طالبة جزائرية في مواجهة خراطيم المياه
طالبة جزائرية في مواجهة خراطيم المياه

محمد المحمود/

يتصور كثيرون أن الترويج الكبير للخطابات الضدية الانكفائية، التي تتسم بقدر عال من التفاهة؛ بقدر ما تتسم بقدر عال من الرعونة، لم يُؤثر إلا في الجماهير العريضة التي تقع ـ بحكم طبيعة تلقيها الشفهي، الفاقد للانتظام/ الاتساق ـ فريسة التثقيف الإعلامي الدعائي المأخوذ بثنائية التمجيد والتحريض: تمجيد الذات بتزييف "تاريخ الأنا" لتجميله من جهة، وترميز الزعامات الانقلابية من جهة أخرى، والتحريض على الآخر؛ بالتأكيد الدعائي/ اللاعلمي على تآمره، وحتميته عدائه، وتشويه واقعه على مستوى الخطاب؛ مقابل ما يتسم به من الإغراء على مستوى الواقع.

هذا ما يتصوره كثيرون لأول وهلة. بينما الواقع يُؤكد أن "النخب الثقافية" أو التي تزعم أنها كذلك، هي أول من افترسها هذا الخطاب الدعائي الغوغائي؛ إذ هي قد تحوّلت في كل دول العالم العربي ـ حتى في الدول التي لم يحكمها/ لم يتحكم في مصائرها الانقلابيون/ الثوريون! ـ إلى "أبواق" إعلامية/ ثقافية تمتهن الدعاية الرخيصة للمجد القومي القادم الذي سيجدده الزعيم العروبي الملهم، أو للعصر الإسلامي الذهبي الذي سيتجدد على يد "الخليفة" المنتظر المحمول على قاطرة أحلام رافعي شعار: "الإسلام هو الحل".

العالم العربي يسير نحو الأفق الليبرالي بقوة دفع الزمن الليبرالي أساسا

​​لم تنقشع سُحُب الأحلام القوموية والإسلاموية إلا منتصف التسعينيات من القرن المنصرم. وهو ـ على أية حال ـ بداية صحو نسبي، حيث بدأت سُحُب الأوهام تتبَدّد رويدا رويدا؛ لصالح "زمن عربي ليبرالي" آخِذ في التشكّل رغم كل التحديات الثقافية والدينية والجيوسياسية.

وبلا ريب، فهذا الزمن العربي الواعد لم يفتح أبوابه ـ الموصدة منذ عقود ـ بمحض الصدفة، بل حدث ما حدث بفعل عوامل كثيرة؛ لعل أهمها ما يلي:

  1. سقوط المُعسكر الشيوعي/ الاشتراكي. وهو السقوط الدراماتيكي الذي قوّض في بضع سنوات كل الأحلام التي كانت تُغذّي مُخيّلة مُنَاهِضي الليبرالية الغربية، مما فتح المجال واسعا لانتشار النموذج الليبرالي الغربي في كثير من دول العالم، بما فيها الدول التي كانت تُمثّل المحاور المركزية في المنظومة الشيوعية. هذا النصر الشامل (الذي تعددت سياقاته ومستوياته) منح النموذج الليبرالي شهادة جدارة عالمية هائلة التأثير؛ إلى درجة أغرت بعض المتحمسين له بكتابتها كـ"نهاية للتاريخ". وطبعا، لم يكن العرب، وخاصة الدول والنُّخب المتماهية مع الخيار الاشتراكي في السابق بمعزل عن تداعيات هذا الحدث الكبير، ففي غضون عقد أو أقل، رأينا كثيرا من مُثَقّفي اليسار العربي وهو ينتقلون ـ بكل خِفّة، أو بكل استخفاف ـ من أقصى اليسار إلى اليمين، بل وأحيانا إلى أقصى طرف اليمين.
  2. حرب الخليج الثانية. فاجتياح العراق للكويت، وما تبعه من اصطفاف عربي ـ عربي مع هذا الطرف العربي أو ذاك (مما يحكي عمق الانقسام/ الانقسامات، المُتَحَقّقة أو المُحْتَملة)؛ قدّم شهادة وفاة لأكبر الأوهام العُرُبَوية التي طالما اغتبطت بها الثقافة العربية عن قناعة حقيقية أو عن خداع بائس للذات. فأوهام الوحدة، والأمة العربية الواحدة، والمصير العربي المشترك، بدت عشية هذه الحرب أشبه بـ"النُّكت السخيفة/ المبتذلة" التي لا يُرددها إلا من يُعاني انفصاما حادا في علاقته بالواقع.
    لقد كانت أوهام الوحدة العابرة للدول القطرية، والأمة العربية الواحدة، والمصير العربي المشترك، تُطرح من قِبَل مُراهقي الانقلابات العسكرية للاستهلاك الجماهيري، فهؤلاء الانقلابيون طرحوا أنفسهم كزعماء استثنائيين مُلهمين، بينما هم لم يكونوا أكثر من "زعامات كرتونية" فارغة من المعنى وفاقدة لأبسط مقومات القوة، إلا قوة الوهم؛ عندما كانت تظن أن معادلات القوة العالمية ومقومات النهضة القومية تحكمها الحناجر الزاعقة، وتتحدد مصائرها بتزييف الإعلام الكاذب، وبتصفيق الجماهير المأخوذة به، التي تتوهم أن العالم لا يزال يقف عند حدود داحس والغبراء، ومغامرات عنترة بن شداد، وأساطير أبي زيد الهلالي...إلخ.
    الدول التي تتمتع بمقدرات اقتصادية عالية تمتلك حظا أوفر للدخول السلس إلى العالم الليبرالي
    ​​
    لقد كانت تلك الزعامات الانقلابية التي قوّضت البدايات الواعدة للروح الليبرالية العربية تطرح خياراتها المصيرية معجونة بمواقف ضدية صارخة، مواقف لا تمل من التأكيد على "العداء الغربي" و"العدوان الغربي" و"الانحياز الغربي" و"التآمر الغربي".
    لكن حرب الخليج كشفت عن حقيقة صادمة قاسية، وهي أن العربي القومي أشد خطرا على العربي من كل دول الغرب الليبرالي الإمبريالي، بل وأكدت أن الغرب قد يكون حليفا يحمي الأوطان من عدوان "الشقيق المفترض".
    وبهذا، لم تعد روح العداء للغرب (الغرب الذي لا يُمَثّل المصدر الأساسي للفكر الليبرالي فحسب، وإنما التّجسيد العملي له أيضا)، كما كانت من قبل، بل لم يعد الغرب في نظر العربي غربا واحدا، بحيث يُؤخذ كله بذنب بعضه، وإنما اتّسعت آفاق الرؤية لتبصر كامل الصورة؛ دونما عُقَد نفسية/ تاريخية تجعلك تستبشع الجميل.
  3. العولمة. وهذا عامل مرتبط بالعامل الأول، فقد شجّع انهيار النموذج الشرقي الاشتراكي نموذج الغرب الرأسمالي الليبرالي على التمدد، فانفتح العالم، كل العالم الذي كان مغلقا إلى ما قبل 1990، للشركات العابرة للقارات، وأصبح رأس المال الليبرالي يتمتع بحرية لم تُتَح له من قبل، بل وتَبَنّت كثير من الدول غير الرأسمالية النموذج الرأسمالي في السنوات الأولى من التَحول. كل هذا كان يضيف إلى رصيد الفكر الليبرالي، ويعزز النموذج الذي بدا وكأنه يجتاح العالم مستعينا بجواز سفر اقتصادي يفتح له كل الأبواب.
  4. النمو ـ بل الانفجار غير المسبوق ـ في وسائل الإعلام العابرة للدول، وشيوع وسائل التواصل المتجاوزة لكل صور الرقابة الحكومية والمجتمعية. فالإعلام الفضائي وشبكة الإنترنت تحديدا، كان لها دور هائل وحاسم في تعزيز النموذج الليبرالي الذي لم يعد من الممكن التعتيم على نجاحاته الباهرة في الغرب، إضافة إلى كثير من دول الشرق، خاصة اليابان والنمور الآسيوية الصاعدة.
    لقد أصبح هذا النموذج المنتصر على أكثر من صعيد مَحَطَّ آمال الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة بفضل الإعلام المتعولم، إذ دخل عليهم بصوره الباذخة ـ حقوقا ورفاعية وجمالا وفنا ـ حتى وصل إليهم في غُرَف نومهم، وتراقص إغراء حتى على أكُفّ صغارهم أمام شاشات الكمبيوتر، ثم على شاشات هواتفهم الذكية، وهذه وتلك تجسد بذاتها ـ قبل الرسائل المتضمنة فيها ـ واقعة الحرية، إذ تجعل الخيار بيد المتلقي الذي يختار مواده من ملايين المواد المتاحة، لا بيد المُرسِل الذي كان يحدد للمتلقي نوعية وتوقيت ما يرى ويسمع ويشاهد.

إذن، وحيث العرب جزء لا يتجزأ من هذا العالم المتعولم بالليبرالية، لم يعد ثمة مكان لأولئك الذين يمتهنون هجاء حرية الغرب وتقدّم الغرب وكرامة الإنسان في الغرب...إلخ، فهؤلاء سيجدون أنفسهم مَحلّ رفض، بل وسخرية، حتى من أطفالهم الصغار الذين أكّدت لهم التصورات الليبرالية ـ في نموذجها المُتَعَيّن ـ أن ثَمّة حقوقا وخيارات للصغار قبل الكبار، للأطفال قبل البالغين، لا يجوز المساس بها بأي حال من الأحوال.

إن كل هذا ـ وغيره مما هو في سياقه ـ يُعَزّز حقيقة أن العالم العربي بدأ يدلف بخطوات متسارعة إلى الزمن الليبرالي، وأن هذا هو مصيره، كما هو مصير العالم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.

لم تنقشع سُحُب الأحلام القوموية والإسلاموية إلا منتصف التسعينيات من القرن المنصرم

​​نعم، العالم العربي يسير نحو الأفق الليبرالي بقوة دفع الزمن الليبرالي أساسا؛ رغم أهمية الخطوات الإجرائية التي من شأنها تسريع هذه السيرورة التي ستأخذ في طريقها كثيرا من العقبات، ربما إلى بوابة السدّ القابل للانفجار.

وإذا كان هذا هو قَدَرُ العالم في هذه اللحظة التاريخية، كما هو قَدَرُ العالم العربي من وراء ذلك، فإن الدول التي تتمتع بمقدرات اقتصادية عالية ـ ومن بينها كثير من الدول العربية ـ تمتلك حظا أوفر للدخول السلس إلى العالم الليبرالي.

ولعل من المبهج في هذا السياق أن كثيرا من القرارات الأخيرة في دولنا المحافظة تصبّ في دعم هذا التوجه الانفتاحي الواعد بمزيد الانخراط في هذا العالم، هذا العالم الذي لا يتوقف عن التطور، والذي لا يتبنى خيار الانعزال فيه/ عنه إلا من يحكم على نفسه بالغياب المنتهي بالاندثار/ الزوال.

اقرأ للكاتب أيضا: بين الاستعمار والتنوير

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…

"في 20 مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل نايتس، حمدي مالك، وأيمن جواد التميمي، مؤلفي الدراسة الأخيرة "التكريم من دون الاحتواء: مستقبل "الحشد الشعبي" في العراق". ونايتس هو زميل أقدم في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. ومالك هو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقره في لندن حيث يعمل في "آي. آي. تي. في." (IITV). والتميمي هو محلل مستقل ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من "جامعة سوانزي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل نايتس

استمد عنوان التقرير "التكريم من دون الاحتواء" من محادثة مع مسؤول عراقي في بغداد، الذي قال بأنه يجب "تكريم واحتواء" "قوات الحشد الشعبي" في البلاد. وحتى الآن، لم يتم تحقيق سوى الجزء الأول من هذه الصيغة. وأفضل طريقة لتحقيق الجزء الثاني هي من خلال الإصلاح النشوئي لقطاع الأمن، مع الإقرار بأن احتواء "قوات الحشد الشعبي" يُشكل على المدى القريب هدفا أكثر عملية من تسريحه ونزع سلاحه وإعادة دمجه.

وأحد أكبر التحديات التي يطرحها "الحشد الشعبي" هي القيادة والتحكم. فقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ العمليات دون علم الحكومة. ففي أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون ووحدات رئيسية من "الحشد الشعبي" في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم بصورة غير قانونية. وشن بعض عناصر "الحشد" أيضا هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة (مثل السعودية) واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق، ولكنها نفت جميعها ضلوعها في أي من تلك العمليات. وأدّت هذه الهجمات في النهاية إلى شن الضربة الأميركية التي أودت بحياة قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير.

يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قامت الحكومة الجديدة التي شكّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باستعراض مبكر لعزمها من خلال مداهمة ميليشيا في البصرة كانت تستهدف المتظاهرين. وتعهّد الكاظمي أيضا بإيجاد السجون الخاصة التي اعتُقل فيها بعض المتظاهرين والتحقيق في مقتل البعض الآخر. ولكن يجدر بالمراقبين الخارجيين توقّع أن يكون مثل هذا التقدم تدريجيا، بما أنه لا يزال على الكاظمي مواجهة تجدد تنظيم "الدولة السلامية" ووباء "كوفيد 19" والتعامل مع انهيار اقتصادي ساحق.

وفي النهاية، سيكون تسريح "قوات الحشد الشعبي" صعبا جدا نظرا لوجودها العسكري والسياسي الكبير في العراق. ومع ذلك، هناك مجال للإصلاح، وسبق أن أظهر العراقيون إجماعا كبيرا حول العديد من القضايا ذات الصلة. أما خارطة الطريق للإصلاح فتتألف من ثلاث مراحل حاسمة. أولا، يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعها لقيادة وتحكم السلطات الوطنية. ثانيا، إن "الحشد الشعبي" بحاجة إلى أدوار ومهام محددة، وهذا أمر يمكن تحقيقه في إطار مراجعة للدفاع الوطني بالتعاون مع الجهات المانحة الأجنبية. والمرحلة الثالثة هي أبعد من ذلك: عملية إعادة انتشار تدريجية تعود فيها قوات الميليشيات من الميدان للخضوع لتدريب يحوّلها إلى قوة محترفة.

حمدي مالك

إن "ألوية العتبات" في العراق هي تنظيمات شبه عسكرية مرتبطة بالمقامات الشيعية، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع: "لواء أنصار المرجعية" و"لواء علي الأكبر" و"فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية". ولا علاقة لهذه الوحدات بـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بل هي تابعة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الذي تعتبره مصدر محاكاة لها.

وتضم وحدات "العتبات" بالإجمال نحو 18,000 جندي في الخدمة الفعلية وعشرات الآلاف في صفوف الاحتياط. وتُعتبر "فرقة العباس" الأكثر قدرة عسكريا بين التنظيمات الأربعة، وتتمتع بإمكانيات هجومية يعززها التدريب اللوجستي وتعاونها في مجال الدعم الناري مع وزارة الدفاع العراقية.

وهناك العديد من الخصائص التي تميّز "العتبات" عن الوحدات الموالية لإيران والخاضعة لهيمنة "الحرس الثوري" داخل "الحشد الشعبي". أولا، لا تعمل "العتبات" إلا مع المؤسسات الوطنية العراقية ويُحظر عليها الارتباط بقادة "الحرس الثوري" أو شخصيات عسكرية أجنبية أخرى. 

ثانيا، تبقى هذه الألوية خارج العملية السياسية، في حين ذهبت التنظيمات الموالية لإيران إلى حد تشكيل أحزاب سياسية خاصة بها. 

ثالثا، لا تَعتبِر وحدات "العتبات" بأن الولايات المتحدة عدوة لها. وعلى الرغم من أنها أدانت الإجراءات الأميركية من حين لآخر (على سبيل المثال، قصف موقع بناء في "مطار كربلاء الدولي" في مارس)، إلا أنها تتجنب بشكل عام التعبير عن مشاعر معادية للولايات المتحدة أو التصرف بناءً على تلك الآراء. 

أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى

رابعا، لم يتم اتهام "العتبات" بانتهاك حقوق الإنسان. وفي الواقع، إنها غير مهتمة بالتواجد داخل المناطق العربية السنية التي وقعت فيها العديد من هذه الانتهاكات، في حين أن المناطق الرئيسية التي تهتم بها هي المدن الشيعية المقدسة، كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار. ولم يتم اتهام العتبات بالابتزاز أيضا، بخلاف الكثير من جماعات "الحشد الشعبي" التي تستخدم مثل هذه التكتيكات للحفاظ على وجودها، وبالتالي تُفاقم المظالم بين السكان السنة.

والواقع أن هذه الاختلافات تضع "العتبات" والميليشيات الموالية لإيران على طرفَي نقيض. فحتى قبل مقتل المهندس في يناير، سعت "وحدات الأضرحة" ("ألوية العتبات") إلى إقالته من قيادة "الحشد الشعبي"، وأظهرت بعد وفاته معارضة شديدة لخلفه الذي طُرح اسمه من قبل ميليشيا "كتائب حزب الله" التي ينتمي إليها، والتي حاولت تعيين القيادي الموالي لإيران أبو فدك رئيسا جديدا للعمليات في "قوات الحشد الشعبي". 

وفي النهاية، انسحبت "العتبات" من "هيئة الحشد الشعبي" برمّتها وتعهدت بمساعدة الجماعات الأخرى على الانشقاق عنها.

وقد تسبّب انسحابها، من بين عواقب أخرى، بالمساس بالشرعية الدينية التي تتمتع بها التنظيمات الموالية لإيران. إذ تشكّل "العتبات" سابقة للمتطوعين شبه العسكريين الذين يعملون بموافقة آية الله السيستاني. وحين انشقّت عن "الحشد"، رأى كثيرون في ذلك أنها طريقة السيستاني للبدء بسحب تأييده لـ "قوات الحشد الشعبي". وردا على ذلك، التقى هادي العامري وأحمد الأسدي وشخصيات رفيعة أخرى من التنظيمات الموالية لإيران بممثلين عن السيستاني في كربلاء، في محاولة لإقناع "العتبات" بالعودة إلى جناحها.

وعلى النطاق الأوسع، تشكل "وحدات الأضرحة" نموذجا يمكن الاقتداء به لتحسين "الحشد الشعبي". وبصرف النظر عن معارضتها للهيمنة الإيرانية، أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى.

أيمن جواد التميمي

تملك العديد من فصائل "الحشد الشعبي" ـ ومنها التنظيمان الرئيسيان "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" ـ هوية مزدوجة كجماعات "مقاومة" معادية للولايات المتحدة وكألوية مسجلة في المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية. 

وفي دورها الأول، لم تتوانَ عن شجب الوجود الأميركي الذي تصفه بالاحتلال وتوجيه التهديدات. ومع ذلك، فإن دورها الثاني ككتائب رسمية تابعة لـ "الحشد الشعبي"، يجعل من الخطر عليها شن هجمات علنية ضد أهداف أميركية. ومن ناحية علاقتها بإيران، فقد تبّنت أهدافا معينة تتماشى مع مصالح طهران (على سبيل المثال، الحفاظ على وجود "قوات الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا)، ولكنها لا تخضع لإدارة دقيقة من قبل "الحرس الثوري".

لقد ظلَّ موقف فصائل "المقاومة" هذه دون تغيير إلى حد كبير منذ مقتل سليماني والمهندس. وخفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة. 

خفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة

ومع ذلك، لا تزال التنظيمات تحرّض ضد الوجود الأميركي وتصدر التهديدات، على الرغم من أن دورها الأخير في الهجمات الفعلية لا يزال غير مؤكد. ويبدو أن بعض ألوية "الحشد" تعتقد أنها لا تستطيع استهداف الوجود الأميركي بشكل مباشر لأنها جزء من مؤسسة حكومية عراقية. وتبنّت كيانات جديدة مختلفة الضربات التي وقعت هذا العام (على سبيل المثال، "عصبة الثائرين")، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه عناصر منشقة حقيقية أم مجرد فصائل مقاومة تابعة لـ "الحشد" وتعمل تحت اسم مختلف للتمكن من إنكار دورها بشكل معقول.

فضلا عن ذلك، عارضت بعض فصائل المقاومة بشدة تعيين الكاظمي واتهمته بالتواطؤ في مقتل سليماني والمهندس. وبعد أن أصبح الكاظمي رئيسا للوزراء، تحرّك ضد جماعة "ثأر الله" في البصرة بسبب ضلوعها في قتل المتظاهرين وإصابتهم. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحرك المنفرد على أنه خطوة أوسع ضد "الحشد الشعبي" أو فصائل "المقاومة". وأحد أسباب ذلك هو أن "ثأر الله" هي مجرد تنظيم صغير بالمقارنة مع "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". 

بالإضافة إلى ذلك، تفاخر "الحشد الشعبي" بزيارة الكاظمي الأخيرة إلى مقره، حتى أنه منحه بزّة نظامية خاصة بـ "الحشد" لارتدائها. ويبدو من غير المحتمل أن يتمكّن رئيس الوزراء من إعطاء الأمر بمداهمة فصائل "المقاومة" الأكبر حجما، أو اتخاذ إجراءات مماثلة ضدها، لأنه ملزم باحترام مؤسسة "الحشد الشعبي" بصفة عامة.

أعدت هذا الملخص حنا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".
المصدر: منتدى فكرة

The Future of Iraq's Popular Mobilization Forces

Posted by The Washington Institute for Near East Policy on Wednesday, May 20, 2020