رستم غزالة متلقيا "هدية" نصرالله
رستم غزالة متلقيا "هدية" نصرالله

لقمان سليم/

عشيَّة الانسحاب العسكري السوري من لبنان ـ وهو، للتذكير، انسحاب مهَّدت له محطات عدة أبرزها القرار الأممي 1559 (2 أيلول/سبتمبر 2004)، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري (14 شباط/فبراير 2005) ـ عشية ذلك الانسحاب الذي كان الشروع فيه يوم 26 نيسان/أبريل 2005، قام العميد الركن رستم غزالة "رئيس جهاز الأمن والاستطلاع" (أي جهاز المخابرات)، في القوات الأسديَّة المنتشرة في لبنان، يرافقه قائد تلك القوات، اللواء فايز الحفار، بـ"جولة وداعيَّة" على عدد من أعيان النظام اللبناني. وممن ذهب الوفد لوداعهم، حسن نصرالله، زعيم ميليشيا "حزب الله"، المتسمية أحيانا، أي عند الحاجة، بـ"المقاومة الإسلامية".

عرفانا من "حزب الله"/"المقاومة" بما كان للجيش الأسدي وأجهزته الأمنية من جمائل عليهم خلال السنوات المديدة التي شاركهم فيها هذا الجيش احتلال لبنان، وتوكيدا على أن الانسحاب ليس آخر العهد بالرَّحم التي تصل بين التنظيم الإيراني الهوى والإمرة والنظام الأسدي ـ أهدى نصرالله رستم غزالة بندقية زعم السيّد المهدي أن رجاله غنموها من الجيش الإسرائيلي يوم أن كان هذا الجيش يحتل، شأنه شأن الجيش الأسدي، أجزاء من الأراضي اللبنانية.

من حق هذه الهدية أن تُقْرأ كنعي نهائي للبنان

​​يومذاك، لم يتجاوز رد الفعل اللبناني على مبادرة حسن نصرالله، العتب ـ ولو أن بعض هذا العتب لم يخل من قسوة. ولا عجب في ذلك: فزعم "حزب الله" بأن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان كان تحريرا، وزعمه أنه صاحب الفضل في إنجاز هذا التحرير كان لا يزال مستوليا على فئات واسعة من اللبنانيين، ومن لم ينطلِ عليهم من اللبنانيين هذا الزعم آثروا في معظمهم مجاملة "حزب الله"، والالتزام بسرديته التحريريَّة، طمعا بأن تـكْسِر هذه المجاملة عيْنَه، مؤملين أن تمهِّد له هذه المجاملة طريق "التلبنن"، أي تقديم المصلحة اللبنانية على أجندته الإقليمية.

إلى دَيْنِ التحرير الذي ألزم به اللبنانيون أنفسهم منذ عام 2000، وهو الدَّيْن الذي يترجم عن نفسه، من إذاك، ارتهانا مُسْتَغْلِظا من طرف الدولة اللبنانية ومسؤوليها لأمر "حزب الله" وحكمه، لا بأس أن يتذكر الواحد منا والواحدة أن اتهام "حزب الله" بالمشاركة في تدبير اغتيال رفيق الحريري، وفي تنفيذه، لم يكن غداة الاغتيال، وقبل أن باشرت لجنة التحقيق الدولية عملها (منتصف حزيران/يونيو 2005)، بالصراحة والوضوح الذين تدرج إليهما شيئا فشيئا، وأن خروج الجيشِ الأسديِّ، في نيسان/أبريل 2005، كان المُقَدَّم، لدى الكثرة الكاثرة من اللبنانيين، على الوقوف على الحقيقة واكتشاف القاتل/القتلة.

مقول القول: مَرَّ إهداء نصرالله "بندقيَّة المقاومة" إلى رستم غزالة على اللبنانيين مرورا خفيفا لم يكلف معه إلا مَنْ رَحِمَ ربي أنفُسَهم مشقة التأمل في المشهد وفي الهدية وفي ما قد يكون لهما من معان ومن دلالات. على أن ما مَرَّ به اللبنانيون سريعا وسِراعا لم يلبث أن نَثَرَ نفسه بنفسه... فما هي إلا سنوات قليلة كان الأوجُ منها مغامرة تموز/يوليو 2006، حتى أخرج حزب الله بنادق المقاومة والتَّحرير المزعومين مِنْ مَسالِحِها، وصوبها في أيار/مايو 2008 جهارا نهارا إلى نحور اللبنانيين المخالفين له.

وإذ اتخذ "حزب الله" من "السلاح لحماية السلاح" شعارا لحملته التأديبية التي لا بدّ من الاعتراف لها بأنها أتت أُكُلها بدليل ما تَحوَّله استعلاء "حزب الله"، على مر السنوات الماضية، من "سَطْوَة بَلْطَجَة"، بالمعنى الحرفي للكلمة، إلى وصاية كاملة الأوصاف على الدولة ومؤسساتها تتوسَّل، حسب المقام والمقتضى، بما ترى أنه الأوْصَل لها إلى مبتغاها من وسائل خشنة أو ناعمة.

هذا في لبنان. أما في سوريا، فتتمة القصة مستغنية عن البيان أو تكاد: بعد انسحاب الجيش الأسدي من لبنان، وما خلا إشارات إلى رستم غزالة بوصفه أحد المشاركين في تدبير اغتيال رفيق الحريري، خمل ذكر الرجل رغم تعيينه على رأس الفرع العسكري لمخابرات ريف دمشق.

وأقام الأمر كذلك إلى حين اندلاع الثورة السورية التي يُؤرَّخ لبداياتها، في عداد بدايات أخرى، بما كتبه مراهقو درعا، جارة قرفا، مسقط رأس غزالة، على جدران مدرستهم من شعارات تستلهم لغة الربيع العربي، وتتوعد "الدكتور" (بشار الأسد) بأن دائرة السقوط لن تلبث يوما من أن تدور عليه.

لم يتأخر رستم غزالة في القيام بما يُمليه عليه الولاء لآل الأسد من واجب في قمع الثورة ولم يتقاعس فَعُيِّنَ في تموز/يوليو 2012 رئيسا لجهاز الأمن السياسي وبقي في هذا المنصب إلى تموز/يوليو 2015 حيث قضى في ظروف غامضة تليق بمهنة الأمن التي صنعت مجده، وشُيِّعَ إلى مثواه الأخير بلا مراسم ولا من يحزنون، ما لم يدع للشك مجالا بأن صنائعه في لبنان وسوريا لم تشفع له عند أولياء أمره.

بصرف النظر عن هذه الجزئية من سيرة رستم غزالة، ولو أنها أهل لمزيد تأمل، فالعبرة مما تقدم ليس ما آل إليه الرجل وإنما ما آلت إليه البندقيَّة! بلا تردد يمكن الجزم أن البندقيَّة التي أهداها نصرالله إلى غزالة أطلقت رصاصها على الشعب السوري حتى من قبل أن خرج هذا الشعب مطالبا بالحرية والكرامة، وبهذا المعنى، وبلا تردد أيضا، يمكن الجزم أن اللبنانيين الذين سكتوا في 2005 عن إهداء تلك البندقيَّة إلى أحد رموز إذلالهم، في عقر دارهم، مسؤولون أخلاقيا عمَّن أَطْلَقَتْ عليهم هذه البندقية النار من سوريين وسوريات، (علاوة بالطبع عن مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية عن تدخل "حزب الله" في سوريا)، ومسؤولون، اليوم، أخلاقيا قبل أي شيء آخر، عن كل ما يُصيبُهُم وقد يصيبهم من جراء استيلاء "حزب الله"/"المقاومة"، في منأى من أي تمييز مَوْهوم بين هذين المُسَمَّيَين، على الدولة والمؤسسات، بل على مرافق الحياة الوطنية كافة.

أحيا لبنانيون الذكرى الرابعة عشرة على انسحاب الجيش الأسدي من لبنان؛ أما لبنان فلم يحتفل بهذه الذكرى!

​​في 26 نيسان/أبريل الماضي أحيا لبنانيون، فرادى، وفي الأكثر على وسائل التواصل الاجتماعي، الذكرى الرابعة عشرة على انسحاب الجيش الأسدي من لبنان؛ أما لبنان فلم يحتفل بهذه الذكرى! وواقع الحال أن لا ما يبرر للبنان أصلا أن يحتفل بها.

فالبندقية التي أهداها نصرالله ذات يوم لغزالة، والتي مات عنها غزالة، غير مأسوف بالطبع عليه، هي الوديعة القاتلة التي تفتك اليوم باللبنانيين والسوريين وبكثر آخرين. وليس مناسبة استذكار هذه الوديعة ما مضى هذا العام أيضا من 26 نيسان/أبريل، وإنما هدية "حربية" أخرى ذيَّلها "حزب الله" بتوقيعه وكانت هذه المرة من نصيب وزير الخارجية اللبناني، رئيس "التيار الوطني الحر"، صهر رئيس الجمهورية اللبنانية، جبران باسيل.

ففي الخامس من أيار/مايو الجاري قام المذكور بزيارة إلى منطقة جبيل، ذات الأكثرية المسيحية، زار خلالها، في ما زار، قرية راس أسطا، إحدى القرى/الجيوب الشيعية المبثوثة في أعالي تلك المنطقة. على نهاية الزيارة أهدى مسؤولو "حزب الله" إلى الوزير الزائر بقايا مقذوف حُفِرَتْ عليه عبارة "تقدير ومحبة [إلى] معالي الوزير المقاوم" وكُلِّل رأسه بالعلَمَين الأصفر والبرتقالي ـ علَمي "حزب الله" والتيار الوطني الحر ــ تدليلا على شراكتهما في "المقاومة". وبما أن لكل مُهْدى مَحلَّه من الإعراب في جملة "حزب الله"، فلقد أرفقت الهدية التي نالها "الأقَلّي المسيحي المشرقي" جبران باسيل بالإشارة إلى أن المقذوف هذا من بقايا الذخائر التي استخدمتها "المقاومة" خلال معركة "تحرير جرود عرسال من الإرهاب" عام 2017.

باسيل متلقيا هدية "حزب الله" (وسائل التواصل الاجتماعي)

​​لم تَفُت الطبيعة الحربية للهدية أهل التحليل السياسي، ولا فاتهم توقيتها؛ فعشية أن تلقى جبران باسيل المقذوف الإلهي من يد الرضى بشخص الشيخ محمد عمرو، كان الأمين العام للأمم المتحدة قد دعا الحكومة اللبنانية مجددا، بمناسبة تقرير دوري، إلى الانكباب على صياغة استراتيجية دفاعية تكفل لها، (للدولة)، التفرد بامتلاك القوة العسكرية دون سواها من أحزاب وميليشيات، مُسميا "حزب الله" بالاسم، ومُنَبِّها إلى خطورة دوام الحال على ما هو عليه، ومستبقا تذرع الحكومة بأن الأولية لمعالجة الشأن الاقتصادي بالتسوية بين هذا الشأن وبين الشأن السيادي وضرورة احترام القرارات الدولية.

بالطبع، من حق هذه الهدية أن تُقْرأ قراءة حَدثيّة بلحاظ ما سبقها وما تلاها، ولكن من حقها أيضا أن تُقْرأ على حرف آخر لا شأن له بالأمين العام للأمم المتحدة وبدعواته المتكررة الرتيبة إلى الحكومة اللبنانية أن تحمل نفسها ومسؤولياتها على محمل الجد ـ أنْ تُقْرأ كنعي نهائي للبنان بوصفه مَحَل تزاحم بين سياستَيْن تنشد إحداهما أن تُحافظ "الدولة" على حد أدنى من المكانة الاعتبارية، وتسعى الأخرى إلى تكريس الأمر الواقع الذي مفاده أن "الدولة" خادم بتصرف "الدويلة" ورهن إشارتها.

البندقية التي أهداها نصرالله ذات يوم لغزالة، هي الوديعة القاتلة التي تفتك اليوم باللبنانيين والسوريين وبكثر آخرين

​​لم يخطر ببال رستم غزالة، على الأرجح، يوْما، أن جبران باسيل، أو من هو في حكم باسيل، سوف يتلقى، هو أيضا، هدية حربية من "حزب الله" شُكرانا له على مآثره وفي الطليعة منها السمع والطاعة. ولكن جبران باسيل يعرف جيدا أن "حزب الله"، بشخص أمينه العام، أهدى رستم غزالة، ذات يوم، بندقية، ويعرف جيدا أن في سجل هذه البندقيّة العدلي جرائم لا تُعَد ولا تُحصى في لبنان وسوريا وفي سواهما، وأن في سجلها العدلي مفاسِدَ وشرورا وارتكابات لا تُطَفِّف منها، ولا تصفح عنها، ما قد تكون هذه البندقية قد تصدت له من احتلال إسرائيلي.

لا مضاهاةَ ممكنة بين سيرة رستم غزالة وسيرة جبران باسيل، ولا بين الظروف التي تلقى فيها الأول البندقية الغنيمة، والظروف التي تلقى فيها الثاني بقايا المقذوف الذي تريد الرواية أنه أُطلِق ذات يوم في صدر "إرهاب" لا يختلف اثنان على عداوته، غير أن تَعَذُّر المضاهاة في هذين المقامَيْنِ لا يَحْتَجُّ لجبران باسيل بل يُقيم الحُجَّة عليه. فباسيل يعرف جيدا اليَدَ التي أهدته الهدية، ويعرف جيدا مَنْ سبقه إلى تلقي هدية من اليد إياها، ويعرف جيدا ما انتهى إليه خليفته في الهدية من مصير، وما استعملت في سبيله الهدية تلك، ويعرف ويعرف مِمّا لا يَحتاج أن يُذَكَّرَ به، وأما ما يبدو أنه يفوت باسيل، ويفوت آخرين لا تتصدر الهدايا التي يتلقونها الصفحات الأولى، ولا يعمر بها الفضاء الافتراضي، فأن المرءَ مسؤول عَمّا يَعرفه، ويُحاسب عليه بمقدار ما يُحاسب على ما قد يكون جرى على يديه من دم أو فساد!

اقرأ للكاتب أيضا: صَدَقَ نَوّاف الموسوي! ولكن!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟