من تظاهرات السودانيين
 من تظاهرات السودانيين

عمران سلمان/

"الكيزان" ومفردها "كوز" صفة يطلقها أهل السودان تهكما على المنتمين إلى الحركة الإسلامية - وتشمل الإخوان المسلمين وغيرهم من أتباع الإسلام السياسي -  والتي كان يتزعمها حسن الترابي على مدى نصف قرن تقريبا، واتخذت لها أسماء مختلفة مثل "جبهة الميثاق الإسلامية" و"الجبهة الإسلامية القومية" و"المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي" وأخيرا "المؤتمر الشعبي".

ما بنبدل كوز بكوز

 والكوز في اللغة – بحسب المعاجم – هو إناءٌ بعُرْوة من فخّار أو غيره له أذن يشرب فيه أو يُصَبُّ منه. وقد أطلق على الإسلاميين السودانيين صفة الكوز لأنهم كانوا يرددون مقولة "الدين بحر ونحن كيزانه"، بحسب بعض الروايات. وفي رواية أخرى فإن من أطلق عليهم هذه التسمية هم أنصار نميري أيام خلافهم مع الإسلاميين، حيث شبهوهم بكوز اللوري (أو الشاحنة) المصنوع من الألمنيوم والذي يصدر أصواتا عالية للفت انتباه سكان القرى بأن اللوري قادم.  وذلك في دلالة على الضوضاء الفارغة.

وكان من الطبيعي أن يتردد هذا المصطلح في الثورة السودانية الحالية لأنها بالأساس ثورة جاءت لاقتلاع "الكيزان" وأصنامهم التي نصبوها منذ انقلاب عام 1989 والذي نفذه جناحهم العسكري في القوات المسلحة بقيادة عمر البشير وباركه الترابي حينها وباقي قيادات الحركة الإسلامية.

والعديد من قادة الجيش السوداني اليوم هم من الكيزان، بعد أن كانوا ضباطا برتب صغيرة وقت الانقلاب ووجدوا طريقهم للصعود، بعد حملة واسعة من الإعدامات والتسريحات والإحالة على التقاعد التي شهدها الجيش بحق من هم غير موالين للحركة الإسلامية.

تدمير ممنهج

لا يمكن لأحد من العرب أن يشعر بحجم الدمار الذي أحدثته هذه الحركة في السودان، وخاصة على النسيج الاجتماعي للبلاد، مثل السودانيين أنفسهم، مهما بولغ في السرد والشرح.

فقد تحالفوا في البداية مع جعفر نميري في أواخر سنوات حكمه، وشجعوه على تبني قوانين سبتمبر الإسلامية سيئة الصيت عام 1983، والتي نفذت بموجبها عمليات قطع الأيدي والأرجل وغيرها من الممارسات الوحشية، وأدت عمليا في نهاية المطاف إلى انفصال الجنوب.

وعندما أطيح بنميري في ثورة شعبية بعد ذلك بسنتين، انحسر نفوذ الإسلاميين، ليعودوا من جديد على ظهر الدبابة عبر انقلاب البشير.

وخلال عقد التسعينات استقبل الترابي والبشير وقيادات الحركة الإسلامية زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في الخرطوم بعد طرده من السعودية، كما شرعوا أبواب البلاد لكافة المنتمين إلى حركات الإسلام السياسي في المنطقة والعالم من جماعات وشخصيات، بعضهم مصنف على قوائم الإرهاب العالمية.

وقادوا الحرب في الجنوب تحت راية الجهاد ضد المسيحيين والأرواحيين والتي أودت بحياة مئات الآلاف من السودانيين. كما قادوا حملة التطهير العرقي وحملة الإبادة في إقليم دارفور والتي تسببت بخراب واسع ومآسي لا حصر لها لسكان دارفور.

مكر العسكر وأطماع السياسيين

وخلال سنوات حكمهم التي امتدت 30 عاما طبقوا قوانين "الشريعة الإسلامية" المنافية للمنطق والعصر، واضطهدوا المعارضين ودمروا مؤسسات المجتمع المدني ومارسوا الفساد وتفننوا في ابتزاز السودانيين في لقمة عيشهم، بأشكال مختلفة من الضرائب والرسوم، كما شهد السودان خلال تلك السنوات موجة هجرة غير مسبوقة للخارج.  

وأدت سياساتهم على مستوى الأقاليم والمناطق السودانية المختلفة إلى إذكان نيران الصراعات المسلحة، خاصة في المناطق البعيدة عن المركز والتي عانت طوال سنوات عديدة من التهميش والإقصاء. ولا تزال بعض تلك الصراعات قائمة حتى اليوم.

ما ذكر في المقال أعلاه هو غيض من فيض الجرائم التي ارتكبها "الكيزان" بحق السودان وأهله، وقد آن الأوان لتفكيك النظام الشمولي الذي أسسه هؤلاء بصورة كاملة والتخلص من إرثه الثقيل نهائيا. 

بالتأكيد سوف يتعين على السودانيين أن يصلحوا ما أفسده الكيزان، لكن ذلك سوف يستغرق وقتا ليس قصيرا، وأية حكومة مدنية وديمقراطية سوف تستلم الحكم ستحتار من أين تبدأ، فهي ترث بلدا جرى إفقاره وإضعافه بصورة منظمة. بيد أن المهمة الأساسية هي ضمان عدم عودة الجيش من جديد إلى السلطة، فليس هناك ما يمنعه من الانقلاب مجددا. وتاريخ السودان الحديث حافل بمكر العسكر وأطماع السياسيين.  

نبوءة الأستاذ محمود

وأختم هذه المقال بنبوءة كان قد تفضل بها الأستاذ محمود محمد طه زعيم الحركة الجمهورية الذي أعدمه ظلما وعدوانا نظام نميري وبتشجيع من الترابي عام 1985:

"من الأفضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني. وسوف تكون تجربة مفيدة للغاية. إذ أنها بلا شك ستبين مدى زيف شعارات هذه الجماعة. وسوف تسيطر هذه الجماعة على السودان سياسيا واقتصاديا حتى ولو بالوسائل العسكرية. وسوف يذيقون الشعب الأمرين. وسوف يدخلون البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل. وسوف تنتهي فيما بينهم وسوف يقتلعون من أرض السودان اقتلاعا".

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

(FILES) In this file photo taken on April 19, 2020, an Egyptian doctor wearing two protective masks checks a patient's lung X…

أزعجني بشدة ما قرأته في صحيفة الدستور من اتهام للدكتورة نانسي النفيلي بالانضمام لجماعة إرهابية. د. نانسي هي حماة الدكتور وليد يحيى، الذي توفي بسبب إصابته بفيروس كورونا منذ أيام. وقد جاء الاتهام على خلفية تعليق كتبته على موقع فيسبوك معبرة عن غضبها من التقصير في علاجه وفي توافر أدوات الوقاية الشخصية في المستشفيات.

فقد كتبت "كلكم قصرتم كلكم قتلتموه. وليد جوز بنتي كان شاب زي الفل، أب لطفل عمره خمس شهور نازل شغله الأحد اللي فات فيندفن النهاردة (الاثنين 25 مايو 2020).. أبسط وسائل حماية الطبيب في المستشفى ترمومتر زي اللي موجود في المطارات... والله سخن ما يشتغلش... مين اللي هيطلع يعمل تلاتين حلقة ويصرف مليارات على دور وليد والجيش الأبيض. أقسم بالله لاختصمنكم يوم القيامة أنا وحفيدي اللي يتمتوه".

وقد أصيب الدكتور وليد بالمرض أثناء عمله في مستشفى المنيرة بالقاهرة وتدهورت حالته سريعا قبل أن يتوفاه الله. ومن العجيب أن صحيفة الدستور قد اعتبرت هذا التعليق البسيط والعادي بمثابة وثيقة إدانة لتهمة في منتهى الخطورة، على حد وصف عنوان المقال والذي جاء فيه: "وثيقة تكشف انتماء نانسي النفيلي حماة الطبيب المتوفي لـ "الإرهابية"

والحقيقة أن المقال لا يفتقر فقط إلى الحد الأدنى من مهنية الصحافة من تدقيق للمعلومات وعدم قذف الناس بتهم باطلة، ولكنه لم يراع حتى أبسط قواعد الذوق والإنسانية، حيث قام بالهجوم على إنسانة تمر بحالة نفسية قاسية نتيجة لصدمتها في وفاة زوج ابنتها الشاب الثلاثيني، فضلا عن حالتها الصحية المتأزمة بسبب إصابتها هي شخصيا بفيروس كورونا.

التعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء

للأسف هذا المقال لم يكن الوحيد الذي هاجم الذين تحدثوا عن نقص الإمكانيات المتاحة للأطقم الطبية في مواجهة الوباء. فيبدو أن نغمة تخوين المعارضين لسياسات التعامل مع كورونا تتزايد بوضوح في الأيام الأخيرة. فالرسالة واضحة، عليك أن تمدح كل ما يحدث، وإلا فأنت خائن وعميل!

البعض اتهم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العام لحركة أطباء بلا حقوق، بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين بسبب فيديو لها على موقع فيسبوك، طالبت فيه بتوفير أدوات الوقاية الشخصية اللازمة لحماية الأطباء مثل الكمامات الوقائية، وتعديل بروتوكول إجراء تحاليل كورونا للأطقم الطبية، وسط مطالب أخرى للأطباء لمواجهة الأزمة.

ورغم عدم معقولية الاتهام وعبثيته خصوصا وأن مينا مسيحية الديانة، إلا أن البعض قرر أن يتجاهل الحد الأدنى من المنطق في الحوار. ويتفرغ للهجوم على المعترضين واستهداف شخوصهم والتشهير بهم باعتبارهم خونة يتركون ساحة المعركة ويهربون. فقد قام أحد المحامين بتقديم بلاغ ضدها وكتب في نصه: "اختارت أن تحبط جيش مصر الأبيض من خلال الهجوم عليهم وعلى القطاع الصحي في مصر من خلال القنوات المعادية للدولة المصرية".

البروتوكول الحالي يشترط شرطين لإجراء التحليل، وهما ظهور الأعراض ومخالطة حالة إيجابية. وحيث أنه من الممكن أن يكون الشخص حاملا للفيروس ولا تظهر عليه الأعراض على الإطلاق أو تظهر عليه بعد عدة أيام. فقد يؤدي ذلك إلى عدم اكتشاف الحالات المصابة أو على الأقل التأخر في اكتشافها، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من الانتشار للمرض، خصوصا لو كان حامل المرض طبيبا يتعامل مع العشرات أو المئات يوميا.

وربما يفسر نقص عدد الاختبارات والعقبات العديدة لإجرائها ارتفاع نسبة الوفيات في مصر، التي تزيد عن 4 في المة من إجمالي عدد المصابين، بحسب الأرقام الرسمية. فالاكتشاف المُتأخر للمرض يؤدي إلى فرص أقل في التعافي وبالتالي زيادة الوفيات. فضلا عن أن الأرقام المعلنة للإصابات والوفيات هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية نظرا لسياسة تحجيم إجراء الاختبارات، فمصر أجرت حتى الآن 135 ألف اختبار في بلد يزيد سكانه عن المئة مليون، بمعدل 1322 اختبار لكل مليون مواطن وهو معدل ضئيل جدا.

يستحق الأطباء منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب

والحقيقة أن آخر ما تحتاجه مصر في ظل وباء شرس يهدد حياة الجميع سواء من كان معارضا للنظام أو مؤيدا له هو تحويل نقاش حول نقص الإمكانيات الطبية وسياسات التعامل مع كورونا إلى نقاش حول الوطنية والخيانة والاتهامات بالانضمام للجماعات الإرهابية. فنحن نتعامل مع فيروس يمكن أن يصيب ويقتل دون تفرقة، والتعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء.

فحتى كتابة هذا المقال توفى أكثر من 20 طبيبا بسبب فيروس كورونا وأصيب أكثر من 350 بحسب الأرقام المعلنة، فضلا عن الإصابات والوفيات وسط الأطقم الطبية من تمريض وإداريين وفنيين وعمال، الذين كثيرا ما يتم تجاهلهم وتجاهل دورهم.

كل فرد من هؤلاء لديه أهل وأصدقاء، يذهب كل يوم إلى عمله وهو يعرف أنه قد يُصاب بمرض لم يجد له العلم علاجا بعد، ويدرك أنه قد يتسبب أيضا في عدوى أو حتى وفاة أقرب الناس لقلبه، لا قدر الله، عندما يعود إلى منزله.

هؤلاء بكل ما يقدمونه من تضحيات ومخاطرة بحياتهم يستحقون منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب. فحتى لو كنت لا تقبل هذه الفكرة من منطلق العرفان بالجميل، فلتتقبلها من منطلق المصلحة الشخصية، فلو سقط هؤلاء سنهلك جميعا، فهم حائط الصد الأخير بيننا وبين الانتشار الواسع للوباء.