ناشطون ليبراليون في كوريا الجنوبية خلال اعتصام تضامني مع تظاهرات الربيع العربي عام 2011
ناشطون ليبراليون في كوريا الجنوبية خلال اعتصام تضامني مع تظاهرات الربيع العربي عام 2011

محمد المحمود/

يبدو أن الواقع العربي لا يزال بعيدا عن نقطة البداية التنويرية التي يمكن أن تأخذه إلى المستقبل الإنساني/ الحضاري الواعد، المستقبل الذي يعده بخروجه من كهف تخلفه القروسطي العتيق، من أسر هذا التخلف الضارب في أعماق الوعي الكلي، من هذا التخلف المتكاثف المتناسل الذي لا يزال يخلق عوالمه الواقعية التي تكاد تخنق الإنسان في الإنسان على كل المستويات؛ فلا يبقى منه إلا وَهْم إنسان.

كل المؤكدات التي هي شواهد واقع/ رأي عين على مدى عقود، كل الكوارث المزمنة التي تضرب أعطابها في مفاصل الوعي كما في مفاصل الإرادة، والتي يجري توارثها طوعا أو كرها؛ بوعي وبلا وعي، كل الانتكاسات والانكسارات، فضلا عن الهزائم الساحقة الماحقة، وكل هذا الكم الهائل من التفاهة المتناهية التي تشكل عوالم القول وعوالم الفعل، كل هذه - وغيرها مما هو في سياقها - تؤكد الحاجة الماسة إلى التنوير/ إلى الحل الليبرالي.

لا أعتقد أن أمة من الأمم المعاصرة بحاجة إلى الاشتباك مع تراث التنوير في مساره الليبرالي كما هو حال الأمة العربية اليوم. ومع هذا؛ إلى الآن لا يجد العربي نفسه بحاجة ماسة إلى التفاعل مع حضارة الغرب الرائدة - من حيث هي حضارة ليبرالية؛ في النهاية/ في النتيجة/ في أرقى تجلياتها – تفاعلا إيجابيا ينطلق من حيث بدأت مراحل التأسيس هناك ليؤسس للبدايات هنا؛ بعد أن يأخذ في اعتباره مراحل تطور هذا النموذج، ومراحل اكتماله، وأهم الانتقادات التي يواجهها من داخله؛ ليصنع من خلال كل ذلك مشروعه الليبرالي الخاص.

لقد تَشكّلت البدايات الأولى للفكر الليبرالي في القرن السابع عشر الميلادي، وكانت هذه البدايات ذات منحى اقتصادي صريح قبل أي شيء آخر، أي قبل التحرر الليبرالي: الاجتماعي والسياسي، الذي تُشكّل "الحرية الفردية" جوهره الأساس. لكن، مع تطور حركة التحرر الاقتصادي، وارتباطها بالحرية الاقتصادية الفردية/ الرأسمالية، تقاطعت – إيجابيا – مع مقولات الحرية الفردية/ الإنسانية، التي تجد مرجعتيها الفكرية/ الروحية في خطاب الأنسنة الذي ازدهر إبان عصر النهضة في الآداب والفنون، والذي تطوّرت بعض مساراته إلى مقولات الحرية والحقوق الفردية في الخطاب التنويري الذي اتضحت معالمه الأساسية في عصر العقل/ القرن الثامن عشر الميلادي.

من هنا نفهم كيف ولماذا "استُخدمت ليبرالية القرن التاسع عشر للتخلص من القيود الدينية والإقطاعية والأرستقراطية على رأس المال، ومن قيود الدولة أيضا والتي كانت في يد هذه القوى آنذاك" (الليبرالية الجديدة، أشرف منصور، ص13)، خاصة وأن الليبرالية الاقتصادية كانت في صلب الفكر السياسي لمفكرين كبار، كتوماس هوبز وجون لوك وآدم سميث...إلخ أولئك الذين مارسوا التفكير الليبرالي تحت مظلة المقولات العقلانية، العقلانية الإنسانوية على وجه التحديد، "فقد كانت الليبرالية بأشكالها المتنوعة موقفا عقلانيا قبل أن تصبح عرضا نظريا واعيا بذاته" ("الليبرالية، إشكالية مفهوم"، ياسر قنصوه، ص18). وهذا ما يجعل الحديث عن التنوير يصبح – بالضرورة التاريخية – حديثا عن الليبرالية التي هي تحققّه وتطوره في الواقع، سواء بالاتفاق أو الاختلاف مع مقولة "نهاية التاريخ". 

يمكن تحديد بداية ظهور المفاهيم الليبرالية في العالم العربي بعودة رفاعة الطهطاوي من باريس عام 1831مـ، وخاصة بعد تأسيسه لمدرسة الألسن التي أراد لها أن تؤسس للانفتاح الثقافي/ العلمي. صحيح أن تلك البدايات كانت خجولة، بل وتكاد تكون باهتة من حيث دلالتها على الأثر الليبرالي، وصحيح أيضا أن كثيرا من "مبادئ الليبرالية" كانت آنذاك تُطرح كمبادئ عامة للتطور والتقدم القائم على محاكاة النموذج الغربي؛ ولم يكن مصطلح "الليبرالية" حاضرا في سياق هذه المُثَاقفة، إلا أن غياب المصطلح تداوليا لا ينفي حقيقة أن الأفكار والمقولات المستمدة من خطاب التنوير السائد في أوروبا أوائل القرن التاسع عشر (وفي فرنسا على وجه الخصوص)، كانت أفكارا ومقولات ذات طابع ليبرالي، سواء بالأصالة، أو باعتمادها لاحقا، وتعميدها كأهم  مرتكزات الخطاب الليبرالي.

ومثلما لم يُقدّر لتجربة خير الدين التونسي في تونس أن تستمر، لم يُقدّر لمسيرة الطهطاوي في مصر أن تستمر على نحو متصاعد، بل تعرضت حتى إبان ازدهارها لنكسات، وصلت في بعض الأحيان إلى إقصاء الطهطاوي ونفيه، بعد إيقاف مشاريعه ذات الطابع الثقافي التحديثي.

وعندما جاء محمد عبده بمقارباته العقلانية، وخاصة بعد فشل الثورة العربية، كانت الأرضية السياسية – الثقافية قد خسرت فرصة التأسيس الثقافي المؤسساتي للتنوير الليبرالي؛ جرّاء كون مشروع الطهطاوي في الخط العام لمساره خاضع/ مرتهن لتقلبات المزاج السياسي.

أيا كان الأمر، فقد كانت محاولات محمد عبده الإصلاحية، رغم اتّكائها – بمستوى ما – على التراث الاعتزالي القديم، واعدة بتحريك مياه التقليد الراكدة. هذا ما ظهر أثره واضحا على تلامذته المُباشِرين وغير المُباشِرين، كرشيد رضا في فترته الأولى، وكلطفي السيد وطه حسين وقاسم أمين وغيرهم من الرواد الأوائل.

لقد كان محمد عبده يدرك أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بوابة الإصلاح الثقافي، وأنه لن يكون ثمة إصلاح ثقافي دونما إصلاح ديني، يحفر في الخطاب الديني المهيمن على نظام الوعي. وما أحرى محمد عبده في هذا أن يكون قد أدرك أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما أدركه محمد أركون بعد قرن، حين أكّد على أولوية الإصلاح الديني صراحة بلسان المقال، بعد أن أكّده بلسان الحال. يقول أركون: "أكاد أقول بأن تحرير الأرض مرتبط بتحرير السماء ولذلك أعطيت الأولوية للتحرير الديني – أو للإصلاح الديني – على بقية أنواع التحرير الأخرى من سياسية واجتماعية وأخلاقية. فهو الذي يخلع المشروعية على كل أنواع التحرير هذه" (قضايا نقد العقل الديني، محمد أركون، ص281).  

لقد ساعد الاستعمار البريطاني على إشاعة جو من الانفتاح الذي كفل لأفكار محمد عبده وتلامذته الشيوع والانتشار، بل وحماها من أن يطالها اضطهاد بعض المؤسسات التقليدية، هذه المؤسسات النافذة التي قد تقودها الموازنات إلى كبح جماح الانفتاح بين عشية وضحاها. وهنا يبدو من الواضح أن هذا الذي توَفّر لعبده في ظل الاستعمار البريطاني لم يتَوفّر للطهطاوي من قبل؛ عندما كانت مشاريعه تتم تصفيتها بالمزاج السياسي المحض.  

نعم، هنا دور محوري للحقبة الاستعمارية. فإذا كانت مرحلة الاستعمار الأولى (1881- 1919) شكّلت البدايات الخِصْبة التي فتحت آفاق المصريين على التجربة الليبرالية في الغرب، بل وجعلتها تخوض معركة اشتباك سياسي/ إداري/ تنظيمي معها، فإن المرحلة الاستعمارية اللاحقة (1919- 1952) يمكن اعتبارها مرحلة النضج الليبرالي، حيث ازدهرت جامعة القاهرة التي كانت تحتفي بعدد غير قليل من المستشرقين، وحيث رجع رُوّاد البَعَثات الأولى، كطه حسين، ومنصور فهمي، ومحمد حسين هيكل، وزكي مبارك...إلخ، وازدهرت حركة الترجمة والبحث العلمي، وحيث ظهرت كثير من الصحف والمجلات الرائدة ذات الطابع الانفتاحي، كالرسالة وأبولو. بل إن عمالقة الفكر والأدب، كطه حسين والعقاد و"هيكل الأديب" وأحمد أمين، بالإضافة إلى أُدباء المهجر (الرابطة القلمية 1920، والعصبة الأندلسية 1933 المرتبطين ثقافيا بسياق الثقافة العربية في موطنها الأصلي)، طرحوا أفضل ما لديهم في هذه الفترة، فكان العصر الذهبي لليبرالية العربية (1919- 1952) هو العصر الذهبي لإنتاجهم الفكري والأدبي، كَمّاً ونَوْعا. وهذا يشير بلا شك إلى التلازم بين توفّر فضاءات الانفتاح وحرية التفكير والتعبير من جهة، وتنامي الإنتاج العلمي/ الثقافي المرتهن إلى عالم الإنسان الحيّ/ المتطور من جهة أخرى.

لهذا، تراجعت كل حركة التطور على كل المستويات، وتعثرت كل مشاريع النهوض؛ بعد ما سمي بحروب الاستقلال التي تضمنت نفسا ضديا واضحا كان يقترب من الرعونة في كثير من الأحيان. لقد كان من الطبيعي أن يحدث هذا بتراجع المد الليبرالي النسبي الذي كان يكفل حرية التفكير، بل ويساعد عليها من خلال فتح قنوات التواصل الحر مع حضارة العصر، ومن خلال ضمانة حرية التفكير التي كانت تناقش آنذاك أساسيات صناعة المجتمع الحديث في السياق العربي.

----------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.