "السيخ"، وأن تلك العمامة رمز الكبرياء والكرامة بالنسبة لقومه، لكنه على استعداد لخلعها إذا كانت تخيفها، فيطمئن قلب العجوز وترفض أن يقوم بخلع عمامته من أجلها.

في مشهد لاحق، نرى النادل السيخي الشاب نفسه يتخلى عن عمامته ليضمد بها جرح صبية آسيوية لا يعرفها. في مشهد آخر، نرى السيدة المسيحية العجوز نفسها تتعاطف مع الشابة المسلمة حين تصمم على الخروج بحثا عن طفلها وزوجها، فتتطوع لمرافقتها مخاطرة بحياتها، فتؤسر وتعدم من قبل أحد الإرهابيين.

تنتهي عملية مومباي الإرهابية بمصرع تسعة شباب وأسر واحد. يفقد عديد من نزلاء الفندق والعاملين فيه حياتهم دون ذنب، بمن فيهم الروسي الفاسد الذي سبق أن عمل ضابطا للاستخبارات في أفغانستان، والأميركي الشهم الذي كافح لإنقاذ زوجته الهندية المسلمة وطفله الرضيع، والسيدة البريطانية العجوز وعديد من النساء والرجال من مختلف الأعراق والأديان والطوائف على حد سواء.

في ختام الفيلم، يعانق رئيس طاقم الفندق النادل الشاب الذي خاطر بحياته محاولا إنقاذ بعض الزبائن من الموت، وتترقرق الدموع في عينيهما معا. يعود النادل السيخي الشاب إلى زوجته الحامل وابنته الطفلة وقد انقضى كابوس الرعب.

بالتأكيد، كان بالإمكان أن يغنى سيناريو الفيلم ـ الذي كتبه جون كولي بالتعاون مع مخرج الفيلم أنتوني ماراس ـ بلمسات درامية إنسانية توقع أولئك المخدوعين الأغرار في دوامة الحيرة، وتجعل ضمير بعضهم يصحو ليدرك ما تورطوا فيه عن جهل وسذاجة. أغفل الفيلم ذلك إلى حد كبير، وسيطرت النزعة التسجيلية على السيناريو فأنست صانعيه الأبعاد السلبية التي يمكن أن يترتب عليها الحياد تجاه تحليل دوافع شخصيات أولئك الشبان السذج بشكل أعمق، بحيث يخالهم المشاهد أحيانا نسخ "فوتوكوبي" مكررة عن بعضها.

عندما توكل إلى أحد الإرهابيين مهمة تصفية الرهائن، يفاجأ وهو يهم بقتل شابة مسلمة بأنها تبتهل بأدعية إسلامية

​​اعتدنا في عهد الشباب أن نشجع بعضنا على حضور فيلم "كاوبوي" ـ كما اعتاد الشباب العرب أن يسموا أفلام الوسترن آنذاك ـ بالقول: "فيلم فيه الخيول ما بتهدى، والمسدسات ما بتفضى". بالتأكيد، "فندق مومباي" (2018) فيلم تشويق وإثارة بامتياز، حظي بطاقم تمثيل متنوع. لعب بطولة الفيلم الممثل البريطاني ذي الأصل الهندي ديف باتيل، (الذي انطلق طفلا في فيلم "مليونير الأحياء الفقيرة"،) والأميركي آرمي هامر (بطل "الفارس المقنع")، الممثل الهندي المخضرم آنوبام كير (الذي مثل 422 فيلما)، الممثلة الإيرانية الشابة نازانين بونيادي، والممثل البريطاني جيسون آيزاكس.

يشكل فيلم "فندق مومباي" إضافة إلى نصف دزينة من الأفلام التي تناولت أحداث 2008 في فندق "تاج محل" في مومباي، كان آخرها فيلم محدود النجاح أنتج في العام 2017. تناولت تلك الأفلام جميعا عبر صيغ متفاوتة ما ارتكبه تنظيم "لشكر طيبة" الإسلامي المتطرف من إرهاب عشوائي فظيع لم يميز بين مسيحي ومسلم وسيخي وأي عرق أو قومية.

حقا، إن "الإرهاب لا دين له"، فأولئك الذين أقدموا على تلك الجريمة الشنعاء وأمثالها لم يتذكروا شيئا عن روح التسامح التي اشتهر بها عديد من قادة المسلمين عبر التاريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يوجد لنا أشباه مختفون تحت الأرض؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.