الملك حسين متوسطا نتانياهو وعرفات عام 1998
الملك حسين متوسطا نتانياهو وعرفات عام 1998

مالك العثامنة/

كل ما لدينا من معطيات على الأرض تشير إلى سقوط "اتفاق أوسلو" بالكامل، وفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة التي يراها البعض حلا نهائيا في دولتين (إسرائيل وفلسطين) هي حل عدمي واقعيا، فالسلطة الفلسطينية بحكمها الذاتي الذي تحول إلى حكم بوليسي أمني فاسد، أثبتت عمليا أن القيادات الفلسطينية التي تربعت على السلطة آتية من رحم منظمة التحرير الفلسطينية عاجزة فعليا وعمليا عن ممارسة فعل القيادة للشعب الفلسطيني.

الفلسطينيون هم شعب تحت الاحتلال، وهذا مثبت بالقانون الدولي وتم إقرار تلك الحقيقة التاريخية المستمرة منذ عام 1967 من قبل المجتمع الدولي. والضفة الغربية، التي خسرها الأردن في حرب حزيران/يونيو 1967 كما خسرت مصر سيناء وسوريا هضبة الجولان، هي أراض محتلة حسب قرارات المجتمع الدولي النافذة حتى اليوم.

كان هناك أكثر من اختراق "خبيث" للوقائع التاريخية والجغرافية المدعمة بالشرعية الدولية، وأول تلك الاختراقات كان القبول العربي الساذج، في فترة المد القومي الكاذب، لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

حسب مذكرات السيد عدنان أبوعودة وهو أحد شهود ذلك العصر ومن دائرة صناعة قرار الملك الأردني الراحل حسين، فإن كبسولة "المنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني" كانت وصفة كيسنجرية تم تمريرها من تحت الطاولة للقيادة المصرية أيام الرئيس الراحل أنور السادات، وانتهت إلى تجييش عربي برعاية الجامعة العربية في قمة الرباط عام 1974، حيث ضغط الجميع على الملك حسين لقبول تلك الشرعية الوحيدة بديلا عن شرعية سيادته على الضفة الغربية والتي خسرها هو لا غيره في حرب عام 1967.

الحل في فدرالية يتم صياغتها بهدوء شديد تعيد للمملكة وضمن شرعية القرارات الدولية نفسها ضفتها الغربية

​​بل إن السبب الحقيقي لهذا القرار المغلف بوطنية زائفة يعبر عنه بصراحة ما قاله الملك المغربي الحسن الثاني للملك حسين، بما مفاده أن القرار ضروري حتى يتحمل الفلسطينيون مسؤولياتهم بأنفسهم ويخففوا عن بقية العرب هم وعبء القضية الفلسطينية!

ورغم ذلك بقيت الضفة الغربية تحت إدارتين، إدارة الاحتلال الإسرائيلي، وإدارة أردنية لبعض مرافق حيوية في الضفة الغربية من بينها المرافق الدينية؛ بل إن العملة المتداولة كانت الدينار الأردني في المعاملات البينية اليومية غرب النهر، وكان جسر الملك حسين (اللنبي) معبرا مزدحما ودفقا لمرور الأفراد والبضائع بين ضفتي النهر وبانسيابية رغم الاحتلال.

توالت الاختراقات بعد تلك الكبسولة التي ابتلعها العرب جميعا ـ وحده الملك حسين لم يبتلعها ـ لكن وفي عام 1988 أعلن الملك حسين وبقرار منفرد بلا برلمان ولا إجراءات دستورية فك الارتباط مع الضفة الغربية قانونيا وإداريا، وأعلن قراره بخطاب غاضب لم يخف فيه الملك انزعاجه الشديد من سياسات المنظمة التي انتهت بعد فك الارتباط نفسه (كأن الارتباط كان يشكل عائقا أمام المنظمة) بإعلانها من الجزائر الدولة الفلسطينية (ومن طرف واحد).

فلسطينيا، كان إعلان الجزائر نقطة مفصلية في تاريخ المنظمة التي قامت على "شرعية" الكفاح المسلح، فتخلت عن الكفاح المسلح وعن ميثاقها الفلسطيني كله بعبارة نطقها ياسر عرفات بالفرنسية حين قال إن الميثاق"caduque"، بمعنى أنه باطل. وكان ذلك ذبيحته الوطنية على قربان القبول الواشنطوني في عهد إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان.

عام 1991، لم تستطع منظمة التحرير الفلسطينية أن تكون مفاوضا مباشرا في عملية السلام التي قرر المجتمع الدولي خوضها في أول مفاوضات مباشرة بين العرب وإسرائيل، فدخل الفلسطينيون بممثلين حقيقيين يمثلونهم من الداخل الفلسطيني لكن تحت مظلة أردنية، فالمؤتمر يحتاج إلى كيانات شرعية معترف بها!

وعلى موازاة مدريد، كان الاختراق الأخطر بمحادثات أوسلو السرية حيث كان ممثلو منظمة التحرير يجتمعون برسميين إسرائيليين، لتنتهي المحادثات باتفاق أوسلو، اتفاق على مراحل، انتهى اليوم إلى طريق مسدود بالكامل.

فالإسرائيليون لا يرون في الفلسطينيين "السلطة والمنظمة والقيادات جميعها" شريكا حقيقيا في السلام، واليمين الإسرائيلي استطاع أن يتغذى وينمو على فساد تلك السلطة وانشقاقاتها وصراعاتها الأمنية مع حماس، التنظيم الإسلامي المنشق والذي يشكل قاعدة راديكالية لا يمكن الوثوق بها في قطاع غزة، ويمكن الآن فهم منطق إسرائيل في أوسلو والتي كانت تريد منذ البداية من عرفات أن تكون "سلطته الأقل من دولة" نموذجا آخر لجيش لبنان الجنوبي (قوات لحد) وهذا ما وجد أبو مازن نفسه الآن أمامه.

حسنا.. نحن أمام "caduque" جديدة، فأوسلو بكل ما فيها ونتائجها هي الآن باطلة أمام سلطة فلسطينية فاسدة منتهية الصلاحية، ويمين إسرائيلي لا يريد النزول عن الشجرة.

المشكلة الآن في الأردن، والتفاصيل التي تستهدف الأردن بحل يميني يتحدث عنه البعض ببساطة على أنه حل "واقعي" لكنه في الحقيقة يحمل بذور فنائه من الأساس، مع تسريبات عن مبادرة أميركية تم تسميتها بصفقة القرن، والكل ينفي علمه بها رغم ضخامة الحديث عنها.

لو أريد للأردن أن يكون وكيلا أمنيا عن إسرائيل فتلك بداية أزمة جديدة تزيد التعقيدات؛ ولو تم طرح فكرة الأردن كحل بديل للفلسطينيين فنحن أمام أبواب جحيم لا أحد غير الله وحده (وهو الذي يحارب الجميع باسمه) يعرف منتهاها.

واعتماد إسرائيل كدولة يهودية القومية، يفتح سابقة كارثية تعطي تمهيدا لداعش ومخلفاتها فيما بعد لإعلان الدولة الإسلامية، أو للبنان أن يكون دولة مارونية، وهذا يشبه إشعال كرتونة من علب الكبريت أمام برميل بارود شديد الانفجار.

وفي المقابل، فإن حل الدولة الواحدة "ثنائية القومية وديمقراطية" هو حل انتحاري لإسرائيل، والكل يدرك ذلك (رغم أني سمعت في الأردن توجها نحو طرح هذا الحل كتكتيك لإحراج إسرائيل).

ما الحل أمام تلك المفارقات التعجيزية التي بدأت فعليا بالتدحرج ككرة ثلج عام 1974؟

الحل الواقعي يكمن في العودة "قدر الإمكان" وبحذر يراعي مصالح الجميع وبواقعية نحو ما قبل الحرج المتدحرج.

لا يمكن لإسرائيل أن تتهم الأردن أنه ليس شريكا فعليا في السلام، بقدر ما يمكن للأردن أن يتهم حكومة نتنياهو اليمينية بذلك، وبوقائع تاريخية وثقها الملك حسين نفسه في رسالة غاضبة ـ قبل رحيله ـ إلى نتنياهو شخصيا وتم نشرها على الملأ.

كما لا يمكن المقارنة بين بنية دولة قائمة مثل الأردن بمؤسساتها وبين سلطة فلسطينية بوليسية متهالكة أغلب رموزها لهم منازل وبيوت وعقارات في العاصمة الأردنية ويحملون أرقاما وطنية أردنية.

لو أريد للأردن أن يكون وكيلا أمنيا عن إسرائيل فتلك بداية أزمة جديدة تزيد التعقيدات

​​الحل في فدرالية يتم صياغتها بهدوء شديد تعيد للمملكة وضمن شرعية القرارات الدولية نفسها ضفتها الغربية وهذا يتطلب أيضا تعديلات دستورية أردنية تضمن حكما ملكيا دستوريا للملك فيه صلاحيات أقل مما يبدد المخاوف من "عملية ضم أمني" تخدم إسرائيل، وحكومتان محليتان في الضفتين تتبعان حكومة مركزية واحدة.

المشكلة الكبرى، برأيي الشخصي ومن سياق اتصالات استشرت بها أطراف عديدة، تكمن في الأردن نفسه الذي سيواجه عرضا كهذا بالرفض، ولا أعني الأردن الرسمي، فهناك مخاوف "شرعية ومنطقية" على الهوية الأردنية كما هي تحمل ذات القلق على الهوية الفلسطينية، لكن ألا يمكن التفكير قليلا بأن الصيغة الوحدوية بين الضفتين ضرورتها أصلا حيوية لكون الهويتين الشرق أردنية والفلسطينية متداخلتين، فوجود الضفة الغربية ضمن مملكة واحدة أو على علاقة ما مع مملكة واحدة يبقي على وجود الهوية الفلسطينية والضفة الشرقية تبقي على الهوية الشرق أردنية، وأن الوحدة ما بين الضفتين سوف تبقي على الهوية المتداخلة للطرفين.

في المحصلة، هي فكرة مطروحة وواقعية، في مواجهة أفكار فانتازية كارثية سيتم طرحها قريبا جدا، على طاولة الشرق الأوسط.

اقرأ للكاتب أيضا: بانوراما السقوط التاريخي المتكرر

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A man adjusts a facemask with his face's image printed on it created at a photo studio as other facemasks are hung amid…
كمامات بشكل مبتكر

يتعجب البعض ـ إن لم يكن الكثيرون ـ من فيروس كورونا والمرض الذي يحدث بسببه. فمعظم من يصاب به لا يعاني من مرض شديد، وقد لا تظهر عليه أي أعراض على الإطلاق، وهو أيضا فيروس قد يتسبب في موت البعض، وخاصة من كبار السن، ومع ذلك فقد ينجو منه الكبار، وقد يموت بسببه الصغار بدون سبب معروف. وهو فيروس قد يصاب به شخص لديه أمراض عديدة وينجو منه، في حين أن بعض الأصحاء قد يموتون بسببه بدون أي سبب معروف.

وهكذا حير الفيروس الكثيرين معه!

ولفهم هذا الأمر وهذا التباين الشديد في تأثير الفيروس على المصابين به نحتاج أن ندرك أن نتيجة الإصابة بالأمراض الفيروسية لا تعتمد فقط وبالضرورة على قدرة الفيروس على تدمير خلايا الجسم، بل تعتمد أيضا ـ وأحيانا بدرجة كبيرة ـ على رد فعل جهاز المناعة في أجسامنا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فيروس الكبد الوبائي من نوع "بي" لا يدمر خلايا الكبد، ولكنه وبالرغم من ذلك يتسبب في التهاب كبدي مزمن ومدمر للكبد في بعض الأحيان، ويفسر ذلك بأن تدمير خلايا الكبد بسبب الفيروس أساسا، ولكن بسبب رد فعل جهاز المناعة.

الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه

 فلو كان جهاز المناعة ضعيفا فإنه يترك الفيروس لحاله ويصبح المريض في هذه الحالة "حاملا" للمرض فقط وخلايا كبده تظل سليمة، أما إذا كان جهاز مناعته كفؤا للغاية فإنه يقضي تماما على الفيروس في الجسم.

والعجيب أن الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه، بل يحاول القضاء عليه ويفشل ثم يحاول مرات عديدة وهو غير قادر على الفتك النهائي بالفيروس، وفي كل هذه المحاولات الفاشلة لتدمير الفيروس يدمر جهاز المناعة خلايا الكبد وسط معركته الفاشلة مع الفيروس.

فيا للعجب، فلو أن جهاز المناعة كان ضعيفا لما مرض الإنسان بالالتهاب المزمن المدمر لخلايا الكبد، وفي هذه الحالة فإن المناعة الضعيفة ـ تكون أفضل من المناعة المتوسطة.

وفي حالة فيروس كورونا فإن جهاز المناعة قد يحدد أيضا مسار المرض. فنحن نعلم أن الفيروس وحده قد يصيب خلايا الرئة وخاصة الخلايا الموجودة في جدار الحويصلات الهوائية (نيوموسيتس ـ 2)، ويتسبب في الكثير من مضاعفات المرض، ولكن في نفس الوقت فإن جهاز المناعة عند بعض المصابين بالفيروس قد يتعامل بصورة محمومة مع الفيروس فيصدر أو ينتج مواد التهابية شديدة مثل "الستوكينز" وهو ما يسمى بعاصفة الستوكينز المدمرة، وهذه المواد الالتهابية قد تتسبب في مضاعفات كارثية قد تنهي حياة بعض المرضى، سواء كانوا كبارا أم صغارا، وسواء كانوا أصحاء أم مصابين بالعديد من الأمراض المزمنة.

ويأتي أيضا توقيت علاج المرض بالعقارات ليساهم في تباين نتائج الإصابات بين المصابين به، فإن تم استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين أو الأزيثروميسين أو الزنك أو غيرها في مرحلة متأخرة جدا من المرض وبخاصة إذا تم تدمير خلايا جدار الحويصلات الهوائية وإصابة الأخيرة بنوع من التليف، فإن هذه العقارات قد لا تفلح في علاج المرض على الإطلاق.

العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا

ومن عجائب هذا الفيروس أنه لا يكتفي فقط بمهاجمة خلايا الرئة بل قد يتسبب أيضا في تنشيط زائد لعملية التجلط في الدم مما قد يؤدي إلى حدوث جلطات في أماكن عديدة من الجسم ومن أشهرها جلطات الرئة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الفيروس قد يتسبب في التهاب في عضلة القلب وقد يصيب أحيانا الجهاز العصبي.

وهناك أيضا عوامل أخرى قد يكون لها علاقة بالتباين الشديد في الوفاة كنتيجة للمرض، فعلى سبيل المثال فإن استخدام عقار "الإيبوبروفين" لعلاج بعض أعراض المرض مثل ارتفاع درجة الحرارة قد يزيد من عدد مستقبلات الفيروس على سطح خلايا الرئة، وبالتالي قد يزيد من احتمالات الوفاة به، ولذا وعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا.

ومما سبق يتضح لنا أنه بالرغم من أن حالات الوفاة من الفيروس تكون غالبا في كبار السن المصابين بعدة أمراض، ولكن طبيعة الفيروس ورد فعل جهاز المناعة ضده، وتوقيت استخدام العقارات لعلاجه ونوع هذه العقارات تتحكم جميعا وتؤثر في النتائج المترتبة على الإصابة بالفيروس.

وأخيرا فمن الجدير بالذكر أيضا أن معظم المصابين بالفيروس تمر إصابتهم من دون إحداث أي أعراض مرض أو أي مضاعفات لديهم!