قلعة نزوى 160 كيلومتر جنوب غرب العاصمة العمانية مسقط
قلعة نزوى 160 كيلومتر جنوب غرب العاصمة العمانية مسقط

حسين عبدالحسين/

تقول صديقة تركية إن في نقاشاتهم حول تحالف أنقرة والدوحة، غالبا ما يرى الأتراك انفسهم أنهم سليلو حضارة عمرها مئات السنوات، فيما قطر هي دولة وليدة بلا تاريخ، وأن التحالف بينهما أسبابه سياسية آنية فحسب.

ومثل تركيا، تنظر إيران إلى الدول العربية جاراتها نظرة تباهي، فيعتبر الإيرانيون أنهم ينحدرون من حضارة عمرها آلاف السنوات، فيما الجزيرة العربية سكانها بدو رحل، بلا تاريخ ولا حضارة، وأنه لولا اكتشاف مخزونات الطاقة الضخمة عند عرب الخليج، لكانوا ما زالوا في مصاف البرابرة. لكن نظرتي تركيا وإيران تجاه العرب خاطئة، تاريخيا، وتنم عن عنصرية فاقعة.

لعرب الخليج تاريخ عريق ينافس التاريخ الإيراني والأوروبي

​​ومن يعرف تاريخ جزيرة العرب قد يعرف أنها تعرضت لعملية تغيير مناخي أدى إلى تحول معظمها من واحة خضراء إلى صحراء قاحلة. لكن سكانها لم يرحلوا، بل ابتكروا قنوات جرّوا فيها المياه من مصادر ارتوازية وغيرها، ووصل طول بعض هذه القنوات مئات الكيلومترات. تقنية هذه القنوات نقلتها إيران فيما بعد، وكان المؤرخون يعتقدون، حتى الماضي القريب، أنها اختراع إيراني، إلى أن تم اكتشاف الأصلية في واحات عربية، في العين في أبوظبي مثلا، وهي قنوات يسميها السكان أفلاج، المشتقة من فلج، وهي اللفظ المحلي للفظة فلق المذكورة في القرآن، والتي تعني خلق الكون بفتق كتلة واحدة. ويصف كتاب المسلمين رب العالمين بـ "رب الفلق“.

وبسبب بقائهم في ديارهم التي راحت تتصحر، ولأن جزيرة العرب، وإلى شمالها، الصحراء السورية، شكلتا جسرا بريا إلزاميا لقوافل التجار بين الشرق والغرب، تحولت النقاط الصحراوية إلى معابر الزامية، وأثرى أهلها لمرور التجارة في أراضيهم. ثم بعد اكتشاف الرياح الموسمية فوق المحيط الهندي، مع بداية الألفية الأولى للميلاد، انتهت حصرية خطوط التجارة داخل جزيرة العرب والعراق والمشرق، وراحت تنافسها قناة الفراعنة، السابقة للسويس، والبحر الأحمر، وتقدمت أهمية مدن ساحل جزيرة العرب، مثل عدن ومسقط.

ومع صعود البرتغال وإسبانيا وبريطانيا كقوى بحرية، منذ القرن الخامس عشر، أرشد العرب البحّار البرتغالي فاسكو داغاما إلى الهند، فداغاما انطلق من البرتغال جنوبا، وأطلق اسم "رأس الرجاء الصالح" (كايبتاون) على المدينة الجنوب إفريقية، واستدار شرقا حول إفريقيا، ووصل سواحل زنجبار (تانزانيا وكينيا اليوم)، ومن هناك، قاده الملاّح العربي أحمد بن ماجد، ابن رأس الخيمة الإماراتية، إلى الهند.

إذا، لم يكن الإماراتيون برابرة، بل هم ابتكروا الأفلاج قبل آلاف السنوات، ونقلها عنهم الإيرانيون، وهم برعوا في الملاحة وفتحوا الباب أمام الأوروبيين إلى الهند، وبين التاريخين، لعبت الإمارات، مثل دول الخليج — الكويت والبحرين وقطر — دور محطات للملاحة التجارية بين العراق والبحر الأبيض المتوسط، من ناحية، والهند، من ناحية ثانية، وحصل ذلك بين ظهور الإسلام، في القرن السابع الميلادي، واكتشاف طريق الهند من أوروبا حول إفريقيا، في القرن الخامس عشر.

والدور العربي في التجارة البحرية العالمية موثق، على سبيل المثال في الآثار والنقود التاريخية التي تم العثور عليها في الدور، في إمارة أم القيوين، فضلا عن الآثار التي تركها الرومان ومن تلاهم في الكويت والبحرين (دلمون).

حتى اسم قطر يأتي من التسمية الآرامية القديمة بيت قطرايا، وجذر الكلمة هو كتل أو جدر، بمعنى حائط (كوتل بالعبرية) أو جدار، أي الجدار الذي يحيط بأرض فيجعل منها كتلة. واسم قطر مرادف ايتومولوجيا لاسم مدينة قادش الإسبانية، أقدم مدينة اوروبية، وهي أصلا مستوطنة فينيقية اسمها جدار (الجيم الفينيقية تلفظ مثل المصرية).

والهيمنة العربية في الخليج واضحة، حتى على الضفة الإيرانية، التي يسكن مساحات واسعة منها عرب يعانون من اضطهاد طهران لهم. والآثار العربية التاريخية ماتزال قائمة في مواقع إيرانية، كما في جزيرة خرك، التي تحوي قبورا نبطية ومسيحية عربية. واستمرت السطوة العربية على الخليج مع صعود سلطنة عمان وزنجبار، التي سادت الخليج وبحر العرب والقرن الإفريقي، ولم تنته السلطنة في زنجبار الا في ستينيات القرن الماضي.

لم يكن الإماراتيون برابرة، بل هم ابتكروا الأفلاج قبل آلاف السنوات، ونقلها عنهم الإيرانيون

​​لعرب الخليج تاريخ عريق ينافس التاريخ الإيراني والأوروبي، وإن كانت القرون الخمسة الأخيرة جارت عليهم مع شح المياه والموارد، إلا إن الثورة النفطية كانت بمثابة ابتسام القدر لهم، وهي ابتسامة تعاملت معها غالبية الحكومات الخليجية بحكمة، فشيدت دولا تتفوق اقتصاديا ومعرفيا على دول ذات مخزونات نفطية مشابهة، مثل إيران والعراق، اللتين تعانيان من "لعنة النفط"، بدلا من العيش في نعيمه.

في أبوظبي، الأسبوع الماضي، انعقدت القمة الثقافية السنوية الثالثة، التي جمعت خبراء من أكثر من 90 دولة، تباحثوا في كيفية حوار الحضارات، وكيفية الحفاظ على التراث البشري، الذي يعاني خطر الاندثار، كما في تدمر السورية والموصل العراقية. في أبوظبي، تناقش المثقفون، وعلى الضفة الإيرانية، كان مسؤولو الجمهورية الإسلامية يتوعدون الجيش الأميركي بالحرب.

للخليج ضفتان ضاربتان في التاريخ وتتمتعان بمخزونات كبيرة من الطاقة، ضفة إيران الثورية تعيش في فاقة وعوز وانحدار فكري، وضفة العرب تعيش في نعيم ورغد ومؤتمرات ثقافية، وفي الفارق بين الاثنين دروس وعبر لمن أراد أن يعتبر.

اقرأ للكاتب أيضا: الربيع الذي لن يأتي: نحن آسفون يا جزائر

-------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.