فيسبوك صار "كرة أرضية" جديدة
فيسبوك صار "كرة أرضية" جديدة

نضال منصور/

بدون مقدمات أعلن الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرغ عن خطته لإنشاء هيئة مستقلة لاتخاذ القرارات بشأن أنواع المحتوى الذي سيسمح لمستخدمي المنصة بنشره.

قال مارك في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي "يمكنكم أن تتخيلوا شكلا من الهيكل أو الإطار ـ أطلق عليه محكمة عليا ـ تتكون من أشخاص مستقلين، ولا يتبعون أو يعملون لصالح فيسبوك، يصنعون ويقررون ويملكون الحكم النهائي لما يجب أن يكون خطابا مقبولا ويعكس المعايير والقيم الاجتماعية للأشخاص في جميع أنحاء العالم".

لم يترك زوكربيرغ الأمر مفتوحا للتكهنات، بل أكد أن فكرة "المحكمة العليا"، إن جاز هذا التعبير، ستدخل حيز التنفيذ في غضون عام من إعلانها، مؤكدا أن هذه المحكمة أو المجلس الإشرافي سيتمتع بالاستقلالية والشفافية في عمله.

أكثر ما يقلقني أن يتحول "المجلس الإشرافي" لأداة للرقابة المسبقة

​​حتى يتحقق وعد زوكربيرغ بدأت فيسبوك حملة استشارات عالمية لبلورة تصور حول ماهية هذه المحكمة أو المجلس، ومن سيضم وكيف سيعمل وما هي صلاحيته؛ والأخطر والأهم ما هي المرجعيات والمحددات التي سيحكم من خلالها أعضاء المجلس بصحة وصلاحية المحتوى؟

فيسبوك شركة ربحية خاصة، هذا صحيح ولا مجادلة فيه؛ لكن فيسبوك صار "كرة أرضية" جديدة، وهي بلا منازع دولة تتفوق على ما سواها من دول العالم بعدد سكانها، وتنوعهم، واختلافاتهم، وتنوع أصواتهم، وتتفوق على العديد من الدول بمواردها الاقتصادية أيضا.

زعيم دولة فيسبوك ورئيسها وجد أن الأفضل أن يتشارك مع سكان عالمه في الحكم، وأن يترك لهم مساحات لاتخاذ القرار بما يجدونه مناسبا لأن يبقى في دولتهم، أي منصتهم، وما يجب أن يزال ويشطب.

توجه فيسبوك هذا، وهي المنصة التي يستخدمها مليارين وثلاثمئة مليون مستخدم وينشر بها يوميا أكثر من مليار وخمسمئة مليون بوست وما يزيد عن مليار صورة، ينظر مراقبون لهذا التوجه، باعتباره خطوة بالاتجاه الصحيح لإشراك المستخدمين باتخاذ القرار، وهو ما يساعد إدارة المنصة على مواجهة الضغوط التي تتعرض لها من الحكومات وأجهزة الأمن لكشف معلومات عن المستخدمين، أو لإزالة محتوى لا تجده فيسبوك مخالفا للقانون أو يشكل تهديدا للأمن أو السلم المجتمعي أو يعارض قيما عالمية متفق عليها.

أما وجهة النظر الأخرى، فترى أن التوجه بتشكيل مجلس إشرافي هو إشارة إلى أن إدارة فيسبوك تحاول التنصل من مسؤولياتها والتزاماتها القانونية والأخلاقية، لتضع وزرها على أكتاف مجموعة من الشخصيات والخبراء المستقلين في العالم بعد أن تزايدت الاتهامات الموجهة لها بأنها أصبحت ملاذا آمنا للإرهابيين، وسمحت بالترويج لخطاب الكراهية، وأسهمت في انتهاك الخصوصية، والأسوأ ما يشاع ويلفق ضدها بأنها تتاجر بمعلومات عن مستخدمي عالمها.

على مدار يوم في دبي كنت من بين عشرين خبيرا بمجالات متعددة منشغلين في نقاشات ساخنة حول فكرة مارك زوكربيرغ بتأسيس مجلس إشرافي.

أسئلة كثيرة طُرحت، وإجابات وسيناريوهات واحتمالات عديدة قدمت لقيادات من فيسبوك حضرت أعمال الطاولة المستديرة، وحرصت على الاستماع بعناية لكل الهواجس والمخاوف والنقاط المشرقة للفكرة بحرية ودون تدخل أو محاولة فرض رأيهم على المتحاورين.

أكثر ما كان يخيفني، وربما شاركني الحضور بذات المشاعر، أن يتحول المجلس الإشرافي إلى أداة لفرض الرقابة المسبقة على المحتوى، فأكثر ما ميز ويميز منصات التواصل الاجتماعي وأبرزها فيسبوك أنها عالم حر ومفتوح لا يخضع لسلطة، ولا تحكمه القيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة، وهو فضاء مستقل يعبر فيه الناس عن أنفسهم دون قيود وأنظمة وقوانين مجحفة.

كنت قلقا مع أنني أدرك أن مستخدمي منصات الاجتماعي تلاحقهم القوانين المقيدة في بلدانهم، وتهدد حقهم في حرية التعبير، وأن آلاف الأشخاص، إن لم يكن أكثر بكثير، خلف قضبان السجون بسبب نشرهم لأرائهم وتعليقاتهم على فيسبوك.

أكثر ما كان يشغلني خلال النقاش وقد استدعى أن أؤكد عليه مرارا: ما هي المرجعية التي ستحكم تفكير أعضاء المجلس الإشرافي في فيسبوك عند نظرهم في الشكاوى، والبلاغات والتظلمات من الأشخاص أو الدول؟

مارك روكربيرغ

​​ما هي المسطرة التي سيستخدمها أعضاء المجلس الإشرافي حين النظر في شكوى لدولة غير ديمقراطية من عالمنا العربي احتجاجا على نشر انتقادات للزعيم أو الحاكم؟

كيف سيتعامل مجلس الإشراف مع شكاوى المحافظين عن الصفحات الخاصة بالمثليين جنسيا؟

الدساتير والقوانين والقيم مختلفة عالميا، فما هو القاسم المشترك الذي سيحدد سياسات فيسبوك لتكون مقبولة، وليتمكن مجلس الإشراف من ممارسة دوره باستقلالية دون أن يهدد حرية التعبير، وبما يحفظ الأمن والسلم المجتمعي؟

كنت من دعاة أن تكون الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هي المرجعية الأساسية للمجلس الأشرافي، فالمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تملك شرعية عالمية ووطنية، وأكثر بلدان العالم مصادقة عليها، وملزمة بتطبيقها، وتسمو على قوانينها الوطنية، وبالتالي يمكن الرجوع إليها والاعتداد بها، وهذا يرفع عن كاهل فيسبوك والمجلس الإشرافي عبأ البحث عن سياق و"دستور" وميثاق لعملهم يتفق عليه أعضاء قادمون من ثقافات ومرجعيات مختلفة.

المهمة ليست سهلة إطلاقا، والوعد حتى يتحقق تعترضه عشرات الأسئلة الملحة منها: كيف سيختار المجلس الإشرافي؟ ومن سيختاره؟ وكم سيبلغ عدد أعضائه؟ وما هي الخبرات المطلوبة؟ وكيف سيمارس الأعضاء عملهم؟ وهل سينظرون بكل الشكاوى والبلاغات والطعون؟ وهل ستكون قراراتهم ملزمة لإدارة فيسبوك؟!

جولة النقاشات الأولية قدمت إجابات محتملة، ولكن ليست حاسمة وقاطعة. فالأفضل أن تتشكل مجالس إشرافية للمناطق الجغرافية؛ على سبيل المثال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتضم هذه المجالس خبراء من ذات المنطقة يعبرون عن التنوع المجتمعي، ويُمثل فيه المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، ومؤسسات المجتمع المدني، والصحفيين، وخبراء بالمحتوى، وجماعات الحقوق المدنية، ولا يغيب عنه ممثلين عن الفئات المهمشة.

بالتأكيد لا يستطيع أعضاء المجلس النظر بكل الشكاوى والبلاغات التي تعد بالملايين، وإنما تعرض إدارة فيسبوك القضايا الهامة التي تشغل الرأي العام، وقرارات المجلس ملزمة، ولا يمكن لإدارة فيسبوك تغييرها أو العودة عنها، بما في ذلك وضع السياسات المتعلقة بالمحتوى.

التصور الأولي أن تختار فيسبوك بالشراكة مع المستخدمين (مجتمع فيسبوك) أول مجلس إشرافي، ولا يجوز عزل أو إقالة أعضاء هذا المجلس إلا إذا خالفوا شروط عضويتهم وعملهم.

سيعكف المجلس، عدا عن النظر بالشكاوى والبلاغات، إلى وضع وتطوير قيم عالم فيسبوك، وتطوير السياسات، وبناء تصور مفاهيمي للتعامل مع إشكاليات خطاب الكراهية، أو التحريض على العنف، وضمان الخصوصية، وتكريس الكرامة الإنسانية، والمساواة، وعدم الترويج للدعارة، وما يستجد من قضايا تطفو على سطح فيسبوك يوميا.

قلت خلال نقاشات الطاولة المستديرة في دبي إني لست ميالا لإطلاق اسم "محكمة فيسبوك" على مجلس الخبراء الذي سيشكل حتى لا نضفي صفة "التقديس" على قراراته، وحتى يكون قابلا للطعن، وحتى لا تتخذ قراراته منحى قانونيا، وركزت على أهمية أن تشجع إدارة فيسبوك مؤسسات المجتمع في الأقاليم والمناطق الجغرافية على تأسيس مراصد لمراقبة قرارات وأعمال هذه المجالس حتى تبقى تحت عين المجتمع ورقابته.

لم يوقف المجلس الإشرافي سيل القضايا الكثيرة التي تحال للمحاكم الوطنية للنظر في شكاوى محتوى منشور على فيسبوك قدمها أشخاص أو حكومات أو شركات يتظلمون من ضرر تعرضوا له بسبب عملية النشر، غير أن هذا المسار قد يعزز الثقة أن فيسبوك جادة بالاستماع للأصوات التي تبدي ملاحظات ولها تظلمات عن المحتوى الذي ينشر ومدى ملائمته للقيم المجتمعية والإنسانية.

تخضع فيسبوك لضغوط من حكومات لكشف معلومات عن المستخدمين

​​معركه فيسبوك مشوار طويل لن ينتهي بتشكيل مجالس إشرافية، فقد كشف تقرير صادر عنها أنها أزالت بين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر من العام الماضي (2018) أكثر من مليارحساب، وهو ما ساهم في تقليل المحتوى غير المرغوب فيه مثل الحسابات المزيفة، والاستغلال الجنسي للأطفال، والتعري والنشاط الجنسي للبالغين.

يكشف تقرير فيسبوك النقاب عن معلومة هامة تظهر ارتفاع الطلبات الحكومية بالإفصاح عن حسابات للمستخدمين بنحو 26 في المئة في جميع أنحاء العالم، مقارنة بالنصف الثاني من عام 2017، حيث بلغ مجموع الطلبات الحكومية 108 آلاف و815 طلبا.

على نحو أو أكثر، من مصلحتي أن تظل منصة فيسبوك داعمة وضامنة لحرية التعبير، ولهذا نزح الناس لها حين ضاق عالمهم الحقيقي بأصواتهم، ولذلك سأكون مع فيسبوك بما يضمن استقلالية عملها وأن تظل فضاء مفتوحا لكل الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: الكراهية والعداء يتصاعدان والإعلام في خطر

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!