أعضاء فرقة "سما" للرقص، يحتفلون بعد إعلان فوزهم في الموسم الثالث من Arabs Got Talents
أعضاء فرقة "سما" للرقص، يحتفلون بعد إعلان فوزهم في الموسم الثالث من Arabs Got Talents

كوليت بهنا/

في السنوات العشر الأخيرة، انتشرت على بعض الفضائيات العربية برامج ترفيهية تواكب الحداثة التكنولوجية وزمن الهواتف الذكية والاتصالات السريعة، ويقوم أساسها على إنتاج ضخم قوامه شراكة منفعية متبادلة بين الشركة المنتجة وشركات الاتصال الخليوي، وفعالية الجمهور داخل الاستديو وخارجه، ومسرحة البرنامج التلفزيوني على طريقة الاستعراض show الفني، الغنائي أو الموسيقي أو الراقص أو ابتكار أشكال فنية بصرية أخرى.

جميع هذه البرامج اشترت حقوق الفكرة الأصلية من برامج ترفيهية غربية ذائعة الصيت ومنها برنامج المواهب العربية، أو للعرب مواهب (Arabs Got Talents)، وهو برنامج بريطاني الأصل، انطلقت نسخته العربية في العام 2011، ونجح في كل موسم من مواسمه الفائتة، في استقطاب ملايين المشاهدين وتسليط الضوء على العديد من المواهب العربية البارزة، الفردية أو الجماعية في الغناء أو الرقص الحديث أو الفولكلوري أو الفن التشكيلي أو الاستعراضات البهلوانية أو الاسكتشات الدرامية التي تعتمد على التمثيل الفردي(مونودراما) أو الايمائي أو غيرها.

المؤسف أنه في الوقت الذي تنتج فيه برامج منفتحة كهذه يستمر توارد تقارير تتحدث عن انتهاكات واعتقالات لنشطاء في عدد من الدول العربية

​​في الملاحظات العامة عن موسمه السادس لهذا العام، يمكن الاستبشار بحداثة وألمعية الأفكار التي طرحت من قبل بعض المواهب الفنية المشاركة، والزيادة الملفتة والنوعية في مشاركة الفتيات العربيات الشابات، وتميز العديد من الفرق بأزياء ملفتة تناسب عنصر الإبهار البصري في فن الاستعراض والتناغم في الأداء والاحساس، ومن بينها فرقة "مياس" اللبنانية التي ضاهت الفرق العالمية المحترفة.

وبدا واضحا أن آلاف المواهب العربية باتت تعلق آمالها على هذه الفرصة الإعلامية "الذهبية" وتستعد لها مسبقا، مما يعزز أهمية تعميم برامج حيوية كهذه تعرف العالم بمواهب قد تزول أو تتحول إلى طاقات سلبية في ظل ازدياد مصاعب الحياة العربية وعدم الاستقرار وحلم الشباب العربي الدائم بالهجرة.

في التدقيق بالهدف الذي قامت عليه فكرة هذا البرنامج في أساس التجربة الغربية قبل أن تعمم عربيا وعالميا، يبدو جليا أنه انطلق من مفهوم ورؤية إعلامية عالمية تدعو إلى "الدمقرطة"، حيث يقوم أساس هذا البرنامج وأشباهه، على عنصر المنافسة التي تلغي فكرة البطل الأوحد وإشراك أكبر قدر ممكن من المتنافسين، كل منهم يستعرض موهبته.

وهذا يذكر بمتنافسين سياسيين يستعرض كل منهم برنامجه الانتخابي عبر جولات زمنية متتالية، وهي منافسة حقيقية وحيوية وضارية، لا يتوقف نجاحها على الموهبة، أو الكاريزما، أو أصوات لجنة التحكيم المحترفة، أو حماس وتصفيق الجمهور الحار في الاستديو فقط، بل يتوقف نجاحها الحقيقي والنهائي على رأي الجمهور، أي التصويت الجماهيري (وبالمعنى السياسي أصوات الناخبين).

ويتم التصويت عبر كافة وسائل الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو تصويت حرّ ومراقب إلكترونيا في نزاهته، قد يُعلي من شأن بعض المشاركين ويقودهم للفوز، على حساب مشاركين أكثر تميزا وموهبة، مما يعني تحقيق أهم أهداف الديمقراطية واحترام أسسها عبر إفساح حرية الاختيار للجمهور ـ الشعب وإنجاح من يراه الأنسب لذائقته، وعلى الجميع تقبل النتيجة أيا كانت انطلاقا من الثقة بالممارسة الديمقراطية وما تحمله من مفاجآت متباينة.

انتقال الجمهور من موقع المشاهد السلبي أو المتفرج الحيادي إلى موقع المشارك والمتفرج الإيجابي الفاعل في الحدث الذي يتابعه، نقلة نوعية حداثية تستحق الإشادة، إذ تتجلى عبرها الرؤية الديمقراطية بعيدة المدى وإيجابياتها، بانعكاسها على الجمهور وإحساسه بدوره وقيمة رأيه، وأهمية صوت كل فرد من أفراده، عبر تسخير الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصالات، كأدوات حديثة وآليات سلسة وسريعة تساهم في زيادة الثقافة الديمقراطية وتيسير ممارستها.

أين تكمن المنفعة من إهدار ميزانيات ضخمة لإنتاج برامج مكلفة كهذه تعمم ثقافة إنسانية وخلاقة كالديمقراطية ومن ثم حظر ممارستها

​​كل ما تقدم من إيجابيات يدعو إلى تعزيز وتكريس هذه الرؤية عربيا وعالميا، لكن المؤسف في هذا الإطار أنه في الوقت الذي تنتج فيه برامج منفتحة كهذه تعمم مفهوم الديمقراطية وتسمح بحرية التعبير الفني والجسدي، يستمر توارد تقارير حقوقية عالمية مؤسفة تتحدث عن انتهاكات واعتقالات لا تتوقف لنشطاء من الجنسين في عدد من الدول العربية، واعتبار حقهم في التعبير الحرّ عن الرأي في حقوق الإنسان جرما يغيبون بسببه قسرا خلف القضبان.

فأين تكمن المنفعة من إهدار ميزانيات ضخمة لإنتاج برامج مكلفة كهذه تعمم ثقافة إنسانية وخلاقة كالديمقراطية ومن ثم حظر ممارستها بين الأبناء والبنات الذين باتوا يتسربون من البلاد تباعا، يطلبون اللجوء لأسباب عدة، في مقدمها تنفس هواء الحريات، الحقيقي لا الترفيهي، في بلاد الله الواسعة؟

اقرأ للكاتبة أيضا: الشعوب المنسية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A volunteer from Basij forces wearing a protective suit and face mask sprays disinfectant as he sanitizes a bus station, amid…
أحد عناصر "الباسيج" خلال عملية تعقيم للأماكن العامة قي طهران

بعد أشهر من إنكار إيران تفشي فيروس كورونا على أراضيها، كانت أول مبادرة رئيسية قامت بها لاحتواء الفيروس هي إنشاء "مقر وطني" لمكافحة هذا الوباء تحت توجيه الرئيس حسن روحاني، إلى جانب مجلس لدعم قرارات هذا الكيان الجديد. 

ومع ذلك، فإن عدم كفاءة الحكومة، والفجوة بين الرئيس ومنافسيه، والانتشار السريع لـ "كوفيد-19" في جميع أنحاء البلاد سرعان ما أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بإشراك القوات المسلحة في المبادرة.

وبدلا من وضع القوات تحت سيطرة روحاني، أمر خامنئي بإقامة "مقر الإمام الرضا الصحي والعلاجي" في 12 مارس برئاسة رئيس "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" اللواء محمد باقري. وقد طُلب من اللواء التعامل مع الوضع على أساس أنه مناورة دفاعية [ضد هجوم] بيولوجي، بما يتماشى مع ادعاء خامنئي الخيالي بأن الوباء جزء من حملة حرب بيولوجية أميركية ضد النظام.

ومن خلال وضع "مقر" العلاج الجديد تحت سلطة "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" ـ أعلى هيئة عسكرية في إيران ـ كلّف خامنئي بشكل أساسي جميع القوات المسلحة في البلاد بمكافحة الفيروس. 

كثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دمية يحرّكها "الحرس الثوري"

على سبيل المثال، أُمرت وزارة الدفاع و "إسناد القوات المسلحة"، التي تشرف على جميع قضايا التخطيط والتمويل المتعلقة بالجيش، بإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية، ومعدات وقائية، وإمدادات طبية أخرى. 

وقد طُلب من الجيش النظامي ("أرتش")، المسؤول عادة عن حماية السلامة الإقليمية للبلاد، تطهير الأماكن العامة وإقامة مستشفيات ميدانية مؤقتة وتحضير أسِرّة للشفاء. 

وبالمثل، استَخدمت "قوة إنفاذ القانون" ("ناجا") بعض معداتها المخصصة للسيطرة على الحشود لتطهير الشوارع ـ وإن كان ذلك أثناء عرض لافتات تشير إلى أنها أكثر تركيزا على الدعاية من الصحة العامة.

ومع ذلك، فقد حدثت أكثر الخطوات الجديرة بالملاحظة داخل "الحرس الثوري" الإيراني وفروع ميليشيا "الباسيج" التابعة له. فإلى جانب إرسال القوات لفحص المرضى، والسيطرة على حركة الأشخاص، وتطهير الأماكن العامة، وتصنيع معدات الحماية، قام "الحرس الثوري" بتفعيل مقرٍّ مركزي دائم للدفاع البيولوجي يسمى "الشفاء". 

وفي الواقع، إن هذا المقر ليس قيادة جديدة. فقد تأسس عام 2012 من قبل "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" التابعة لـ "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة"، والتي أُنشئت في البداية عام 2003 لتعزيز قدرة إيران على الصمود في المعارك من خلال تعزيز البنى التحتية. ويخضع كلٌّ من "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" ومقر "الشفاء" لسلطة "المقر المركزي لخاتم الأنبياء"، الذي هو رسميا على نفس مستوى "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" والمسؤول عن إدارة القوات المسلحة الإيرانية خلال زمن الحرب.

وحين وضع "الحرس الثوري" مقر "الشفاء" تحت قيادته، أنشأ مقرّات فردية للدفاع البيولوجي في جميع المحافظات الإيرانية. وقبل عقد من الزمن، أصبح "الحرس الثوري" لامركزيا بصورة تدريجية حيث تم تقسيمه إلى 32 وحدة حرس موزعة بين المحافظات ["وحدات حرس المحافظات"] (واحدة لكل محافظة باستثناء طهران، التي لديها وحدتان). 

وكان يُقصد من هذه الخطوة جزئيا، ضمان تنسيق أفضل بين قوات "الباسيج" و"الحرس الثوري" العاملة في كل محافظة، وإعداد "الحرس الثوري" بشكل أفضل ضد أي تهديدات للنظام.  

واليوم تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري، ومتجسدة في حكومات المحافظات (أوستنداري) التي تخضع لسلطة وزارة الداخلية، والرئيس الإيراني في النهاية. 

وتتولى كل قيادة لـ "وحدات حرس المحافظات" الإشراف على العديد من الهيئات المحلية: "ناحية لـ "الحرس الثوري" ـ "الباسيج"" في كل مقاطعة (فرمنداري)، ودائرة واحدة على الأقل لـ "الباسيج" في كل بلدة (بخش)، ووحدة إقليمية أصغر مكوّنة من عدد قليل من البلدات (شهر) أو مناطق ريفية (دهستان) وقاعدة لـ "الباسيج" في كل حي.

A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
فيروس العداء للولايات المتحدة!
حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت

ووفقا للنظام الداخلي لـ "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي"، يترأس المحافظ (أوستندار) جميع مقرات الدفاع السلبي في المحافظة، بما فيها مقر "الشفاء". ومع ذلك، فإن نقل "الشفاء" إلى سلطة "الحرس الثوري" قد وضع فعليا القادة المحليين لـ "وحدات حرس المحافظات" في موقع المسؤولية بدلا من الترتيب السابق.

ومع استدعاء "الحرس الثوري" لبعض قواته الخاصة ومختلف وحدات "الباسيج" ـ خاصة الطلاب وأعضاء النقابة والممارسين الطبيين ـ تمكّن من حشد نحو 600,000 عنصر للمساعدة في احتواء الفيروس في كافة أنحاء البلاد. كما شكّل ثماني لجان في كلٍّ مقر من مقرات المحافظات، وأُنيطَت بها المهام التالية:

  • لجان الأمن والمخابرات: تفتيش المستودعات بحثا عن لوازم طبية مكدّسة، واعتقال الأشخاص الذين ينتقدون رد النظام على تفشي المرض، وما شابه ذلك من مهمات.
  • لجان التطهير: تطهير الأماكن العامة.
  • لجان التعليم: إنتاج مواد تربوية حول الوباء وطرق احتوائه.
  • لجان الفحص: إجراء فحوصات الفيروسات في جميع المنازل.
  • اللجان اللوجيستية: تصنيع المعدات الأساسية مثل الأقنعة والمعقّمات اليدوية.
  • اللجان التنفيذية: مساعدة النظام على ضبط حركة المدنيين وفرض الحجر الصحي.
  • اللجان الثقافية: تأدية مهام مختلفة كتوزيع نسخ من "الصحيفة السجادية" التي تتكوّن من مجموعة أدعية أوصى خامنئي الناس بتلاوتها خلال الأزمة.
  • لجان إدارة الرأي العام: إنتاج المحتوى (على سبيل المثال، المجلات ومقاطع الفيديو القصيرة) الذي يروّج لجهود "الحرس الثوري" ـ "الباسيج" لمكافحة الفيروس.

تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال، ما زال الكثير من الإيرانيين ينتقدون النظام، بما في ذلك "الحرس الثوري". وتشير تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، والمقابلات التي أجريت مع كاتب هذا المقال، إلى جانب أمور أخرى تمت ملاحظتها، إلى أن الحملات المذكورة أعلاه تُعتبر على نطاق واسع مجرد أدوات دعائية لا تؤتِ إلا بنتائج قليلة على أرض الواقع.

وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء مقرات الدفاع البيولوجي والانتشار الواسع لـ "وحدات حرس المحافظات" التابعة لـ "الحرس الثوري" يُعدان إشارتان مقلقتان أخريان إلى عدم أهمية حكومة روحاني وازدياد وتيرة تسييس القضايا الأمنية في الجمهورية الإسلامية [وتبرير اللجوء إلى تدابير استثنائية لمعالجتها]. 

إنّ النفوذ والتغلغل الاجتماعي اللذين يستطيع "الحرس الثوري" تحقيقهما من خلال هذه القيادات المحلية في المحافظات سيعززان ثقله في الصراع النهائي لتحديد خلَف خامنئي. 

وأكثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دميةً يحرّكها "الحرس الثوري". وفي الواقع، قد تستغني القيادة العسكرية حتى عن المنصب بالكامل. 

لذلك، يجب على صناع القرار السياسي مراقبة عن كثب المزيد من التوسع بين "وحدات الحرس الموزعة بين المحافظات"، مع التركيز على الدور البارز الذي قد يؤديه "الحرس الثوري" في إيران بعد رحيل خامنئي.