يستمر اعتصام المعارضين السودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش
يستمر اعتصام المعارضين السودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش

منصور الحاج/

لطالما ردد صديقي العزيز علي اليامي بأن الحراك الشعبي الذي تشهده المنطقة منذ عام 2011 أو ما بات يعرف بـ"الربيع العربي" يمثل الحدث الأكثر أهمية في تاريخ العرب والمسلمين وغيرهم من الشرائح والأقليات وسينقل شعوب تلك البلاد بعد مخاضات طويلة وعسيرة إلى مرحلة جديدة تكون فيه حياة الإنسان وحقوقه هي القيمة الأساسية والمحور الأبرز في الخطاب السياسي والاجتماعي لكل القوى السياسية والاجتماعية والدينية.

وبحسب اليامي، فإن أهمية أحداث "الربيع العربي" تتمثل في الوعي الذي أحدثته في الذاكرة الجمعية وتأكيدها على قدرة الشعوب على تغيير الأنظمة عبر طرق سلمية ومحاسبة المسؤولين على جرائمهم وتجاوزاتهم وبناء دول حديثة تحترم فيها حقوق الإنسان ويسودها حكم القانون.

إن طريق التحرر من قيود الاستبداد طويل ومضن ومخاض التغيير والانعتاق أمر عسير

​​ويشدد صديقي على أن الطريق لا يزال طويلا أمام شعوب المنطقة لتتخلص من الأمراض الاجتماعية وتتحرر من القيود الدينية والاجتماعية والعصبيات القبلية لدخول مرحلة التمدن حيث تعلو قيمة الفرد وتحترم ميولاته وخصوصياته ويضعف نفوذ القبيلة بسبب الانفتاح والتمازج والانصهار وسيادة القانون وتحسن الأوضاع الاقتصادية.

وبالنظر إلى الحراك الجماهيري في السودان نلاحظ بلا أدنى شك ارتفاع مستوى الوعي الشعبي بين أوساط الشباب الذين أدركوا حجم المؤامرة التي تحاك ضد ثورتهم وأن التخلص من البشير، وإن كان إنجازا كبيرا، لا يعدوا أن يكون سوى قمة جبل الجليد وأن محاولات سرقة ثورتهم تم التخطيط لها حتى قبل سقوط رأس النظام وأن البيان الذي تلاه نائب الرئيس ووزير دفاع نظام المخلوع عوض بن عوف لم يكن إلا حلقة من حلقات مسلسل التآمر على ثورة الشعب الذي خرج ينشد إنهاء عهد الإسلاميين واستئصاله من جذوره وتأسيس دولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة.

وعليه، ومهما علت أصوات المتآمرين في الداخل من إسلاميين وعملاء الدولة العميقة؛ ومهما بلغ حجم التأييد الذي استمدوه من قوى الثورة المضادة بقيادة السعودية والإمارات اللتان باركتا استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة في الوقت الذي يدعون فيه شن حرب على التنظيم الذي يعتبرونه إرهابيا ويبررون قمع كل الأصوات المطالبة بالتغيير في أراضيهم في مفارقة واضحة ونفاق مفضوح لا ينطلي إلا على الجهلاء، فإن النظام الإرهابي في السودان لم يسقط بعد ومواصلة الاعتصام والالتفاف حول تجمع المهنيين والقوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير يمثل الخيار الوحيد لحماية الثورة وإفساد كل محاولات سرقتها والمساعي الحثيثة لوأد أحلام الثوار في دولة مدنية تقوم على مبادئ العدل والمساواة وتحترم الحقوق والحريات.

لم يسقط النظام بعد طالما لا تزال السلطة بيد قادة الجيش الذين تآمروا مع الإسلاميين ضد الشعب ولم يحركوا ساكنا طوال سنوات حكم الإنقاذ على كل التجاوزات بدءا بالتحالف مع تنظيم القاعدة والضحك على الشعب عبر الترويج للعقيدة الجهادية في معسكرات الدفاع الشعبي وإرسال الآلاف إلى حياض الموت في حرب أسبغوا عليها زورا وبهتانا صفة القداسة للتفريق بين أبناء الوطن الواحد وتبرير قتلهم على أساس ديني في الوقت الذي لم تكن في الحقيقة إلا حربا أهلية دافعها سياسي بحت.

لم تسقط بعد، طالما يمسك بزمام الحكم قتلة مجرمون لم يتورعوا في إرسال أبناء الشعب إلى حرب أهلية في اليمن لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل؛ ومسؤولون لم يصلوا إلى مراتبهم الحالية إلا لولائهم للنظام وتأييدهم لسياساته الفاشلة التي بددت مقدرات البلاد وجعلته يتبوأ أعلى المراكز في سلم ترتيب الدول الفاشلة والأكثر فسادا وتخلفا على مستوى العالم.

لم تسقط بعد، طالما لا يزال المتورطون في ارتكاب جرائم حرب في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وغيرها من المناطق وأولئك الذين اعتقلوا وعذبوا النشطاء الحقوقيين والمعارضين السياسيين أحرارا وطالما ظل أئمة الفساد الذي كنزوا الأموال في البنوك العالمية وبنوا القصور وركبوا السيارات الفارهة بعيدون عن المحاسبة.

إن نظام البشير لا يزال قائما ولم يتغير إلا على مستوى الوجوه فقط وأولئك الذين ينادون بإعطاء فرصة لرئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان المعروف بولائه لنظام وسياسات حزب المؤتمر الوطني ثم الخروج عليه مجددا في حال فشله ليسوا سوى واهمون سذج لم يتشربوا الوعي الثوري ويجهلون مغبة مغادرة الثوار لمقرات الاعتصام وما سيترتب عن ذلك من تمكين للدولة العميقة وأنصارها من وأد الثورة والتنكر لجهود الثوار والشهداء الذي ضحوا بدمائهم من أجل أن يحقق أبناء الوطن حلمهم في تأسيس دولة مدنية لا مكان فيها للقتلة والفاسدين الذين ساهموا في تسلط الإسلاميين على رقاب الشعب على مدى ثلاثة عقود.

لم يسقط النظام بعد طالما لا تزال السلطة بيد قادة الجيش الذين تآمروا مع الإسلاميين ضد الشعب

​​قد يرى البعض أنني أكتب من قمة برج عاجي بعيدا عن الواقع على الأرض والمعاناة اليومية لآلاف الثوار الذين يواجهون القمع والبطش بصدور عارية ويسهرون الليالي فيما أنام هانئا في بيتي ومع أفراد أسرتي، وقد يكونوا محقين في قولهم إلا أنني أرى أن مبادئي تحتم عليّ أن أكون أمينا مع نفسي فيما أكتب فإن وجد تجاوبا وترحيبا فبها ونعمة وإن جلب عليّ سخطا وقوبل بالرفض فإني أدرك أن إرضاء الجميع غاية لا تدرك.

وخلاصة القول، إن طريق التحرر من قيود الاستبداد طويل ومضن ومخاض التغيير والانعتاق أمر عسير جدا وإن دورة التجديد في المجتمعات لا تتم بين يوم وليلة وبحاجة إلى صبر وجلد وحكمة، فمن شاء فليصبر ومن شاء فليرتد على عقبيه لكنني أؤمن بأن الشعب السوداني أراد الحياة وليس أمام القدر سوى أن يستجيب. يا بني السودان، استمروا في اعتصامكم ونشر وعيكم الثوري وسيكون النصر حليفكم شاء من شاء وأبى من أبى.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يتساءل الدواعش بأي ذنب يقصفون!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مسلسل "الاختيار"
أحد ملصقات مسلسل "الاختيار" نقلا من حساب الشركة المنتجة على موقع تويتر | Source: Twitter

لم يبكني عمل درامي كما أبكاني المسلسل المصري "الاختيار". بصراحة، لم أكن أتخيل أن ينجح بهذا الشكل الملفت.

تساءل موقع BBC عربي، هل مسلسل الاختيار "ملحمة وطنيه" جديدة أم "دراما موجهة"؟ تقييم أي عمل درامي من هذا المنظور ثنائي الاستقطاب ليس هو الأسلوب الأمثل من وجهة نظري. المنطلق الأفضل للتقييم، هو دراسة تأثير العمل سواء بالسلب أو الإيجاب على المجتمع.

تأثير مسلسل "الاختيار" على المجتمع المصري، وبدون أي جدال، كان إيجابيا، وهذا هو سر نجاحه.

تعودنا أن تلجأ الأعمال الدرامية المصرية إلى تمجيد شخصية الحاكم، كأفلام "ناصر ٥٦" و "أيام السادات"، أو تقدم معالجات درامية من خيال مؤلفيها، كغالبية الأفلام المنتجة عن حرب أكتوبر 1973. أما مسلسل "الاختيار" فقد اختلف تماما عما قبله لعدة أسباب:

أولا؛ لأنه اختار أن يسلط الضوء، على قائد ميداني في القوات المسلحة، بدلا من زعيم أو عضو بارز في المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. سلط المسلسل الضوء على العقيد أحمد منسي، الذي يمثل بشخصيته ووطنيته ورجولته الآلاف من شباب مصر.

ثانيا، اعتماد المسلسل على وقائع وشهود عيان عن كل حادث إرهابي تناوله، مما زاد من مصداقية العمل.

ثالثا، مقارنة أحمد منسي، الذي دافع عن بلده في كمين البرث عام 2017، بضابط آخر ترك الجيش ليسلك طريق الإرهاب، وهو هشام عشماوي، مؤسس جماعة المرابطون، مما ساهم في توضيح الفكرة في ذهن المشاهد.

سلط المسلسل الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين

رسالة المسلسل، ببساطة، أن الإرهاب اختيار وهذا الاختيار هو خيانة للوطن، وأن معارضة الحاكم لا تبرر هذه الخيانة، التي لن تنجح مهما كانت الملابسات والنتائج.

هذه الرسالة مهمة وأساسية في المجتمع المصري، حيث فيه مصطلحات كالوطنية والخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن من الغموض والارتباك على مدى عقود.

ومنذ مقتل الرئيس أنور السادات، تضاءل الاهتمام بالجيش المصري تدريجيا في وجدان البعض وخصوصا بين الأجيال الشابة، التي اعتبرته مرحلة مؤقتة من التجنيد الإجباري. ثم ازداد التسفيه والسخرية من الجيش بعد خلع الرئيس حسني مبارك، بحيث أصبحنا نسمع تهكمات مثل " جيش المكرونة"، التي تسخر من مصانع الجيش الغذائية. وتعبيرات مثل "عبيد البيادة" التي تصور زي القوات المسلحة كرمز للعبودية والولاء للحاكم وليس الولاء للوطن.

فجاء المسلسل ليرد الاعتبار للشباب المصري الذي يدافع عن الوطن من خلال خدمته في القوات المسلحة. المسلسل أيضا دحض ادعاء أن الجيش المصري يدفع فقط بالمجندين للخدمة في سيناء، وأثبت أن خيرة رجاله يحاربون هناك ويقتلون دفاعا عن هذا الجزء من تراب الوطن.

بالإضافة أن المسلسل سلط الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين.

فغالبية البيانات الرسمي للجيش والداخلية المصريين مقتضبة وقصيرة لأسباب أمنية، مما أتاح الفرصة للجماعات الإرهابية، لنشر العديد من المغالطات عن أداء الجيش المصري في سيناء. هذه المغالطات استغلها البعض لاتهام الجيش بالتقصير وعدم المقدرة على مواجهة "شوية عيال يلبسون شباشب".

فجاء المسلسل ليصور الواقع المعقد في سيناء والحدود الغربية مع ليبيا، وتحديات مواجهة الجماعات الإرهابية والأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، والصلة المباشرة بين المهربين والإرهابيين.

من ناحية أخرى، انتقد البعض، وأنا منهم، جرعة التدين الزائدة في المسلسل، وكما غرد الكاتب إبراهيم عيسى: "محاربة الإرهابيين ليست بالمزايدة عليهم في التدين والتنافس معهم في التشدد، المعركة بين وطن وجماعات إرهابية. وليست أبدا معركة متدينين حلوين في مواجهة متدينين وحشين".

إلا أن المسلسل استطاع أن يتخطى هذا الجدل في مشهدين مهمين. المشهد الأول، حين قال أحد الإرهابيين (أبو سعد): "ده حتى الطواغيت بيصلوا ويصوموا" وهو اعتراف واضح أن الجماعات الإرهابية تحارب من أجل أهداف سياسية، وليست لنصرة الدين، كما تدعي. فحتى لو كان الجيش المصري كله من حفظة القرآن الكريم، فسيظل الإرهابيين ينظرون له كجيش "الطواغيت" لأن الجيش المصري لا يدين بالولاء لأمرائهم وخلفائهم المزعومين.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية

المشهد الثاني، حين استضاف المسلسل في حلقته الأخيرة عساكر أقباط (حكما بأسمائهم) ممن حاربوا الإرهابيين وكيف كانوا فريقا واحدا مع رفقائهم في السلاح المسلمين، حيث لا فرق بينهم وهم يحاربون سويا دفاعا عن الوطن، وبهذا أوضح أن الدين ليس هو المعيار الوحيد للوطنية، وأن الجيش المصري ليس جيشا طائفيا كما يحدث في بلاد أخرى في المنطقة.

أثار دفاع المسلسل عن ابن تيمية، وتصوير الجماعات التكفيرية على أنها أخرجت "أفكاره من سياقها التاريخي"، الكثير من الانتقادات اللاذعة. ولكن رب ضارة نافعة.

فقد حفز المسلسل كثيرون للبحث أكثر عن مفهوم الإصلاح الديني ومقارنة فكر ابن تيمية بأفكار آخرين مثل فرج فودة. بسبب مسلسل "الاختيار" أصبح التطرف الديني غير مقبول به مجتمعيا. حتى موقع الجزيرة، أجبر على حذف مقال يدافع عن هشام عشماوي.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية. فجاء المسلسل ليضرب هذا المفهوم ضربة قاتلة ويعيد للشعب المصري ثقته بجيشه واحترامه لكل شاب يدافع عن بلده.

كما فكك المسلسل الكثير من الألغام الفكرية والاجتماعية التي زرعتها جماعات الإسلام السياسي في مصر، وضبط إيقاع المجتمع وأعاد ثقته بنفسه وبصلابة ووطنية أبنائه، في وقت تواجه فيه مصر الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، ولهذا نجح نجاحا مدويا، رغم أنف الكارهين.