الرئيس السوداني عمر البشير
الرئيس السوداني عمر البشير

بقلم بابكر فيصل/

شهدت الثورة السودانية المستمرة منذ ديسمبر 2018 تطورات كبيرة الأسبوع الماضي كان أبرزها إجبار الجنرال عمر البشير على التنحي من سدة الحكم، وكذلك تنحي نائبه الذي انقلب عليه بعد ساعات من استلامه السلطة عقب ضغط جماهيري واسع عبَّر فيه ملايين المواطنيين عن رفضهم التام لكل رموز النظام الاستبدادي الفاسد.

وكانت نقطة التحول الرئيسية في مسار الثورة قد حدثت في يوم السبت 6 أبريل، وهو اليوم الذي دعت فيه قوى المعارضة الممثلة في "إعلان الحرية والتغيير" لموكب ضخم يتوجه لمبنى القيادة العامة للجيش استلهاما لذكرى انتفاضة الشعب التي اندلعت في ذلك اليوم من عام 1985 وأدت إلى سقوط نظام الجنرال الراحل جعفر نميري. وقد لبى مئات الآلاف من المواطنين دعوة المعارضة غير آبهين ببطش السلطة وأجهزة الأمن ومليشيات الحزب الحاكم.

تحول الموكب إلى اعتصام ضخم شارك فيه أكثر من مليوني شخص في اليوم الأول الذي شهد انحيازاً واضحاً من صغار الضباط وصف الضباط والجنود لصفوف لثورة، حيث قاموا بحماية المعتصمين العزل من الهجمات الليلية المسلحة التي قامت بها أجهزة أمن النظام ومليشيات الحزب الحاكم، وقد استشهد منهم ثلاثة جنود واعتقل عدد من الضباط لمخالفتهم أوامر القيادة والتجاوب مع نداءات الثوار.

أيضاً اشتعلت التظاهرات والاعتصامات أمام مباني القوات المسلحة في مختلف ولايات السودان بصورة كبيرة، مما قاد للخطوة التالية حيث قامت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بإعلان الإضراب العام الذي استجابت له مختلف قطاعات الشعب بصورة كبيرة أدت لحدوث شلل تام في الحياة وفي تسيير شؤون الدولة.

بإزاء هذه التطورات غير المسبوقة طوال الحكم الاستبدادي المستمر منذ ثلاثة عقود، لم تجد الأجهزة الفاعلة داخل النظام بُداً من إتخاذ قرارات كبيرة خصوصاً بعد فشل كل الحلول الأمنية والقمعية في إيقاف المد الثوري المتعاظم، حيث أذاع وزير دفاع الجنرال ونائبه الأول، عوض ابن عوف، بيانا في يوم 11 أبريل أعلن فيه انقلابه على الجنرال البشير واستلامه للسلطة وتكوين مجلس عسكري انتقالي لمدة عامين.

فور سماع البيان، تضاعفت حشود الثوار في ميدان الاعتصام وجميع مدن البلاد، وأصدرت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بياناً تعلن فيه رفضها للانقلاب وتعتبره مجرد مسرحية تهدف لتغيير الوجوه والحفاظ على النظام الاستبدادي الفاسد، وتطالب الجماهير بمواصلة الضغط لتغيير الأوضاع بشكل كامل. وأمام ضغط الجماهير اضطر قائد الانقلاب للاستقالة بعد ساعات قليلة من استلامه للسلطة، وقام بتعيين أحد قادة الجيش الكبار في موقعه كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي.

أذاع الفريق أول عبد الفتاح البرهان الرئيس الجديد للمجلس العسكري بيانا تعهد فيه بتصفية مؤسسات النظام السابق ومحاكمة رموزه المتورطين في جرائم القتل والفساد، ودعا قوى المعارضة للتعاون مع المجلس من أجل تأمين الثورة وتحقيق أهدافها المعلنة، كما طالب جماهير الشعب السوداني بمساندة المجلس من أجل حماية أمن البلاد والحفاظ على استقرارها في هذا الظرف التاريخي المهم.

وجد البيان الذي تلاه قائد المجلس العسكري ترحيباً حذراً من الثوار وقوى المعارضة التي سارعت للإجتماع به لتجلية الكثير من النقاط المهمة، وفي مقدمتها ضرورة تكوين مجلس سيادة من القوى المدنية يحفظ فيه تمثيلا للعسكريين، إضافة للإسراع في تشكيل الحكومة المدنية الإنتقالية مع الاتفاق على مد أجلها لأربع سنوات، وكذلك أهمية اتخاذ خطوات سريعة لاعتقال رموز النظام وقيادات جهاز الأمن، إضافة لحل الحزب الحاكم والمليشيات التابعة له ومصادرة مقاره ودوره فوراً.

ولكن ما أن انفض اجتماع قوى المعارضة مع العسكر، حتى قام الأخيران باعلان أسماء عضوية المجلس العسكري ضاربين بمطلب المعارضة عرض الحائط، ومتجاهلين مطالب الثوار التي رفضت احتكار الجيش للسلطة والابقاء على النظام المستبد الفاسد بالكامل، وهو الأمر الذي دفع قوى إعلان الحرية والتغيير لاصدار بيان شديد اللهجة جاء فيه:

"إن ثورتنا لن تنتهي بمجرد استبدال واجهات النظام وأقنعته الخادعة، فالخطوة الأولى في إسقاط النظام تتأتى بتسليم السلطة فوراً ودون شروط لحكومة انتقالية مدنية وفقاً لما أقره إعلان الحرية والتغيير، تدير المرحلة الانتقالية لفترة ٤ سنوات وتنفّذ المهام الانتقالية التي فصّلها إعلان الحرية والتغيير والوثائق المكملة له. كما إن الثورة تكتمل بتحقيق مبادئها كاملة غير منقوصة، ولن تتحقق هذه المبادئ ما لم تتحول منالأقوال لأفعال يراها الثوار والجماهير رأي العين".

كذلك أكد البيان على أن العسكر لم يتخذوا أية إجراء لتأمين الثورة وضمان ذهاب النظام الاستبدادي الذي ما زالت أذياله تسيطر على أجهزة الدولة والإعلام بالإضافة للأجهزة الأمنية، وما زالت قياداته المسؤولة عن جرائم القتل والفساد والإبادة حرة طليقة تسيطر على مفاصل الدولة وتؤجج نيران الثورة المضادة.

لم يكتف قادة المجلس العسكري بذلك، بل قاموا بخطوة أكثر استفزازا للثوار حينما اجتمعوا بالأحزاب التي كانت مشاركة في حكومة الجنرال البشير وعلى رأسها حزب المؤتمر الوطني الذي ترأسه الطاغية نفسه، وهو الحزب الذي حكم السودان 30 عاما وتسبب في كل الكوارث التي جعلت الجماهير تهب في وجهه وتطالب بذهابه ومحاكمة قياداته.

هذه التطورات دفعت قوى المعارضة لمطالبة الجماهير بمواصلة مواكبها السلمية وتعزيز اعتصامها الكبير أمام مبنى القيادة العامة للجيش قائلة إن (هناك مطالب واضحة ما لم تتحقق فلا مناص من الجهر بالرفض كله، وهي المطالب التي تجعل من انتصار ثورتنا انتصاراً لا هزيمة بعده ولا كبوة، والتاريخ يذكرنا بأن الناس تؤتى من حيث اطمأنوا، فالوطن على عتبات باب موارب يكمن خلفه السيل الخادع الغادر، لذلك فإن مدنا الثوري وصمودنا ككتلة واحدة صلبة مستمر دون تراجع، وذلك من أجل التفكيك الكامل لمؤسسات النظام الشمولي البائد ولتفويت الفرصة على عناصر النظام المتربصة بتفتيت وحدة شعبنا".

قد نجحت الثورة السودانية المستمرة منذ أربعة أشهر في إزاحة الطاغية البشير بعد أن قدمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين، وما يزال الطريق طويلاً حتى تحقق انتصارها النهائي على قوى الثورة المضادة التي زرعها النظام طوال ثلاثة عقود من حكمه عبر تطبيق "سياسة التمكين" التي استطاع من خلالها اختطاف الدولة لمصلحة الحركة الإسلامية (الفرع السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين).

لا مناص من أن يتواصل المد الثوري ويتعاظم حتى لا تتكرر تجربة سرقة الثورة كما حدث في انتفاضة أبريل 1985 التي ركبت موجتها الحركة الإسلامية بعد أن كانت جزءا أصيلاً من النظام العسكري الذي تزعمه الجنرال جعفر النميري، مما أدى إلى تنامي نفوذ الحركة في التجربة الديمقراطية الثالثة وهو الأمر الذي مكنها من الانقلاب على النظام الشرعي عبر الجيش في يونيو 1989.

-------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.