متظاهر سوداني يركض أمام غرافيتي بالقرب مبنى القايدة العامة للجيش في الخرطوم
متظاهر سوداني يركض أمام غرافيتي بالقرب مبنى القايدة العامة للجيش في الخرطوم

عمران سلمان/

لطالما طرحت هذا السؤال على نفسي من دون أن أجد إجابة مقنعة وهو: لماذا يتمسك الزعماء السياسيون وغير السياسيين بمناصبهم لفترات أطول مما يقتضيه القانون أو العرف السائد أو المنطق الطبيعي للأشياء؟

فليس من المعقول أن يظل شخص في منصبه مثلا عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة. هذه فترة طويلة جدا بمقاييس عمر الإنسان وتبدل الأجيال.

من المهد إلى اللحد

في معظم الدول الديمقراطية، كما هو معروف، فإن القانون يتكفل بهذا الأمر، حيث يتم تحديد فترة زمنية معينة لا يسمح بعدها لرئيس الدولة أو الحكومة أن يظل في منصبه. لكن في العديد من دول العالم وبينها دولنا العربية فإن الأمر قد يطول حتى يصبح مدى الحياة. وليس من النادر أن نجد نماذج من هؤلاء يتمسكون بالسلطة حتى في الحالات التي من الواضح أنه يجب إبعادهم عنها، كما في حالة المرض الشديد أو الشيخوخة والتقدم في السن أو الانفصام في الشخصية أو جنون العظمة.

الثقافة السلطوية في المجتمع العربي لا توجد فقط في الحكومات، ولكن أيضا في مؤسسات المجتمع المدني

​​هل الأمر له علاقة بالثروة مثلا أو المكاسب المادية التي يحصل عليها الإنسان جراء كونه رئيسا أو في موقع الممسك بزمام السلطة؟

هل الأمر له علاقة بحب ممارسة السلطة نفسها وقدرة هذا الشخص على تنفيذ أفكاره وتصوراته وتلبية أهواءه ونزواته؟

هل المسألة مرتبطة باعتقاد هذا الشخص أو ذاك بأنه لا يوجد بديل في البلد بأكمله قادر على أن يشغل هذا المنصب؟

أيضا يمكن القول بأن للسلطة منطقها وطبيعتها، القادرة على تغيير النفوس والعقول، فالأشخاص ليسوا هم أنفسهم قبل وبعد تقلد السلطة، أي سلطة.

قد تكون هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي تدفع بالزعماء إلى التشبث بمناصبهم أطول فترة ممكنة. لكن من المؤكد أن ذلك يعبر عن خلل في الأشخاص وفي المجتمعات على حد سواء.

إرث الثقافة السلطوية

طبعا علينا أيضا أن لا نغفل أن للثقافة في أي مجتمع دور في نظرة الإنسان للسلطة وللحاكم ولامتداداته الطبيعية والعضوية. ففي المنطقة العربية ورثنا على مدى أكثر من ألف سنة، ما يسمى بالملك العضوض، أي السلطة الوراثية والتمسك الصارم بالحكم.

فالدول العربية الإسلامية الرئيسية مثل العباسية والأموية والفاطمية والعثمانية أو الدويلات والممالك الصغيرة التي نشأت على أطرافها، وضعت نظاما سلطويا مطلقا، جعلته هو المحور وكل ما في المجتمع أو الدولة يدور حوله. حتى رجال الدين والمؤرخين و"المثقفين" بمنطق ذلك الزمن، كانت وظيفتهم الأساسية هي ترسيخ هذا النظام ومده بما يحتاجه من فتاوى وروايات وتلفيقات وأشعار.

إن من يقرأ كتب التأريخ العربي سوف يلاحظ بسهولة أنها كلها تدور حول الخليفة أو السلطان أو الأمير، ومن النادر أن يُذكر الناس العاديون أو يجري الحديث عن أوضاع المجتمعات المحلية بصورة حقيقية وبمعزل عن علاقتها بالحاكم.

هذا الإرث الثقيل من السلطوية، هو جزء من الثقافة والتكوين النفسي والعقلي والعاطفي للإنسان العربي، حاكما ومحكوما.

سلطوية المجتمع المدني

هذا يدفعنا إلى القول أيضا إن الثقافة السلطوية في المجتمع العربي لا توجد فقط في الحكومات، ولكن أيضا في مؤسسات المجتمع المدني، كالأحزاب والنقابات والاتحادات المختلفة. ففي الكثير من هذه المؤسسات يبقى الرؤساء أو الأمناء العامون عقودا من الزمن في مناصبهم، ولا يغادروها إلا في حالة الموت أو عندما تتمرد عليهم قواعدهم الحزبية أو تضعف سلطتهم بالانشقاقات والتشظيات. وحتى في هذه الحالة يواصل بعضهم حمل لواء "السلطة" من دون أي حرج أو خجل.

الأشخاص ليسوا هم أنفسهم قبل وبعد تقلد السلطة، أي سلطة

​​ربما يتعين على الأجيال العربية الشابة أن لا تكتفي فقط بالتظاهر ضد حكوماتها وإسقاطها، ولكن أيضا بالإصرار على وضع مدة زمنية للرؤساء ورؤساء الحكومات وزعماء الأحزاب وكل من يشغل منصبا عاما.

مع التأكيد على أن المسألة لا علاقة لها بهذا الشخص أو ذاك، سواء كان جيدا أو سيئا، كما أنها ليست مسألة شخصية، وإنما مبدأ عاما من شأن إقراره وتطبيقه أن يخلخل السلطوية العربية مع الوقت ويجعل المناصب فعلا، كما هي وظيفتها الأصلية، تكليفا وليست تشريفا.

اقرأ للكاتب أيضا: "كيزان" السودان .. وزوال البلاء العظيم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.