متظاهرة ترفع شارة النصر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في الخرطوم
متظاهرة ترفع شارة النصر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في الخرطوم

بابكر فيصل/

ما يزال الحراك الثوري السوداني مستمرا برغم إبعاد الجنرال عمر البشير عن دست الحكم وإجبار نائبه الأول ووزير دفاعه الذي استلم السلطة على التنحي في أقل من أربع وعشرين ساعة، حيث يواصل آلاف الثوار اعتصامهم الذي بدأ منذ السادس من نيسان/أبريل أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة مطالبين بتسليم السلطة لمجلس مدني انتقالي.

بدأت نذر المواجهة تظهر مبكرا بين الثوار الذين تمثلهم قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي الذي شكلته اللجنة الأمنية التي استلمت السلطة بعد خلع الجنرال البشير، وذلك لعدة أسباب جاء في مقدمتها مماطلة المجلس في الموافقة على مطالب الثوار بنقل السلطة لمجلس سيادة مدني يتم فيه تمثيل الجيش بشكل محدود، إضافة لتشكيل حكومة مدنية ومجلس تشريعي يتم ترشيحهما من قبل قوى الإعلان.

من الجلي أن العسكر باتوا يراهنون على كسب الوقت وإحداث بلبلة وتشققات في صف قوى الثورة

​​كذلك أعلنت قوى الحرية والتغيير بوضوح تحفظها على وجود عدد من العسكريين المعروفين بانتمائهم لنظام الجنرال المخلوع، وفي مقدمتهم الجنرال عمر زين العابدين الذي تقلد رئاسة اللجنة السياسية للمجلس العسكري وسعى من خلال موقعه لطمس معالم الثورة عبر الدخول في مفاوضات مع فلول النظام ممثلة في حزب حكومة البشير وبقية الأحزاب التي شاركته السلطة حتى تصبح جزءا من قوى الثورة التي قامت أساسا ضد نظام حكمهم الاستبدادي الفاسد.

هذه المماطلة وتلك المحاولة لتشويه الثورة جعلت قوى إعلان الحرية والتغيير تتخذ قرارا حاسما بوقف الحوار والتواصل مع المجلس العسكري فورا، والشروع في تشكيل المجلس السيادي والحكومة والمجلس التشريعي من طرف واحد، كما دعت جموع الثوار لمواصلة الاعتصام المستمر أمام مبنى القيادة العامة للجيش منذ السادس من نيسان/أبريل، بجانب دعوتها لاستئناف المواكب والتظاهرات والاعتصامات في جميع أنحاء البلاد.

تزامنت قرارات قوى إعلان الحرية والتغيير مع مطالبات المجتمع الدولي بضرورة الإسراع في تسليم السلطة لحكومة مدنية، وهى المطالبات التي ابتدرها "الاتحاد الأفريقي" الذي منح المجلس العسكري مهلة زمنية تمتد لثلاثة أشهر للوصول لتلك الحكومة، وكذلك ظهرت مطالبات مشابهة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

شكلت تلك القرارات ضغطا كبيرا على المجلس العسكري الذي أدرك أنه سيدخل في صدام حتمي مع الجماهير المحتشدة بطول البلاد وعرضها، وهو ما دفعه للتحرك في طريق الاستجابة لمطالب الثوار عبر اعترافه بقوى إعلان الحرية والتغيير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للثورة، كما أعلن عن تقديم ثلاثة من أعضائه المحسوبين على النظام البائد لاستقالاتهم، ودعا لتشكيل لجنة مشتركة بين المجلس وقوى الحرية للتفاوض حول قضايا الانتقال.

في ذات الأوان بدأت فلول النظام المباد وعناصر الثورة المضادة تنشط من خلال بث الشائعات حول الخلافات الكبيرة بين المجلس العسكري والثوار، إضافة للتشكيك في مصداقية قيادات إعلان الحرية والتغيير واتهامهم بالسعي لإقصاء جميع القوى السياسية والعمل على احتكار الثورة والاستئثار بمكتسبات الجماهير.

كذلك سعت قوى الثورة المضادة لخلق فوضى شاملة في البلاد من خلال اتهام جماهير الثورة بمعاداة الدين الإسلامي، وقد تمثل ذلك في خطبة الفتنة التي ألقاها أحد أئمة المساجد المنتمين للنظام البائد يدعى "عبد الحي يوسف"، وقال فيها إن الثوار يسعون لإلغاء الشريعة الإسلامية، ودعا لتنظيم مسيرة مليونية تحت مسمى "نصرة الشريعة" يحتشد فيها مناصرو تيار الإسلام السياسي وتتوجه نحو القصر الرئاسي في الخرطوم.

غرافيتي على أحد جدران العاصمة السودانية

​​كما أقام حزب المؤتمر الشعبي، وهو أحد أذرع جماعة الإخوان المسلمين، وكان جزءا من النظام البائد وحليفا للطاغية المخلوع عمر البشير، اجتماعا استفزازيا لمجلس الشورى التابع له، مما دفع بعض الجماهير للاحتكاك مع أعضاء ذلك الحزب وحصبهم بالحجارة وهو الأمر الذي استدعى تدخل الجيش وتم على أثره اعتقال العديد من قادة ذلك الحزب وأطلق سراحهم لاحقا.

تم تشكيل اللجنة المشتركة بين قوى الثورة ومجلس العسكر، وبدأت أعمالها السبت الماضي بمناقشة نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين وفي مقدمتها مطالبة قوي إعلان الحرية بضرورة حل المجلس العسكري وتشكيل مجلس سيادة مدني يحتفظ فيه الجيش بتمثيل محدود، حيث ووجه ذلك الطلب بإصرار العسكر على استمرار المجلس بحجة مواجهة المخاطر الأمنية الكبيرة التي تحيق بالبلاد.

توصل الطرفان إلى تكوين مجلس سيادي مختلط يضم مدنيين وعسكريين، وحتى كتابة هذه السطور ما تزال معضلة الاتفاق على النسب المحددة للتمثيل قائمة، مع إصرار العسكر على أن يمثلوا الأغلبية داخل المجلس وهو الأمر الذي ترفضه قوى الحرية والتغيير.

من الجلي أن العسكر باتوا يراهنون على كسب الوقت وإحداث بلبلة وتشققات في صف قوى الثورة تؤدي إلى قبول الأخيرين باستمرار المجلس العسكري أو الموافقة على هيمنتهم على المجلس المختلط المقترح، يساعدهم في ذلك ارتفاع صوت قوى الثورة المضادة وأذيال النظام البائد عبر نشر الشائعات التي تشكك في مصداقية مواقف قوى الحرية والتغيير.

الطريق طويل أمام الثوار حتى يدركوا أهدافهم التي عبر عنها شعار "حرية سلام وعدالة"

​​من الجانب الآخر، تسعى قوى الحرية والتغيير بجدية لتفادي أية صدام أو مواجهة مع المجلس العسكري تكون نتيجتها زعزعة الأوضاع في البلاد وانتشار الفوضى، وهو الأمر الذي تسعى إليه قوى الثورة المضادة وفلول النظام المدحور، ولكن يبدو واضحا لقوى الثورة أن المماطلة في الانتقال للوضع الجديد ستكون عواقبها وخيمة، وأن الاستسلام لمطالب العسكر تعني إجهاض الثورة وأهدافها التي قامت من أجلها.

كذلك تدرك قوى التغيير أن سلاحها الأمضى للضغط على العسكر هو الاعتصام الجماهيري المستمر منذ ثلاثة أسابيع، وأن الدرس الأول المستفاد من ثورات الربيع العربي خصوصا في مصر هو عدم اللجوء لفض الاعتصام قبل أن تتحقق مطالب الثوار الأساسية، وبالتالي فإن من المرجح أن تشهد الأيام المقبلة تصعيدا كبيرا في الحشد داخل ميدان الاعتصام وربما المضي لأبعد من ذلك بإعلان العصيان المدني في جميع أنحاء البلاد.

استطاعت الثورة السودانية، التي دخلت شهرها الخامس، أن تحقق العديد من المكاسب جاء على رأسها خلع الطاغية البشير، ولكن ما يزال الطريق طويلا أمام الثوار حتى يدركوا أهدافهم التي عبر عنها شعار "حرية سلام وعدالة" الذي رفعوه خلال الثورة، وهو الشعار الذي لن يتنزل على أرض الواقع إلا بعد وضع الأساس السليم لمرحلة الانتقال التي تمهد لاجتثاث بنيان دولة الاستبداد والفساد وتؤسس لقيام الحكم الديمقراطي المستدام.

اقرأ للكاتب أيضا: في ذكرى رحيل الشيخ العقلاني خليل عبد الكريم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.