متظاهرون في العاصمة الأوكرانية يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين عام 2014 خلال التظاهرات المعارضة للحكومة في ذلك الوقت والتي كانت مدعومة من روسيا
متظاهرون في العاصمة الأوكرانية يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين عام 2014 خلال التظاهرات المعارضة للحكومة في ذلك الوقت والتي كانت مدعومة من روسيا

مصطفى فحص/

شكلت الأزمة الأوكرانية نقطة تحول في إعادة تشكيل الوعي الوطني الروسي على قاعدة عداء الغرب المستمر للأمة الروسية، نتيجة رفض النخب السياسية والعسكرية والثقافية الغربية وضع نهاية واقعية للحرب الباردة وإصرارهم على التعامل مع الروس كمهزومين، حيث يحق للمنتصر ممارسة استراتيجية توسع ونفوذ من بوابة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، كما تقول الرواية الروسية.

وترى أن "الناتو" سعى إلى التمدد شرقا وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي، والذي تفسره القيادة الروسية بأنه ذريعة لاستمرار الحرب البادرة. لذلك أجرت القيادة الروسية سنة 2014 تغييرات جوهرية في بنية العقيدة العسكرية الروسية التي تخلت نهائيا عن فكرة الشراكة أو التعاون مع الغرب، واتجهت نحو اعتبار حلف الناتو والولايات المتحدة العدو الأول الذي يسعى إلى تهديد وحدة الأراضي الروسية، وبأن تحركهما في الجوار الروسي من أهم الأخطار الخارجية.

بوتين لم يتخل عن سياسة حافة للهاوية والتهديد المباشر

​​ففي اللحظة التي كانت القيادة الروسية تراهن فيها على تعثر مشروع التكامل الأوروبي وصعود اليمين القومي وانكفاء الولايات المتحدة، جاءت الصدمة الأوكرانية التي تسببت بخسارة روسيا لمشروع الأوروآسيوية الذي تم تبنيه كعقيدة توسعية يعيد لها الاعتبار كدولة كبرى، ما أدى إلى رد سريع عبر احتلال القرم وضمها إلى الأراضي الروسية ووضع هذه الخطة في إطار استراتيجية الضغط المستمر على أوروبا.

في هذا الصدد يقول عميد الاقتصاد الدولي والشؤون الخارجية بالجامعة الوطنية للبحوث بموسكو، والرئيس الفخري للمجلس الروسي للسياسة الخارجية والدفاع سرغي كاراغانوف إنه "ينبغي على روسيا أن تدافع عن مصالحها بقبضة من حديد ولكن الضغط ينبغي أن يكون سياسيا واقتصاديا أكثر منه عسكريا". إلا أن كاراغنوف يرفض اعتبار ما يجري من توترات في العلاقة بين واشنطن وموسكو وانسحابهما من الاتفاقية النووية المتوسطة يرقى إلى استئناف للحرب الباردة، وبالنسبة إليه إن "هذه المواجهة تتطلب توفر المكون الأيديولوجي الذي يغيب تماما على الجانب الروسي. والواقع أيضا أن روسيا ليست لديها النية لشن حرب باردة أخرى".

عمليا إن الوضع الاقتصادي والمالي لروسيا وانخفاض أسعار الطاقة والعقوبات الأميركية والأوروبية لا يسمح لموسكو بإطلاق العنان للمجموعة الصناعية العسكرية المرتبطة بمراكز صنع القرار الروسي في العودة إلى سباق تسلح جديد، لكن ردة فعل موسكو على قرار واشنطن الانسحاب من اتفاقية الحد من الصواريخ النووية المتوسطة فتح الباب أمام أزمة صواريخ جديدة بينهما أشبه بأزمة الصواريخ الكوبية، إلا أن الرئيس الروسي فلادمير بوتين اعتبر أن القرار الأميركي أدى إلى تدهور في العلاقات بين البلدين لكن ليس بمستوى ما حصل في أزمة خليج الخنازير سنة 1962، وأضاف أن "التوتر ليس سببا لتصعيد المواجهة إلى مستويات أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات، ونحن لا نريد ذلك على أي حال".

لكن بوتين لم يتخل عن سياسة حافة للهاوية والتهديد المباشر عندما كشف أن روسيا قد تنشر صواريخ سرعتها تفوق سرعة الصوت خمس مرات أو أكثر على متن سفن وغواصات يمكنها البقاء خارج المياه الإقليمية للولايات المتحدة إذا تحركت واشنطن الآن لنشر أسلحة نووية متوسطة المدى في أوروبا.

تعمدت واشنطن في اللحظة التي اعتقدت فيها موسكو أنها في أوج قوتها باستدراجها إلى المنافسة الخشنة

​​من جهته دعا الأمين العام لحلف "الناتو"، ينس ستولتنبرغ، بعد اجتماعه الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي للحلف، بسبب وجود تهديدات متفاقمة في العالم المحيط، مبررا ذلك أنه "لم يكن ممكنا إيقاف أدولف هتلر ولا جوزيف ستالين عن طريق الاحتجاجات السلمية أو الحوار".

ويأتي هذا التصعيد بعد اتهامات متبادلة بينهما بتقويض الاتفاقية، فقد اعتبرت موسكو نشر منصات صاروخية أميركية في أوروبا يمكن تعديلها بسهولة يشكل انتهاكا واضحا للمعاهدة، فيما اتهمت واشنطن موسكو في القيام بإنتاج جيل جديد من الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية من طراز "M7299" يخل بشروط المعاهدة.

تريد روسيا العودة إلى الساحة الدولية، وحماية نفوذها وموقعها، واستعادة بعضا من مجدها السوفياتي وفرض التعامل معها كدولة عظمى وليس كدولة تملك وظيفة كبرى منحتها إياها عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، يقابلها ميل أميركي متصاعد نحو ممارسة أحادية قطبية يفرضها الاستثناء الأميركي المسكون بعقل القوة المهيمنة التي تعتقد أنه يعفيها من الالتزام بالمعاهدات الدولية، وقد تعمدت واشنطن في اللحظة التي اعتقدت فيها موسكو أنها في أوج قوتها باستدراجها إلى المنافسة الخشنة حيث تملك (واشنطن) ترسانة اقتصادية وسياسية تسمح لها بتكرار انتصارها في حرب باردة جديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: من صفقة البرتقال إلى صفقة الرفات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟