يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا
يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا

مالك العثامنة/

هناك أكثر من ملاحظة يمكن التوقف عندها على خلفية التفجيرات الإرهابية المفجعة الأخيرة في سيريلانكا، والتي استهدفت كنائس مسيحية في عيد الفصح المجيد.

لن نقف عند النفاق الإعلامي العالمي، (والعربي خصوصا)، الذي كان الحزن فيه باهتا بلا بكائيات صاخبة كالتي كانت في حادث حريق نوتردام الذي لم يثبت أصلا حتى اللحظة أنه عمل إرهابي.

الحادثان مفجعان، لكن في سيريلانكا كانت الفجيعة أكبر بكثير، من ناحية حجم الضحايا الأبرياء ومن ناحية الإرهاب الذي دبر الجريمة بكل فظاعتها، على عكس حادث نوتردام المؤسف فلا ضحايا يمكن أن نبكي على خسارتهم، ولا تأكيدات أن الحريق كان عملا إرهابيا مدبرا.

العالم مقسوم عندهم إلى دار إيمان ودار كفر

​​لكن ما حيرني وأنا اتابع تفاصيل ما حدث في سيريلانكا تلك المعلومات عن هذا البلد الفقير والبائس في شرق آسيا، والمنكوب دوما بالكوارث الطبيعية وتداعيات حرب أهلية طويلة بالكاد انتهت قبل سنوات بين البوذيين السنهاليين وجماعة التاميل الهندوسية؛ كانت صراعا طائفيا بين مجموعتين لم يكن المسيحيون والمسلمون فاعلون بها، وهؤلاء المسيحيون والمسلمون هم أقليات دينية لا تتجاوز نسبة كل أقلية منهما أكثر من 10 بالمئة من مجموع السيريلانكيين.

نحن أمام نفس الفكرة ببساطة، وهي فكرة إسلامية الكوكب، فحسب المفهوم القرآني، فإن الله قرر أن يجعل له خليفة في الأرض حسب خطابه للملائكة عند خلقه آدم، ولأن الخطاب القرآني في مواضع أخرى من سوره وآياته نص على أن الدين عند الله هو الإسلام، وأن كل الأنبياء هم مسلمون فإن إسلامية الكوكب إرادة إلهية حسب تفسير المتطرفين في الدين.

لكن لماذا لم يستهدف الإرهابيون معبدا بوذيا أو هندوسيا أو مؤسسة رسمية (وليحمي الله جميع البشر من هكذا افتراض)، فهذا ربما يعود إلى أن مجمل الأفكار التي يحملها المتطرفون هي صناعة شرق أوسطية قادمة من بلاد العرب، وقد تجلت أكثر ما تجلت في أفكار الإرهابي الأول عراب القاعدة أسامة بن لادن، فتلقف المتطرفون في سيريلانكا الفكرة بأن الغرب (ومجمله مسيحيون ويهود)، هو العدو الأول للإسلام، بل ربما العدو الوحيد المنفرد؛ ولأن المتطرف على كل معرفته التقنية بالتخريب يبقى جاهلا معطلا للعقل، فإنه لا يرى إلا ما يتلقفه من أدبيات أحادية إقصائية مصبوبة صبا في قوالب تصل إلى حد القدسية في مفرداتها ودلالاتها.

هذا ما تلقفته تلك الجماعة الإرهابية من جوهر حربها على باقي العالم، فالعالم مقسوم عندهم إلى دار إيمان (وهو إيمان ضيق جدا لا يخرج عن فكر ابن تيمية ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من متشددين) ودار كفر، وهو بقية الجغرافيا التي لم تدخل دار الإيمان، مما يضع هؤلاء في مواجهة مع العالم كله وحربا في كل جغرافيا الكرة الأرضية.

ولأن الأدبيات "القاعدية" الأولى، التي شكلت فيما بعد الفكر المتطرف لوهم الدولة الإسلامية عند عصابات داعش، تتعلق بالغرب كشيطان أكبر، فإن المسيحية هي الهدف الذي يعتقد هؤلاء أنهم يوجعونها ولو باستهداف دموي لمسيحيين ليسوا من الغرب؛ طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار أن حادث سيريلانكا الإرهابي جاء على صيغة انتقامية لحادث نيوزيلندا الإرهابي والذي استهدف مصلين مسلمين في يوم جمعة.

هؤلاء في مواجهة مع العالم كله وحربا في كل جغرافيا الكرة الأرضية

​​وربما تأتي الحسابات السياسية لداعش وفروعها الديماغوجية المتطرفة في مرتبة ثانية، فاستهداف أقلية مسيحية في بلد مثل سيريلانكا سيكون أقل تكلفة وعبئا أمام الأجهزة الأمنية في سيريلانكا مما لو استهدف هؤلاء المجرمون معبدا بوذيا أو مركز بوليس أو مركزا تجاريا.. وتضع مسلمي سريلانكا في مواجهة الدولة والمجتمع، في تنفيذ ما جاء في كتاب "إدارة التوحش"، لجهة توتير العلاقات بين المسلمين والدول التي يعيشون فيها.

♦♦♦

وعلى الضفاف.. من ذات السياق،

تابعت مثل غيري الفيديو الذي أصدره الإرهابيون قبل الحادثة وعلى رأسهم زعيمهم وهو يتحدث بلغة عربية ثقيلة، وفورا أحالني المشهد إلى ما قرأته يوما عن عبدالرحمن بن ملجم، الرجل الذي اغتال الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة. وحسب المتواتر عنه، فإن ابن ملجم كان مؤمنا بالله حد التعصب الأعمى، وقد نقع خنجره في السم ثلاثين ليلة، وحين طعن عليا في صلاة الفجر، كان يصرخ "إن الحكم لله"، وهذا بالضبط نموذج للعمى المطلق عند هؤلاء "المؤمنين" حين يقتلون غيرهم وخلافهم من البشر المؤمنين ساعة الصلاة، أي صلاة، فالإيمان الأعمى يخلق وساوس الأوامر المقدسة، باسم المقدس نفسه.

اقرأ للكاتب أيضا: فكرة خارج صندوق 'باندورا' الشرق أوسطي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.