صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه
صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه

عريب الرنتاوي/

ما إن اندلعت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة وكل من دول الرباعي العربي (مصر، السعودية، الإمارات والبحرين) من جهة ثانية، حتى تحولت دول الأزمات المفتوحة في العالم العربي إلى ساحات جديدة لحروب وكالة من نوع جديد، تدور رحاها هذه المرة بين حلفاء الغرب والولايات المتحدة، بعد أن ظل هذا النوع من الصراعات مرتبطا بتلك الدول والمجتمعات التي تحظى فيها إيران بنوع خاص من النفوذ كسوريا والعراق واليمن.

ونبدأ باليمن، حيث نشطت قطر في إطار التحالف العربي بقيادة السعودية في بدايات تشكيله، وأرسلت ما يقرب من الألف جندي للمرابطة على الحدود السعودية اليمنية، قبل أن تسارع إلى سحب قواتها والانسحاب من التحالف، بل والبدء بتلقي الاتهامات عن دعمها "السرّي" لجماعة الحوثي، حتى وهي تدعي القتال ضدهم في إطار التحالف.

اليوم، ثمة ما يكفي من المعطيات الدالة على تموضع قطري جديد، أقرب إلى موقع سلطنة عمان، إن في علاقتها مع الحوثيين، أو في دعمها لبعض قبائل المهرة المناهضة للوجودين السعودي والإماراتي في المحافظة الحدودية مع عمان، وانتهاء بالعلاقة النشطة مع التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)، ومحاولاتها إبعاده عن التحالف (وربما تقريبه من الحوثي)، مع كل ما ترتب أو يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات ميدانية على حرب السنوات الخمس في هذا البلد المنكوب وعليه.

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها

​​ليبيا تنهض شاهدا على حرب الوكالة بين الغرب ودوله وحلفائه. هنا بخلاف اليمن، لا دور لإيران وحلفائها على الإطلاق. هنا تحضر تركيا، عضو الناتو وحليفة قطر، بوصفها لاعبا له تأثير. هنا يتحرك الرباعي العربي الذي يحاصر قطر، دعما للجنرال خليفة حفتر، فيما تكثّف الدوحة وأنقرة من دعمهما لحكومة الوفاق وطرابلس والغرب الليبي. هنا تُخترق القرارات الأممية دون ضجيج، فيستمر إرسال السلاح والمرتزقة و"المجاهدين" إلى هذه البلاد، بأقل قدر من "التغطية الإعلامية". هنا، يجد الموفد الأممي غسان سلامة نفسه في ذات المكان الذي وجد ستيفان ديمستورا نفسه فيه من قبل، وفي نفس الموقع الذي يجد مارتن غريفيث نفسه فيه اليوم، مع فارق رئيس واحد: في سوريا واليمن، كان من السهل إلقاء اللائمة والتبعية على إيران وحلفائها. هنا جُرْح الغرب في كفّه، فالمتقاتلون هم بيادق بيد دول حليفة للغرب، والصراع الفرنسي الإيطالي في ليبيا وعليها، يجعل الدبلوماسية والإعلام الدوليين، معطلين عن الحركة والحراك. هنا سيتعين على الشعب الليبي أن يدفع الأثمان الباهظة للصراع على بلده بموقعه وثرواته، من دون أن يأمل بحل سريع لأزماته، أو بمرحلة انتقال أكثر يسرا وسلاسة، أو بعدالة انتقالية لا يفلت منها مقترفو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أياً كان الفريق الذي ينتمون إليه.

ومن ليبيا إلى السودان، الذي يشهد واحدة من أكثر ثوراته الشعبية السلمية ندرة في تاريخه. "الأخوة الأعداء" لا يطيقون صبرا ولا ينتظرون طويلا. صراع على "مرحلة الانتقال" بأهدافها و"رموزها".. بعد أشهر من المماطلة والتسويف، عملت فيها أطراف عديدة على "تعويم" عمر حسن البشير، الرجل الذي نجح في الرقص على مختلف حبال المحاور الإقليمية المشدودة، فأعطى هذه المحاور بعض أو كثير مما تريده.

أعطى السعودية والإمارات جيشا في اليمن لقتال أذرع إيران في "عاصفة الحزم".. وأعطى تركيا، غريمة الدولتين الخليجيتين الحليفتين جزيرة "سواكن" لتسكن إليها.. انفتح على قطر، وأدار علاقة طبيعية نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتطوع لقيادة وساطة بين دول الرباعي العربي ودمشق.. كل هذه الحركة "البهلوانية" لم تنفع البشير، ولم تغفر له، عندما خرج شعبه عن بكرة أبيه مطالبا بالحرية والكرامة والعيش الكريم.. لن يمضي وقت طويل قبل أن يبدأ حلفاء البشير بالتخلي عنه، والبحث عن بدائل له تحفظ لكل محور مصالحه وما يحتاجه.

بتنا نعرف اليوم، أن الصراع بدأ منذ اللحظة الأولى التي نصّب بها الجنرال ابن عوف نفسه رئيسا للمجلس الانتقالي، الرجل متهم بجرائم حرب في دارفور، والعلاقة معه عبء إضافي على حلفائه وأصدقائه.. إلى أن جاء الجنرال عبد الفتاح البرهان، الرجل مقرب من السعودية والإمارات، وهو قائد سابق للقوات السودانية العاملة في اليمن، ومن خلال موقعه، نسج جملة علاقات مع الرياض وأبوظبي، وهو ما يؤهله لأن يكون رجل هذا المحور في الخرطوم، فاستحق قرارات الدعم الفورية والمساعدات السخية، واستدعى وجوده على رأس الهرم القيادي العسكري في الخرطوم، حجيجا من الوفود العسكرية والأمنية والسياسية، كل واحد منها يريد ضمانات وتعهدات ببقاء السودان على علاقة طيبة مع هذه العاصمة أو ذاك المحور، وتحولت التغطيات الإعلامية للحدث السوداني، إلى ساحة صراع، بين قنوات ومحطات ووسائط إعلامية محسوبة على كل من الدوحة والرياض وأبو ظبي والقاهرة وأنقرة..

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها، ويشف عن محاولة مصرية ـ خليجية لتفريغ الانتقال نحو الديمقراطية من أي مضمون، بالالتفاف على مطالب المحتجين وشعارات الحراك الشعبي غير المسبوق، وإبقاء السلطة بين يدي "الدولة العميقة"، تماما مثلما كانت وظيفة "المبادرة الخليجية" لحل الأزمة اليمنية في بدايتها.

بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي

​​وفي الجزائر، تدور الصراعات ذاتها، وربما بالأطراف ذاتها، ولكن بقدر أقل من التأثير.. فالأطراف الجزائرية الخارجة من مأساة "العشرية السوداء" تبدو أكثر حذرا في مقارباتها، والجزائريون الفخورون بتضحياتهم في حرب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، يبدون أكثر حساسية حيال التدخلات الخارجية في شؤونهم الداخلية، حتى وإن جاءت من أطراف عربية أو إسلامية شقيقة.. و"الدولة العميقة" في البلاد، تبدو أكثر "عمقا" من غيرها من دول الأزمات المفتوحة.. ولقد أدت هذه العوامل مجتمعة، إلى تقليص أثر "العامل الخارجي" في الأحداث الجزائرية قياسا بما هو عليه الحال في دول الأزمات المفتوحة الأخرى في المنطقة.

لكن هذا الحال قد لا يستمر طويلا، إن عجز الجزائريون عن التوافق على "خريطة انتقال سياسي"، من نظام بوتفليقة و"شرعيته الثورية" كما توصف، إلى نظام جديد، مدني ديموقراطي، يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.

والخلاصة أنه بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي، لتطاول مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في المنطقة برمتها، وتتهدد بتفاقمها وارتفاع تكاليفها، وسط انخراط مباشر متزايد من قبل دول غربية في بعضها، إن لم نقل جميعها، وتحديدا تلك التي تندلع على الضفة الجنوبية للمتوسط.

اقرأ للكاتب أيضا: الجنرالات 'ملّة واحدة'... من الجزائر إلى الخرطوم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟