التغيير جاء بعد تغييرات شاملة في مكتب الملك وديوانه
التغيير جاء بعد تغييرات شاملة في مكتب الملك وديوانه

مالك العثامنة/

في مرحلة ما قبل تسعينيات القرن الماضي، وفي أيام العمل السياسي تحت الأرض والنشاطات السياسية المحظورة، تقول الطرفة إن تيارات اليسار المعارض بكل أطيافها عقدت اجتماعا غاية في السرية لكل أحزاب وفصائل اليسار العاملة في الأردن، وانتدبت كل جهة يسارية معارضة مندوبا عنها لحضور الاجتماع الذي بدأ حول طاولة بائسة في مكان سري جدا بالتعارف الشخصي فيقوم كل مندوب بتعريف اسمه ولأي جهة ينتمي، وهكذا كان المشهد، فيقوم أحدهم ويقول فلان الفلاني من الحزب الشيوعي ثم فلان الفلاني شيوعي من التيار التروتسكي، وفلان الفلاني بعثي ـ العراق وفلان الفلاني بعثي ـ دمشق وفلان الفلاني بعثي ـ تنظيم موحد وفلان الفلاني ـ جبهة شعبية وهكذا إلى أن وصل الدور إلى آخر الحاضرين الجالس في أكثر زاوية معتمة وقصية من الطاولة السرية جدا في المكان السري جدا، فقام بهدوء وبصوت واثق قال: فلان الفلاني ـ مخابرات عامة وأرجوكم لا ترتبكوا.. اعتبروني غير موجود وكملوا اجتماعكم.

التغيير في رأس هرم المخابرات وإن كان يبدو عاديا إلا أن كل ما يحيط به غير عادي

​​للنكتة حضور تاريخي يعكس وعي الناس وقتها، وبتفكيك النكتة لقراءة واقع تلك الأيام مثلا، نجد أن التيارات الإسلامية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين لم تكن حاضرة تحت الأرض، لأنها فوق الأرض تعمل بنشاط وهمة ودهاء وقد تسللت إلى وجدان المجتمع بتحالف مصلحي مع الدولة الأردنية. من جهة أخرى، فإن قوى اليسار "المزعوم" في ذلك الوقت، وحسب النكتة نفسها، كانت ساذجة لا تزال تفتح مظلاتها كلما أمطرت في بلاد المنشأ التابعة لها، ومخترقة إلى حد أن مندوب المخابرات استطاع اختراق كل سريتها المزعومة؛ وفي النكتة يقول رجل المخابرات "أكملوا اجتماعكم واعتبروني غير موجود" لأنه كان موجودا فعلا.. في كل التفاصيل.

♦♦♦

كانت المخابرات العامة، مؤسسة أمنية شديدة القبضة لكن ليس إلى الحد الذي يؤدي إلى التصفيات الجسدية، ولا يوجد في تاريخ الأردن كله حادثة تصفية للمعارضين إلا قصة معارض اسمه عبد الفتاح تولستان في أوائل ستينيات القرن الماضي قيل إنه قضى تحت التعذيب الشديد على يد خبير منتدب ألماني.

نكرر، المخابرات كانت مؤسسة أمنية تمارس دورها الأمني "البوليسي" ضمن قواعد السرية وجمع المعلومات وبمختلف الوسائل.

ما حدث في بداية عهد الملك عبدالله الثاني كان قد بدأ في نهاية عهد الملك الراحل حسين، حين بدأت المخابرات تتحول إلى لاعب سياسي متجاوزة دورها الأمني، فانتهينا إلى مدير مخابرات الدولة وقد دخل بكل نفوذه الرسمي والشخصي في مسألة تغيير ولاية العهد وتكون النتيجة إقصاء الأمير حسن عن العرش الهاشمي، وتم ذلك أيضا بكل سلمية وسلاسة واحترام "هاشمي" لتراتب المرجعيات.

بعد فترة من بداية العهد الملكي الجديد، تم إقصاء مدير المخابرات سميح البطيخي نفسه، بل وإدانته بقرار محكمة أردنية بتهم فساد!

استمرت المخابرات كلاعب سياسي، تتجاوز دورها الأمني، وصارت هي نفسها جزءا من مرجعيات الدولة التي تشظت إلى أكثر من مرجعية، لتتشكل مراكز القوى ذات السلطة والنفوذ، في بلد هو فعلا مستهدف خارجيا، ومخترق بكارهين تاريخيين لوجوده داخليا، وبين هؤلاء وهؤلاء، كان هناك استنبات جديد لأصحاب المصالح والمتكسبين من اللحظة التاريخية ليكبر "مشتل الفساد" وينمو فيصبح أدغالا متشابكة من مراكز قوى ومنتفعين، وكانت المؤسسية في الدولة تتلاشى لحساب كل هؤلاء.

وظيفة مدير مكتب الملك من بعد عوض الله، لم تعد وظيفة عادية ولا حدودها إدارة مكتب الملك

​​وفي مرحلة ما، كان مدير المخابرات "وقد باتت المخابرات مركز قوة مستقل بذاته بحسابات مالية استثمارية ضخمة" شقيقا لرئيس وزراء الدولة الأردنية، وهذا المدير المخابراتي بات أيضا خصما سياسيا شرسا لمدير مكتب الملك والشخصية الأكثر جدلا في تاريخ السياسة الأردنية باسم عوض الله، وفي النزاع السياسي المدجج بأسلحة النفوذ الذي تم توزيعه، كانت الدولة بمؤسساتها أول الضحايا، وانتهت الحقبة بالإقصاء الثاني من نوعه لمدير المخابرات "محمد الذهبي" ثم محاكمته بقضايا فساد وإدانته وحبسه، وبإبعاد "ظاهري" لباسم عوض الله الذي استطاع أن يستنبت مراكز قوى منهجية في مفاصل الدولة، تواجه مجلس نواب بائس ابتكرته المخابرات الأردنية نفسها بمنطلقات أمنية ضمن رؤية سياسية خاضعة لها، ورغم مغادرة باسم عوض الله عن المشهد إلا أن وظيفة مدير مكتب الملك من بعده، لم تعد وظيفة عادية ولا حدودها إدارة مكتب الملك وحسب.. بل تحولت إلى مؤسسة موازية غير موجودة دستوريا لكنها حاضرة بقوة على الأرض.

(أحد موظفي الديوان الملكي اتصل بوزيرة في حكومة ما وقد تولت منصبها، ليقول لها إنه نظيرها الموازي في الديوان، الوزيرة كانت شجاعة كفاية لتعنفه وتنهي المكالمة بقسوة معه).

في تلك الفترة، كان هناك ضباط مخابرات يفترض أنهم يخضعون لإمرة مديرهم بالتراتب العسكري، قد لجأوا إلى الولاء والطاعة لمرجعيات أخرى في الدولة، غير دستورية وغير قانونية، فتضاعفت صيغة المرجعيات في الدولة الأردنية تعقيدا وصارت أكثر حدية في صراعاتها على المصالح والنفوذ.

زميل وصديق صحفي أردني معروف، التقيته في شباط/فبراير الماضي في زيارة سريعة للأردن، عبر عن الحالة بمأساويتها على أكمل وجه حين قال لي بسخرية فيها كثير من الوجع الصادق، إنه مشتاق لذلك الزمن الذي كان فيه الضابط المخابراتي أمنيا بامتياز وقسوة، وهو مشتاق لأن يخضع لتحقيق أمام ضابط يحمل كل القسوة والغلظة لكنه بنفس الوقت مدرك إلى أين تتجه ولاءاته الواضحة نحو الدولة الأردنية والعرش فقط، لا أن يكون تحت مزاجية ضابط مختلف جدا عن ذلك الزمن، يحمل نفس القسوة والغلظة لكنه لا يتردد أن يقوم بضيافة الشاي والقهوة في قصر مستثمر أو رجل أعمال واسع الثراء!

♦♦♦

قبل أيام، وضمن سلطاته "الدستورية" قام الملك الأردني بتغيير مدير مخابراته، وهذا إجراء عادي في ظروف عادية، لكن غير العادي كان يمكن تلمسه بوضوح في ما سبق التغيير من إرهاصات وتداعيات إقليمية ومحلية، وما رافق التغيير من رسالة ملكية إلى مدير المخابرات حملت كثيرا من التفسيرات تعكس ـ ربما ـ رغبة ملكية جادة بالتغيير لا في المخابرات وحسب، بل في كل مفاصل الدولة.

التغيير جاء بعد تغييرات شاملة في مكتب الملك وديوانه، وهي تغييرات يمكن لها أن تبقي الحال على ما هو عليه لو لم يتبعها هذا التغيير المفاجئ في دائرة المخابرات العامة، بتعيين ضابط غير معروف في المشهد السياسي، لكنه معروف بتاريخه المهني كرجل أمني يتبع مدرسة أمنية اعتقد كثيرون أنها تلاشت في زحمة التناقضات المصلحية في عالم السياسة الأردني.

معظم التقارير الصحفية المتابعة تحدثت عن الرجل الجديد على رأس قيادة المخابرات بما يشبه مقارنته بالفريق طارق علاء الدين، وهو المدير الأسبق للمخابرات في عهد الملك حسين، والذي لا يعرف الأردنيون حتى اليوم ملامحه ولا صورته، وكانت نشرات الأخبار الرسمية في التلفزيون الرسمي (المسيطر عليه كاملا من المخابرات) تحجب صورته في تقاريرها المصورة عن أركان الدولة وهم يلتقون الملك في المناسبات الرسمية.

ربما يكون الأردن بحاجة إلى ثورة دستورية تعيد للدستور مقامه وللملكية الدستورية حقها

​​أصدقاء صحفيون، في الأردن، أخبروني عن حجم الصعوبة التي رافقت تغطيتهم الخبرية لتعيين المدير الجديد بحثا عن صورة له في أرشيف الصور الأردني بكل مصادره والمتخم بكل اللاعبين السياسيين، فكانت الصور للمدير الجديد شحيحة، وهذا بحد ذاته إيحاء جديد.

التغيير في رأس هرم المخابرات الأردنية وإن كان يبدو عاديا إلا أن كل ما يحيط به غير عادي، ورسالة الملك لمدير مخابراته التي ركز فيها على "الثوابت الدستورية" وجدت صداها في رد المدير الجديد نفسه الذي أعاد تكرار العبارة في رسالته الجوابية مؤكدا على تلك "الثوابت الدستورية"، هذه الثوابت وهذا الدستور، الذي تغول عليه الجميع وانتهى في السنوات الماضية "كتيبا" مطبوعا يتم توزيعه للطلاب خلال الرحلات المدرسية إلى البرلمان، بحاجة إلى تفعيل.. وربما يكون الأردن بحاجة إلى ثورة دستورية تعيد للدستور مقامه وللملكية الدستورية حقها.

ومن جديد أتساءل مرة أخرى:

هل يفعلها الملك، ويعيد الدولة المختطفة؟

اقرأ للكاتب أيضا: إضاءات في عتمة فاجعة سيريلانكا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.