فتاتان سودانيتان تشاركان في الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم
فتاتان سودانيتان تشاركان في الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم

ابتهال الخطيب/

في البداية كانت آلاء صلاح، تلتحف قماشة بيضاء واحدة تلتف على جسدها كأنها آلهة إغريقية، صعدت المنصة فأنشدت بصوتها وجسدها ورأسها ويديها وشعرها: "نحن السقينا النيل/ من دمنا الفاير"، في البداية هي آلاء وكنا لنغني وننشد حماسة وثورية وجنونا بالحرية معها: "ما بننكتم نسكت/ في وش عميل جاير"، بل وقد فعلنا في اللحظات التي ظهرت هي فيها رافعة يديها وكأنها المخلصة الأنثى الأولى لهذا العالم العربي الغارق في ذكوريته الشوفينية، غنينا وأنشدنا وإهتزت أجسادنا المقموعة بألف حرام وعيب وممنوع مع كلماتها، وذلك إلى أن ظهر البيان الكريه رقم واحد، ماذا سيحدث لك الآن أيها السودان الجليل؟

تعود بي الذكرى إلى البيان المصري رقم واحد في 2011، أتذكر الوجوه المذهولة والقلوب الخافقة، كأن الدماء ستبح طافقة من جدرانها وإلى خارج جلود أجسادها. أتذكر الحماس والأمل، وكأن الدنيا أصبحت في كف أيادينا، أتذكر الثقة الساذجة والنظرة المستقبلية الحالمة، أتذكر شعوري الشخصي بأننا على وشك أن نحول العالم العربي بأكمله الى ديمقراطية علمانية ليبرالية إجتماعية، الخلطة بأكملها هكذا بمعية ترابطها الذي يجب أن يكون، أتذكر الخطة الحالمة المسكينة في رأسي التي كنت أعلم أنني لن أرى نهايتها، فهي خطة، كنت أدرك، تمتد عبر أجيال، تحتاج لمئة سنة أو أقل أو أكثر بقليل لتحقيقها، ولم أكن أهتم لأن أرى نهاياتها على كل الأحوال، أنا أشهد بدايتها، والبداية دائما أهم وأجمل وأشهى، البداية هي عنفوان الشباب الذي يضاهي ويغلب نضج النهايات مهما كانت هذه النهايات جميلة وناجحة.

اعتقدنا، الثوريون المتحمسون الحالمون من جيلي والجيل السباق واللاحق له، إعتقدنا جميعنا ومصر تقوم بثورتها أننا عند مفترق طرق، أننا على وشك أن نشهد طفرة إجتماعية، أننا ننظر بأعيننا إلى حدث لن يتكرر، لربما مثل حدث إلتقاط أول صورة للثقب الأسود الذي حققه العالم الغربي اليوم فيم نحن بعد نقوم بالثورات ونعد بيانات رقم واحد. كانت أياما حالمة، لازال طعمها باقيا مَرارا كالذي يخلف الحلاوة الصناعية. لم أفقد الأمل في الثورات العربية، لازلت أسميها ربيعا وأستنشقها ياسمينا رغم دخول الشتاء عليها ورغم ذبول وردها. لقد علمنا التاريخ الإنساني أن نصبر على الثورات ونصابر، أن نمد بصرنا لأبعد من أعمارنا، وأن نتأمل حسن النتائج للأجيال القادمة التي لن نراها أو نرى زمنها. إنه الحلم بمستقبل أفضل، لن نراه أو نتمتع به، ولكن الأمل في تحققه، التطلع إليه، المشاركة بصورة أو بأخرى في بنائه، تلك هي السعادة المتوافرة لنا، نحن جيل البيانات رقم واحد، والدوائر الثورية المغلقة التي دائما ما تلتف لتعود بنا حيث بدأنا.

اليوم يوم السودان، تُلي فيها البيان البشع رقم واحد، بشع مهما تبدى من حكمته وحنكته، مخيف مهما تبين من أمانه، مزلزل مهما وعد من ثبات وحماية. اليوم يوم بيان السودان رقم واحد، ويا لشساعة الفرق بين مشاعرنا العربية "البيانية"، بهجة بيان مصر، رعب بيان السودان، أحلام بيان مصر، مخاوف بيان السودان، آمال بيان مصر، محاذير بيان السودان، كبرتنا السنوات والتجارب كثيرا، ذبلت أحلامنا وآمالنا، وأحكمت فرحتنا إلى آلة حاسبة تاريخية، بتنا نحسب على وقعها الآمال والأحلام والفرحات. الدروس قاسية، والأقسى منها ما بقي في القلب من أمل، من رغبة في الفرح، فتلك البقايا إذا ما خُدشت ستقضي على ما بقي من لين قلوبنا التي يطريها التوق والرغبة والحلم، إذا ضاعت كل تلك، تحجرت قلوبنا وأكملنا الحياة بلا حياة.

أشعر الآن بتجربة والدي النفسية إبان حرب 67، أكاد أرى القصة التي رسمها بكلماته رؤي العين، وهو يحكي عن الأمل يتمدد أنفاسا حد انفجار الرئتين، ثم يخمل ويخمد حد ضمور الرئتين وإنقطاع الأنفاس. حكى لي والدي قصة الأمل المتصاعد الذي تقتله التجارب والأيام، حكى لي عن مشاعر جيل كامل صدق القصة، وجرى خلف سراب، وحين اكتشف الحقيقة لم يتحملها، فأخذ بعضهم طريق الأيديولوجية الإسلامية، وأخذ آخرون طريق اللامبالاة الوجودية، وآخرون كفروا بالعروبة وكل ما يمتد لها بصلة، منتزعين أنفسهم وذويهم من جذورهم مرتحلين بهم نحو الغرب، حيث تربة تحقيق الأحلام. ذوبان الآمال قاس، موجع، حارق كمثل حرقة مادة كاوية تمر بالبلعوم. فكم من مرة نستطيع نحن أن نبتلعها ونستمر أحياء لنرو القصة؟

لعل حظك يا سودان أحسن، لابد أن نؤمن أنه سيكون أحسن، قلوبنا معك.

-------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.