بغداد-العراق
العاصمة العراقية بغداد

مشرق عباس /

ليس مفاجئاً في العراق أن تسعى طبقة سياسية وبرلمانية نتجت عن انتخابات حاصرتها الشكوك وطعنت بها المقاطعة الشعبية غير المسبوقة، إلى محاولة تكريس وجودها في قلب الدولة ربما لعقود مقبلة، عبر تأصيل مئات المناصب الاساسية في المؤسسات المدنية والعسكرية التي يتم الحراك في الغرف المغلقة لتوزيعها بطريقة "قسمة الغرماء" على أحزاب فشلت في تحقيق إنجاز تشريعي مثمر، وعجزت حتى عن إكمال الكابينة الحكومية.

يجري ذلك تحت سقف الاستحقاق الدستوري بضرورة التصويت البرلماني على المناصب الخاصة في الدولة (نحو 400 منصب) ونقلها من نظام التعيين بالوكالة الذي ساد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية إلى الانتخاب عبر البرلمان، وهو الأمر الذي تشير التقارير والتسريبات الإعلامية إلى أنه يأتي في نطاق استكمال ما يسمى صفقة "سائرون – الفتح" التي شكلت حكومة عبد المهدي الحالية، وأثارت ومازالت الأسئلة حول طبيعتها وحدودها.

واختصاراً فإن انقسام الطبقة السياسية إلى كتلتين رئيستين هما "الإصلاح" و"البناء" كان قد تحول من كونه خطوة متفائلة لتجاوز نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، إلى إعادة إنتاج للمحاصصة نفسها عبر تشكيل حكومة من دون ائتلاف حزبي أو كتلة أكبر واضحة، وراعية، تتحمل المسؤولية، كما هو مفترض، وجرى الحديث عن اتفاق جانبي بين جهتين هما "سائرون" عن "ائتلاف الإصلاح" و"الفتح" عن "ائتلاف البناء"، وفجأة صار ممكناً الحديث عن اتفاق شامل ليس معروفاً ماهي حدوده ولا طبيعته وإذا كان يشمل الائتلافين معاً بما يسمح بإطلاق وصف " ائتلاف حكومة وحدة وطنية" أم أنه يشمل "سائرون" و"الفتح" فقط، ما يعني عملياً تشكيل ائتلاف ثالث مختلف تماماً وغير معلن.

لم يتم الأمر كما حلم المتفائلون بإمكان التخفيف من طعون مقاطعة الانتخابات، والخلاف حول موضوع الكتلة الأكبر، بل تم وفق صيغة غامضة سمحت كما يبدو أن تركز القوى السياسية جهودها في هذه المرحلة على الحصول على العدد الأكبر من مناصب الدولة، وتحويل هذه المناصب إلى سفينة إنقاذ لأحزاب تقاوم للبقاء وسط رفض شعبي متواصل.

لا يتعلق السؤال بتطبيق السياق الدستوري الذي يشترط منح الشرعية البرلمانية لمناصب الدولة الأساسية أو ما يطلق عليها "الدرجات الخاصة" ، والتي اتـُّهـِم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بتوزيعها بالوكالة على أعضاء حزبه (الدعوة) أو المقربين منه بمحاولة إنتاج "الدولة العميقة"، بل إن السؤال الأساسي مفاده :"هل تمتلك القوى الحالية الحق بمحاولة إبدال دولة الوكالة العميقة، بدولة أصالة أكثر عمقاً؟!".

واذا كان من الممكن بعد انتخابات العام 2022، التي يأمل الجميع أن تكون أكثر نزاهة ومشاركة وتعبر بالفعل عن توجهات الشارع العراقي، إعداد خريطة مهنية بالمناصب الأساسية للدولة، فإن تلك المهمة ستكون شبه مستحيلة في ظل تأصيل نظام المحاصصة بالطريقة التي تجري في الكواليس اليوم.

بعد عام تماماً من الجدل والاعتراضات والشكوك بنزاهة الانتخابات العراقية التي جرت في أيار/مايو 2018 وشهدت أكبر نسب مقاطعة شعبية منذ 2003، تكشف وثائق المحكمة الاتحادية العراقية أن 12 نائباً برلمانياً قد يتعرضون لنزع عضويتهم بقرارات قضائية، بعد الكشف عن خلل في نظام احتساب الأصوات!، فيما يصبح الإنجاز الأبرز للبرلمان الذي لم يكمل تشكيل لجانه حتى الآن قرارا مثيرا للجدل بحظر لعبة "بوبجي"!

إن الاعتراض الذي يسجل في هذه القضية، يخص العشرات من قوانين تأسيس الدولة غير المكتملة، والتي نشهد مساع للقفز عليها من أجل حصول الأحزاب الحالية على أكبر حصة من المناصب المدنية والعسكرية.

سيضطر صوت المصلحة العراقية العليا، للقبول بصفقة محاصصة مؤقتة لتوزيع تلك المناصب بالوكالة مع أفق مفتوح لتغييرها مع اكتمال بنية الدولة، على منح الأصالة لنظام المحاصصة الطامح للشرعية الدائمة، والنفخ في صدور أحزاب تعرف قبل غيرها أن الزمن لا يسير لصالحها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

(FILES) In this file photo taken on April 19, 2020, an Egyptian doctor wearing two protective masks checks a patient's lung X…

أزعجني بشدة ما قرأته في صحيفة الدستور من اتهام للدكتورة نانسي النفيلي بالانضمام لجماعة إرهابية. د. نانسي هي حماة الدكتور وليد يحيى، الذي توفي بسبب إصابته بفيروس كورونا منذ أيام. وقد جاء الاتهام على خلفية تعليق كتبته على موقع فيسبوك معبرة عن غضبها من التقصير في علاجه وفي توافر أدوات الوقاية الشخصية في المستشفيات.

فقد كتبت "كلكم قصرتم كلكم قتلتموه. وليد جوز بنتي كان شاب زي الفل، أب لطفل عمره خمس شهور نازل شغله الأحد اللي فات فيندفن النهاردة (الاثنين 25 مايو 2020).. أبسط وسائل حماية الطبيب في المستشفى ترمومتر زي اللي موجود في المطارات... والله سخن ما يشتغلش... مين اللي هيطلع يعمل تلاتين حلقة ويصرف مليارات على دور وليد والجيش الأبيض. أقسم بالله لاختصمنكم يوم القيامة أنا وحفيدي اللي يتمتوه".

وقد أصيب الدكتور وليد بالمرض أثناء عمله في مستشفى المنيرة بالقاهرة وتدهورت حالته سريعا قبل أن يتوفاه الله. ومن العجيب أن صحيفة الدستور قد اعتبرت هذا التعليق البسيط والعادي بمثابة وثيقة إدانة لتهمة في منتهى الخطورة، على حد وصف عنوان المقال والذي جاء فيه: "وثيقة تكشف انتماء نانسي النفيلي حماة الطبيب المتوفي لـ "الإرهابية"

والحقيقة أن المقال لا يفتقر فقط إلى الحد الأدنى من مهنية الصحافة من تدقيق للمعلومات وعدم قذف الناس بتهم باطلة، ولكنه لم يراع حتى أبسط قواعد الذوق والإنسانية، حيث قام بالهجوم على إنسانة تمر بحالة نفسية قاسية نتيجة لصدمتها في وفاة زوج ابنتها الشاب الثلاثيني، فضلا عن حالتها الصحية المتأزمة بسبب إصابتها هي شخصيا بفيروس كورونا.

التعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء

للأسف هذا المقال لم يكن الوحيد الذي هاجم الذين تحدثوا عن نقص الإمكانيات المتاحة للأطقم الطبية في مواجهة الوباء. فيبدو أن نغمة تخوين المعارضين لسياسات التعامل مع كورونا تتزايد بوضوح في الأيام الأخيرة. فالرسالة واضحة، عليك أن تمدح كل ما يحدث، وإلا فأنت خائن وعميل!

البعض اتهم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العام لحركة أطباء بلا حقوق، بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين بسبب فيديو لها على موقع فيسبوك، طالبت فيه بتوفير أدوات الوقاية الشخصية اللازمة لحماية الأطباء مثل الكمامات الوقائية، وتعديل بروتوكول إجراء تحاليل كورونا للأطقم الطبية، وسط مطالب أخرى للأطباء لمواجهة الأزمة.

ورغم عدم معقولية الاتهام وعبثيته خصوصا وأن مينا مسيحية الديانة، إلا أن البعض قرر أن يتجاهل الحد الأدنى من المنطق في الحوار. ويتفرغ للهجوم على المعترضين واستهداف شخوصهم والتشهير بهم باعتبارهم خونة يتركون ساحة المعركة ويهربون. فقد قام أحد المحامين بتقديم بلاغ ضدها وكتب في نصه: "اختارت أن تحبط جيش مصر الأبيض من خلال الهجوم عليهم وعلى القطاع الصحي في مصر من خلال القنوات المعادية للدولة المصرية".

البروتوكول الحالي يشترط شرطين لإجراء التحليل، وهما ظهور الأعراض ومخالطة حالة إيجابية. وحيث أنه من الممكن أن يكون الشخص حاملا للفيروس ولا تظهر عليه الأعراض على الإطلاق أو تظهر عليه بعد عدة أيام. فقد يؤدي ذلك إلى عدم اكتشاف الحالات المصابة أو على الأقل التأخر في اكتشافها، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من الانتشار للمرض، خصوصا لو كان حامل المرض طبيبا يتعامل مع العشرات أو المئات يوميا.

وربما يفسر نقص عدد الاختبارات والعقبات العديدة لإجرائها ارتفاع نسبة الوفيات في مصر، التي تزيد عن 4 في المة من إجمالي عدد المصابين، بحسب الأرقام الرسمية. فالاكتشاف المُتأخر للمرض يؤدي إلى فرص أقل في التعافي وبالتالي زيادة الوفيات. فضلا عن أن الأرقام المعلنة للإصابات والوفيات هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية نظرا لسياسة تحجيم إجراء الاختبارات، فمصر أجرت حتى الآن 135 ألف اختبار في بلد يزيد سكانه عن المئة مليون، بمعدل 1322 اختبار لكل مليون مواطن وهو معدل ضئيل جدا.

يستحق الأطباء منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب

والحقيقة أن آخر ما تحتاجه مصر في ظل وباء شرس يهدد حياة الجميع سواء من كان معارضا للنظام أو مؤيدا له هو تحويل نقاش حول نقص الإمكانيات الطبية وسياسات التعامل مع كورونا إلى نقاش حول الوطنية والخيانة والاتهامات بالانضمام للجماعات الإرهابية. فنحن نتعامل مع فيروس يمكن أن يصيب ويقتل دون تفرقة، والتعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء.

فحتى كتابة هذا المقال توفى أكثر من 20 طبيبا بسبب فيروس كورونا وأصيب أكثر من 350 بحسب الأرقام المعلنة، فضلا عن الإصابات والوفيات وسط الأطقم الطبية من تمريض وإداريين وفنيين وعمال، الذين كثيرا ما يتم تجاهلهم وتجاهل دورهم.

كل فرد من هؤلاء لديه أهل وأصدقاء، يذهب كل يوم إلى عمله وهو يعرف أنه قد يُصاب بمرض لم يجد له العلم علاجا بعد، ويدرك أنه قد يتسبب أيضا في عدوى أو حتى وفاة أقرب الناس لقلبه، لا قدر الله، عندما يعود إلى منزله.

هؤلاء بكل ما يقدمونه من تضحيات ومخاطرة بحياتهم يستحقون منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب. فحتى لو كنت لا تقبل هذه الفكرة من منطلق العرفان بالجميل، فلتتقبلها من منطلق المصلحة الشخصية، فلو سقط هؤلاء سنهلك جميعا، فهم حائط الصد الأخير بيننا وبين الانتشار الواسع للوباء.