القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين محمد البلتاجي خلال إحدى جلسات محاكمته عام 2018
القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين محمد البلتاجي خلال إحدى جلسات محاكمته عام 2018

جويس كرم/

ليس بالمفاجئ حديث البيت الأبيض هذا الأسبوع عن بدء مراجعة داخل الإدارة الأميركية لإدراج تنظيم الإخوان المسلمين منظمة إرهابية وإمكانية إلحاقه بالحرس الثوري الإيراني وداعش ومجموعات أخرى على لائحة "المنظمات الإرهابية الأجنبية" للخارجية الأميركية، إنما الآلية العملية لذلك هي أصعب من الفكرية والجيوسياسية في النقاش الذي يخوضه فريق دونالد ترامب.

فكريا، لا جدل أن هذه الإدارة الأميركية فتحت معركة منذ يومها الأول ضد الإسلام السياسي سواء كان مصدره النظام في إيران أو الفكر الجهادي. هذه المعركة دفعت مستشار الأمن القومي الأول لترامب، مايكل فلين، ليضع الاقتراح المبكر في الأسبوع الأول لترامب في الحكم في كانون الثاني/يناير 2017 لإدراج حركة الإخوان تنظيما إرهابيا. ولحقه مستشار الأمن القومي الثاني هربرت ماكماستر ليتهم في محاضرة نهاية 2017 تركيا والفكر الإخواني بـ"تصدير التطرف". أما المستشار الثالث لترامب والأقرب له اليوم، أي جون بولتون، فهو أكثر تشددا في هذا الملف من سلفيه، وأنشأ قبل دخوله إدارة ترامب، تنظيمات يمينية لمحاربة الإسلام السياسي.

إننا في مسار تصعيدي بين واشنطن والإخوان مع انتهاء المراجعة سواء تم تصنيف التنظيم بأكمله أو فروع أو مراكز تابعة له

​​جيوسياسيا أيضا، هناك تلاق استراتيجي لإدارة ترامب مع المحور المعارض للإسلام السياسي في المنطقة أي السعودية ومصر والإمارات والبحرين، وجميعها سبق لها إدراج التنظيم على لوائح الإرهاب. هذا التلاقي لا ينحصر بالنظرة لحركة الإخوان، بل بملفات أخرى مثل إيران ودورها الإقليمي.

ويبدو هنا أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لواشنطن بداية نيسان/أبريل هيأت لتحولات في الموقف الأميركي في موضوع ليبيا وفي ملف الإخوان. فاتصال ترامب بخليفة حفتر والتسريبات في "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" حول تصنيف التنظيم جرى البحث فيها خلال لقاء الرئيسين في البيت الأبيض. هنا قد ترتبط المقايضة الأميركية في حال إدراج تنظيم الإخوان أو فرعه المصري، بتعاون اقتصادي وعسكري أكبر مع مصر، وإبعاد القاهرة عن الجانب الروسي.

مع ذلك، ورغم الخلفية الفكرية والجيوسياسية التي قد تدفع إدارة ترامب لمعاقبة حركة الإخوان، فهناك تعقيدات قانونية وعملية على الأرض قد تعرقل ذلك. فالنطاق الواسع للحركة التي تأسست في 1928 على يد حسن البنا، ولها اليوم مئات الفروع أو المجموعات التابعة لها في نحو تسعين دولة، تجعل من الصعب إحاطتها بتعريف واحد. فإخوان المغرب ومشاركتهم السياسية يختلفون عن إخوان الأردن وليبيا وتونس واليمن وغيرهم. فرغم النهج الفكري الذي يشكل المظلة الأوسع للإخوان ويتقاطع مع الفكر الجهادي وإرث سيد قطب، فإن لكل فرع في الإخوان المسلمين خصوصيته ولواشنطن اعتبارات مختلفة في التعاطي معه.

البديل أمام واشنطن هو في إدراج فروع للتنظيم أو قيادات ضالعة في تمويل أو دعم الإرهاب

​​أما قانونيا، فعلى وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو الذي يؤيد إدراج حركة الإخوان أن يثبت ـ وبحسب الفقرة 1182 من قانون الإدارج ـ أن للتنظيم القدرة والنية للانخراط بأعمال إرهابية وأن هذه الأنشطة تهدد الأمن القومي الأميركي أو المواطنين الأميركيين. هذا التبرير ليس مستحيلا أو قد يقرر بومبيو تجاهله إنما الفروع المختلفة للتنظيم ورصيده المتباين بين تجربة مصر حيث لجأ إلى العنف، وفي بريطانيا مثلا حيث الأدلة أقل على ذلك، قد تفتح تحديات قانونية أمام الإدارة في المحاكم الأميركية وفي حال أدرجت التنظيم بأكمله.

البديل أمام واشنطن هو في إدراج فروع للتنظيم أو قيادات ضالعة في تمويل أو دعم الإرهاب. إنما قد تقرر إدارة ترامب خوض معركة مفتوحة مع الإخوان واستهدافه بشكل يتيح لها عقوبات اقتصادية وقانونية تتعلق بالهجرة وتواجده في الولايات المتحدة، رغم العوائق القانونية. ليس من المؤكد أن ترامب حسم قراره في هذا شأن التصنيف، إنما ما من شك أننا في مسار تصعيدي بين واشنطن والإخوان مع انتهاء المراجعة سواء تم تصنيف التنظيم بأكمله أو فروع أو مراكز تابعة له.

اقرأ للكاتبة أيضا: المواجهة أو المفاوضات بين إيران وترامب؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.