يحتفلون باليوم العالمي للكسل (19 آب/أغسطس) في كولومبيا
يحتفلون باليوم العالمي للكسل (19 آب/أغسطس) في كولومبيا

منى فياض/

يطرح عالم الأنتربولوجيا الإسرائيلي يوفال هراري في فصل "العمل" في كتابه الجديد: "21 درسا للقرن 21"، إمكانية الاستغناء عن خدمات ملايين أو حتى مليارات البشر في مستقبل غير بعيد، أي في حدود 2050، إذا لم تتخذ تدابير معينة للحد من فقدان البشر وظائفهم لصالح الذكاء الاصطناعي من نوع روبوتات أو لوغاريتم أو ما شابه.

يبدو أن تحديات جذرية بانتظار البشرية تفوق ما عرفته عندما حلت الآلة، في القرن التاسع عشر، مكان الإنسان وقامت عنه بالجهد الجسدي. فمع الذكاء الاصطناعي سيتمكن الروبوت من القيام بالجهدين الجسدي والمعرفي أيضا. طبعا يظل من الصعب استبدال الانسان بالآلة في المهام غير الروتينية والتي تتطلب الاستخدام المتناظر لمروحة واسعة من المهارات لمواجهة سيناريوهات غير متوقعة.

الزمن الوحيد الذي يرتاح فيه الغربي من ثقل الوقت هو الوقت المخصص للترفيه

​​لكن تطور الذكاء الاصطناعي المتسارع والمستمر، يجعل المطلوب من الموظفين هو أن يتعلموا تقنيات جديدة وأن يتدربوا على وظائف جديدة باستمرار، كما يحصل الآن في قطاع المال والتأمين مثلا. ولو تدخلت الحكومات ووضعت شبكات أمان للفترات الانتقالية، كما تفعل البلدان الإسكندنافية؛ فلن يستطيع ملايين البشر إعادة اختراع أنفسهم في كل مرة دون أن يفقدوا توازنهم الذهني. الأمر الذي يتطلب وضع موديلات (نماذج) اقتصادية واجتماعية جديدة.

النتيجة هي تحد جديد أمام البشر: النضال ضد فقدان الوظيفة بدل النضال ضد الاستغلال. ما يعني أن أعدادا هائلة منهم سيصبحون غير ضروريين كمنتجين وبالتالي "لا لزوم لهم".. طبقة من دون نفع "a useless class" ويدار العالم من دونها. ليس فقط بسبب نقص تحصيلهم العلمي والتربوي الملائم، بل لعدم كفاية طاقتهم الذهنية أيضا.

كذلك، لن يعرفوا عندئذ كيف يقضون أوقاتهم. حتى لو افترضنا تأمين مورد قاعدي للحاجات الأساسية لكثيرين كما تناقش الآن في فرنسا وغيرها، تبقى المشكلة أن انفتاح الأسواق على بعضها البعض يؤدي إلى أن المتضررين سيعيشون في البلدان غير النامية. فالأتمتة ستجعل ملايين من الفقراء عاطلين عن العمل عندما تصبح السلع منتجة بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد D3.

أعادتني هذه السيناريوهات إلى نص سابق لي عن الكسل أقارن فيه بين معناه في قاموس لاروس ومعناه في لسان العرب؛ وارتباطه بمفهوم العمل في الغرب. ففي السابق كان همّ السيسيولوجيين (علماء الاجتماع) متابعة تطور فكرة العمل والإنجاز التي استبدلها الغرب بالكسل الذي تتسم به المجتمعات التقليدية. فالذي يفرق بين العالم الصناعي عن العالم التقليدي أو النامي، النظرة الخاصة إلى الوقت وكيفية تمضيته.

يجد فان أوسيل أن البشر الذين لا ينتمون إلى المجتمع الصناعي يحكمون على العلاقة العصابية لهذا المجتمع بالوقت، وينظرون إلى الغربيين على أنهم أصبحوا عبيدا لمقياس الوقت الدقيق. مع ذلك، لم يقرر أحد في لحظة معينة أن الأمور يجب أن تكون كذلك. لقد دخل المقياس الدقيق للزمن لأن النسيج الاجتماعي المعقد صار أكثر تشابكا، وتوجب أن يكون نشاط البشر مترابطا تماما الواحد مع الآخر كي يسير المجتمع الصناعي بانسجام.

وبينما كان الفلاح يكتفي بمعرفة تقريبية للوقت بواسطة الشمس، استخدمت المدن الساعة الرملية، ثم ظهرت الساعة التي تقيس الوقت بدقة لامتناهية. الآن نجد "ساعة" بانتظارنا كيفما توجهنا: في معصمنا خوفا من عدم احترام الوقت أو من "ضياعه"، وفي الهاتف النقال وفي الكمبيوتر أو معلقة في مختلف الأمكنة. حتى ولو أردنا لما عاد باستطاعتنا العيش من دون ساعة كرونومترية تقيس لنا الوقت في كل حين.

الزمن الوحيد الذي يرتاح فيه الغربي من ثقل الوقت هو الوقت المخصص للترفيه، وهو أحد مستلزمات المجتمعات الصناعية، للانعتاق من الضغط المتواصل (Stress)، والتي استوجبت تطوير صناعات هائلة (والتي قد لا يغيب عنها الوقت). يتحقق ذلك جزئيا خلال الويك إند والعطل، حيث يعتبر الناس أن الراحة أو الاسترخاء تعني العيش من دون ساعة التكاسل.

أما في الشرق، فلا يزال كثيرون يحملون الساعة للزينة وليس للانضباط بمواعيدها، وربما لقياس مدة التأخير وليس لاحترام الوقت. حدثني أحدهم مؤخرا بإشفاق عن حياة شخص لبناني متقاعد ويعيش في أميركا بمبلغ 800 دولار بعد أن كدح طوال حياته. علق قائلا أليس من الأفضل لو أنه عاش هنا وزرع الفجل فكان عاش بشكل أفضل، على راحته ومن دون تعب!

هذا نمط التفكير العالمثالثي بامتياز، البحث عن الكسل والراحة وليس الإنجاز والعمل على تطور البلدان وإنمائها.

فالكسل والتكاسل لا يزال هنا "قيمة" بحد ذاته، بينما جعلته الثقافة الغربية مذموما. فاللاروس يعرفه: "إنه عيب يبعد عن العمل وعن بذل الجهد، الكسل يولد البؤس والفقر. وهو عدم اكتراث وبطء".

لذا عندما أطلق بول لافارغ، السياسي الفرنسي من أصل كوبي وصهر ماركس (عاش بين عامي 1842 و1911)، مقولته الشهيرة حول الحق بالكسل في المجتمع الصناعي، كانت مقولته حينها مدهشة وعكس التيار وتعبر عن نوع من الاعتراض على عُصَاب العمل في مجتمعات شديدة الحيوية والنشاط وفي عالم يقدّس العمل ويمجّده ويجعله هدفا للحياة ويغرق فيه محولا المجتمعات الغربية من حضارة الريف إلى حضارة المدن والتصنيع. ولم يعد الكسل مسموحا به إلا المستحق منه وللراحة بعد إنجاز العمل واسمه: وقت فراغ للترفيه.

جورج فريدمان كان أول سوسيولوجي فرنسي شدد على الدور الرئيسي للترفيه في أنسنة الحضارة التقنية التي كثيرا ما توصف بالتوحش. وليس علينا سوى التذكير بفيلم شابلن "أضواء المدينة" الذي يعطي فكرة عن نتائج مكننة العمل واستحواذه بشكل استلابي على الفرد.

للترفيه دور أساسي في أنسنة الحضارة التقنية التي كثيرا ما توصف بالتوحش

​​إن انفجار المهن الحرفية والتقليدية التي تنتج عملا خلاقا ومكتملا، وتفتيت المهام، يترك غالبا عند القائم بها شعورا بعدم الإنجاز وباللااكتفاء ومن هنا برز الإحساس بضرورة التعويض عبر تحقيق عمل ناجز وخلاق بشكل حرّ. لذا برزت سمة مقاومة التوقيت الكرونومتري عند العمال وأدت إلى المطالبة بـأوقات فراغ لاسترجاع مؤقت للزمن الميت والإيقاع الطبيعي حيث يطفو الوقت ذو النمط التقليدي ويسترجع حقه في الوجود ولو لفترة زمنية محددة يسترجع فيها الشخص كسله التاريخي؟

فهل سيستعيد الكسل، في حقبة الذكاء الاصطناعي التي ستوجد عالما مختلفا بطريقة غير متوقعة، معناه ووظيفته بحسب المعنى الذي ورد في لسان العرب: "الكسل هو التثاقل عما لا ينبغي أن يُتَثاقل عنه. وروى عن ابن بري: فمن روى يَكْسَل فمعناه يثقل، ومن روى يُكْسِل فمعناه تنقطع شهوته عند الجماع قبل أن يصل إلى حاجته". فلا يعود الكسل مرتبطا سوى بانقطاع الشهوة عند الجماع؟

فنحن من المناطق المحكوم عليها مسبقا بأنها لزوم ما لا يلزم ووظيفتها فبركة الحروب والعنف! وفي انقطاع الشهوة استراحة من فائض الإنتاج البشري!

اقرأ للكاتبة أيضا: المثلية الجنسية موضوع تجاذب في لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.