ملكة جمال الكون لعام 2018 كاتريونا غراي (ملكة جمال الفلبين)
ملكة جمال الكون لعام 2018 كاتريونا غراي (ملكة جمال الفلبين)

ابتهال الخطيب/

متى بدأ سوق صناعة الجمال ينتعش في التاريخ البشري؟ كثيرا ما يحضرني هذا السؤال، حول الجمال كسوق وصناعة، تحديدا وأنا أتمشى في الأسواق، أناظر كل أدوات ومساحيق ومكملات الجمال التي أخذت علينا حيواتنا حاليا لتغير وجه مداخيل الأموال اليوم لتصبح صناعة العطورات ومساحيق التزيين وطب التجميل هي من أعلى مصادر صناعة الأموال في العالم.

أسمع أن أصغر الأخوات كارداشيان هي أثراهن وذلك لأنها بدأت علامة تجارية لأدوات التجميل لا تحمل الكثير من المنتجات في الواقع، إلا أن منتجاتها القليلة تلك وضعتها على رأس قائمة ثراء الكارداشيانيين. 

وفرة وتشابه قيمة الجمال الوجهي وحتى  الجسدي اليوم بلا شك سيغير تعريف الجمال

​​يذهب تاريخ صناعة الجمال البشري إلى حضارات الهند ومصر القديمتين، حيث يقال إن أول عمليات تجميل بمعناها المعروف أجريت إبان زمن الحضارة الهندية القديمة، فيم وجد المنقبون علب كريم في أرض الكنانة تعود إلى العصر الفرعوني والتي تتشابه تركيبتها إلى حد كبير جدا مع تركيبات الكريمات الحالية التي تستخدمها سيدات اليوم.

إلا أن السؤال الأهم حول الموضوع تطرحه في الواقع الدكتورة مشاعل الهاجري، عضو هيئة التدريس في كلية الحقوق بجامعة الكويت وكاتبة العمود الصحافي المميز، على حسابها في انستغرام حيث كتبت قائلة "مع كل هذه العمليات التجميلية والبوتوكس والفيلر والمستحضرات التجميلية، صرن الجميلات كثر. ما أثر ذلك على ذائقتنا؟ الوفرة من جهة والصناعة من جهة أخرى، هل تناقضان الجمال؟ ألا يرتبط الجمال بالندرة وبالطبيعة بالضرورة؟ وماذا عن التشابه، هل ينحدر تماثل الجميلات بالجمال كقيمة؟".

في رأيي، فإن وفرة وتشابه قيمة الجمال الوجهي وحتى الجسدي اليوم بلا شك سيغير تعريف الجمال عموما والطريقة التي نقيم بها مقداره وعمقه ونوعيته. ولقد قرأت في إحدى المرات تعليقا تويتريا يقول إن الأنوف الحقيقية أصبحت اليوم مثل الآثار المهمة التي يصعب التحصّل عليها؛ مما يعني أن قيمة الجمال الشكلي المعتمد تقييمها دوما على عامل الندرة، وهو عامل يصعب في رأيي التخلي عنه، ستعتمد من الآن وصاعدا ليس على مقدارها ومقاييسها ولكن على حقيقيتها وندرتها.

نجد أن عامل الندرة هذا مثلا هو المسيطر على تقييم الأعمال الفنية الأثرية القديمة، حيث أن ندرة توفرها، خصوصا في الحقب السابقة للحضارات البشرية المعروفة، جعل من كل ما يتم اكتشافه منها قطع فنية رائعة الجمال، لا مجال للمفاضلة الفنية بينها. لقد شكلت الندرة، وعامل الزمن بكل تأكيد، معيارا جماليا هاما أسبغ روعة وجلالا على هذه القطع الفنية مهما كانت ركاكة رسمها أو صنعها.

وعليه، سيتغير معيار التقييم في زمننا الحالي بكل تأكيد، ولربما من ذاك المهتم باستواء الأنف وصغره، على سبيل المثال، إلى ذاك المركز على طبيعيته التامة وندرة تشابهه بالأنوف الأخرى، مما قد يحول الأنوف المعقوفة الكبيرة إلى علامات جمال نادرة ستتمناها الساعيات لهذا الجمال في المستقبل القريب.

وعليه، ستتغير الذائقة البشرية الجمالية حتما، كما وسبق أن حدث على مر العصور. ففي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كانت الحواجب الرفيعة جدا هي علامة جمال هامة، إلى أن ظهرت بروك شيلدز في السبعينيات من ذات القرن بحواجبها السميكة المغايرة تماما لتحدث جلبة قادتنا اليوم لكل عمليات الرسم والتاتو للحواجب الآخذة في التغلظ والاتساع حد عدم التصديق.

سنتشبع تماما من الأنوف الخنسائية والخدود الممتلئة وعظمة الخد المرتفعة وفك الفم النفرتيتي وحواجب العينين السميكة السيفية (من شكل السيف)، وستصبح هذه المقاييس المنتشرة مع الوقت عادية إن لم تكن منفرة بتكررها الذي ستوفره تكنولوجيا متطورة ما كانت موجودة من قبل. 

كلما صنعنا مقياسا جديدا، ستحطمه التكنولوجيا بالإسراع في تحقيقه وبتيسير انتشاره

​​وقياسا على تاريخ ذائقتنا البشرية، سنتحول بعد التشبع إلى المقاييس النادرة المعاكسة في الاتجاه، إلا أن عامل التكنولوجيا سيتدخل من الآن وصاعدا بشدة وقوة، ليقصر عمر المقياس الجمالي بسرعة صناعته وانتشاره على الوجوه. 

وهكذا، كلما صنعنا مقياسا جديدا، ستحطمه التكنولوجيا بالإسراع في تحقيقه وبتيسير انتشاره، فإلى أين ستصل الذائقة البشرية وكيف ستتعامل مع سرعة ووفرة ولربما الرخص القريب للتزين والتغيير الشكلي؟

تقول د. الهاجري في نهاية تعليقها "صار الجمال رخيصا، رخص عبوة" ولكن هل تتحمل هذه القيمة الشكلية هذا الرخص المالي وهذا الانتشار وذاك التكرار الذي حول الوجوه إلى نسخ قريبة من بعضها تاهت بينها الهويات البيولوجية الحقيقية؟ ليقودنا هذا السؤال لسؤال يليه: ما مقدار تأثير بيولوجيتنا الحقيقية على هويتنا النفسية؟ هل ستكون ذات الشخص تماما ذي الأنف المعقوف بعد أن يستقيم أنفك ويصغر ويتنمنم؟

اقرأ للكاتبة أيضا: الثقب الأسود

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.