متظاهرة سوادنية أما مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم
متظاهرة سوادنية أما مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم

حسين عبدالحسين/

الربيع العربي جميل. ثوراته فتية كثواره. ثورات غاضبة على الاستبداد كغضب الثوار على عقود من طغيان الحكام وفسادهم. ثورات فيها نساء انتفضن على الحاكم، كما على المحكومين ممن يريدونهن في أغلال اجتماعية وأصفاد اقتصادية. ثورات يبتسم فيها الثوار، وينثرون الأرز والورود على رؤوس إخوانهم من العسكر. ثورات قدم فيها مئات آلاف الأبرياء حياتهم وما يملكون للتخلص من الظلم والإطاحة بالاستبداد.

لكن الثورات الجميلة لا تحكم، وهي إن حكمت، تتحول إلى استبداد أقبح من سابقه. ذاك عراق عبدالكريم قاسم ومحاكمه الثورية الشعبية التي أزهقت أرواح آلاف العراقيين، وبعده صدام حسين، "رئيس قيادة مجلس الثورة" العائمة على دماء مئات آلاف العراقيين.

ربما ما يجب أن يلي الثورة في الشارع هو ثورة داخل المنازل، ثورة لتحرير المرأة

​​تلك إيران وثورتها، التي قتلت من الإيرانيين، وما تزال، أكثر مما قتل أكثر ملوك إيران طغيانا، ومثلها حركة حافظ الأسد "التصحيحية" في سوريا، والتي صححت نظاما جمهوريا رئاسيا وحولته إلى جمهورية وراثية يستعد فيها حافظ الثاني لخلافة بشار الأول.

هكذا هي الثورات، جميلة ولا تحكم، وهي إن حكمت، صارت قبيحة، مستبدة، تأكل أبناءها، وتأكل من بعدهم أبناء باقي الشعب، وآبائه، وأعمامه، وأخواله، وأمهاته، وأخواتهن.

في الربيع العربي الجميل دروس. نجاح الثورة هو في نجاحها في الإطاحة بالحاكم، ومن بعدها ذهاب الثوار إلى منازلهم، وعدم خروجهم إلى الشارع مجددا، إلى أن يبتلع الحكام الجدد صناديق الاقتراع، ويعدلون الدساتير، ويحولون أنفسهم إلى قادة إلى الأبد.

في مصر، رفض من أطاحوا بحسني مبارك الاستفتاءات والانتخابات من بعده، وقالوا إن العامة ساذجة، وإنها تقترع لمصلحة العسكر والظلاميين الإسلاميين. لم يطلب ثوار مصر بدائل واقعية. طالبوا بمجالس كيفما اتفق تحكم بموجب شرعية ثورية. من هم أعضاء المجالس؟ من يحدد هويتهم؟ من يحدد عددهم؟ من يحدد قوانين اجتماعاتهم واتخاذ قراراتهم؟ ومن ينفذ هذه القرارات؟ وما هي عقوبة من لا يلتزم القرارات ولا ينفذها لمعارضته الثورة وأهدافها؟ أسئلة بلا إجابات لثورة بلا ثمار.

ومثل في مصر، وقع السودان في مأزق مشابه. استغل العسكر ثورة جميلة، وانقلبوا على عمر البشير، وانقلب منقلبون آخرون على منقلبين قبلهم. وفي حمأة الانقلابات، لم تهدأ تظاهرات السودانيين، ولم يركنوا لأول انقلاب، ولا للثاني.

للشعوب التي يضرب فيها الآباء أبنائهم، والأبناء أخواتهم، والأزواج أزواجهم، حكومات تشبههم

​​ما البديل الذي قدمه ثوار السودان؟ قالوا ليحكم الموقعون على عريضة التغيير التي حرّضت على الثورة وحددت أهدافها. الأهداف طالبت باقتلاع البشير، وقدمت بعض الخطوط العامة، لكنه لا تقدم نظاما يمكنه أن ينظّم المراحل المقبلة: من يحدد من هو الثائر ومن يحجب هذه صفة عن سودانيين آخرين؟ هل كان الجنرال صاحب الانقلاب الأول ثائرا على البشير؟ هل كان الجنرال الثاني ثائرا؟ ماذا لو ادعى الجنرالات أنهم ثوار أيضا؟ ماذا لو شكلت قوى التغيير السودانية الفضفاضة مجلس حكم، واعترض ثوار على ثورية آخرين، واتهموهم أنهم من "أذناب النظام البائد"، حسب التعبير العراقي الفظّ؟

قد يتعلم ثوار السودان درسا أو أكثر من معارضي سوريا، حيث رفع الإسلاميون راياتهم الظلامية، ونصبوا أنفسهم ناطقين باسم الذات الإلهية، مثل في إيران من قبلهم. ولأن النقاش مستحيل مع الآلهة أو تعاليمها، صار الإسلاميون أوصياء على كل السوريين، برضى السوريين أو بعدم رضاهم، وظهرت إلى العلن قباحة حكم المظلوم، وجشعه، وشبقه إلى السلطة، حتى ناهزت استبداد الأسد وقباحته.

الثورات جميلة، ولكنها لا تحكم، وهي إن حكمت، تصبح قبيحة، وتصبح عرضة لتلاعب الطاغية المستبد بها، وفي سوريا دروس لمن اعتبر. حول سوريا، أقر مجلس الأمن قرارا يلزم الأسد بدخول في تسوية مع معارضيه. استغل الأسد، ومعه حلفائه الروس وبعض العرب، الثغرة نفسها: من يحدد من هم المعارضين؟ ألبس الأسد نفر من أزلامه ثياب المعارضين، وأرسلهم يندسون في مجالس المعارضة السورية. صارت لموسكو، راعية الأسد، "منصة" خاصة بها بين المعارضين. حاول المبعوث الأممي تعيين مجلس معارض، فأصرت روسيا، ومعها الأسد، على حصة لهم في تعيينات المعارضة السورية، ولما لا، طالما أن القواعد الناظمة للتعيين فضفاضة لا أسس لها، مثل نظام الأسد نفسه، الذي لا أسس له إلا الدموية السادية التي مارسها، وأبيه من قبله، على مدى عقود.

كيف تزهر ورود الربيع العربي؟ وكيف تتحول ثوراته الجميلة إلى حكومات مستقرة منبثقة عن شعوب سعيدة؟ ربما الأجدى أن تلي الإطاحة بالمستبد فرصة حتى يثقف الثوار أنفسهم، وحتى يتمرسون بأصول الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، وحتى ينشرون هذه الثقافة بين أوسع عدد ممكن من الثوار الآخرين، والمواطنين العاديين.

ربما ما يجب أن يلي الثورة في الشارع هو ثورة داخل المنازل، ثورة لتحرير المرأة، وثورة لتحديث الفكر، وثورة على الذات، فالحكام على طراز شعوبهم، وللشعوب التي تنتشر في صفوف مواطنيها ثقافة الصدق والأمانة والعمل الدؤوب من أجل عيش كريم حكومات تشبههم، وللشعوب التي يضرب فيها الآباء أبنائهم، والأبناء أخواتهم، والأزواج أزواجهم، حكومات تشبههم كذلك، وحكام لا يعرفون إلا الانفراد بالرأي والضرب كوسيلة حصرية لحل الاختلاف.

الثورات جميلة، ولكنها لا تحكم، وهي إن حكمت، تصبح قبيحة

​​لم يبدأ عصر التنوير الأوروبي في الشارع، بل بدأ في البيوت وعلى صفحات المثقفين، وفي أعمال الرسامين، وفي موسيقى المؤلفين. ثم نشر التلغرام نور الثقافة، فثار الناس في الشارع. سقط ملك، وعاش ملك. ثم سقط ملك وعاشت جمهورية، وبين الثورة الأولى والثورة الثانية فارق بسيط: بعض من الوعي والعلم والمعرفة، وكثير من الانفتاح والتسامح والتعدد.

ثورات الربيع العربي الجميلة لن تزهر إن هي بقيت في الشارع، بين أقدام العسكر وعلى تقارير المخبرين، بل هي ستزهر داخل البيوت، وستفوح من البيوت رائحة الثورة العطرة لتغطي الشوارع، وتسكن في الساحات، وتنعش الأوطان.

اقرأ للكاتب أيضا: عن إسرائيل دولة اليهود

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A view of the platform of the Leviathan natural gas field in the Mediterranean Sea is pictured from the Israeli northern…

حين أضاءت شعلة عملاقة سماء الليل قبالة ساحل إسرائيل في 23 مايو، كان ذلك بمثابة تذكير بثروات البلاد من الغاز الطبيعي ومخاوفها البيئية المستمرة. فقد تمّ إشعال فائض الغاز من منصة معالجة على عمق ستة أميال من الشاطئ فيما وصفته الحكومة بـ "إغلاق طارئ". 

وفي غضون ساعات قليلة تم استئناف الإنتاج من حقل "ليفياثان" ـ الواقع عميقا تحت قاع البحر على بعد خمسة وسبعين ميلا غربا ـ الذي يزوّد المنصة بالغاز؛ وفي وقت لاحق تمّ تفسير الحادثة على أنها إنذار كاذب ناجم عن فشل في كاشف الغاز.

وكانت هذه هي المرة الثانية الذي توجّب فيها إشعال الغاز لفترة وجيزة في المنصة منذ أن باشرت عملياتها في نهاية عام 2019 ـ على ما يبدو إجراء عادي في مرافق بدء التشغيل. (ولم تُشاهد مثل هذه الحوادث الجلية الواضحة في منشأة "تمار" العاملة منذ وقت طويل على بعد ثلاثة عشر ميلا من ساحل "أشكلون" ["عسقلان"] جنوبا، ويعود السبب في ذلك إلى تصميمها فقط، إذ أن إشعال الغاز الفائض قد يؤدي إلى إذابة المنصة). وكان حقل "ليفياثان" قد بدأ بضخ الغاز في الشبكة الإسرائيلية في يناير هذا العام. ويُلبّي غاز "تمار" أساسا الطلب المحلي، لذلك يتم إرسال الإمدادات من الحقل الأحدث والأكبر عبر الشبكة وإلى مصر والأردن.

تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل

وفي الوقت الحالي، تستخدم مصر الغاز من حقل "ليفياثان" لتلبية حاجات السوق المحلي حصرا. وتأمل كل من القاهرة والقدس في أن يتم تصدير الأحجام المستقبلية للغاز إلى الأسواق الخارجية الأخرى عبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الخطط معلقة لأن بيع الغاز بهذا الشكل غير قابل للتطبيق في ظل الأسعار الدولية الحالية. كما يعود السبب في التوقف المؤقت في خطط زيادة إنتاج الغاز من حقل "ليفياثان"، الذي تديره شركة "نوبل إنرجي" من ولاية هيوستن الأميركية، إلى انخفاض الأسعار. ويبدو أن أي محاولة لاستخراج النفط من المكامن الموجودة تحت الطبقات الجوفية الحاملة للغاز هي مجرد وهم في الوقت الحالي.

وفي ظل الظروف الراهنة، يعتبر الأردن العميل الرئيسي، حيث يستخدم الغاز الإسرائيلي لتشغيل شبكته لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فإن هذا العقد والترتيب الأصغر لإرسال غاز "تمار" إلى المنشآت الصناعية الأردنية في البحر الميت قد يتعرضان لخطر [توقف التنفيذ] بسبب التطورات السياسية القادمة. فقد أعلنت إسرائيل أن خطوات ضم الأراضي المحتملة في الضفة الغربية قد تبدأ في يوليو المقبل، الأمر الذي أثار تحذيرات شديدة من قبل الملك عبد الله.

وفي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ككل، لم تؤد عمليات الاستكشاف الأولية للغاز التي تتزعمها فرنسا قبالة سواحل بيروت في وقت سابق من هذا العام سوى إلى إنتاج آثار للموارد الهيدروكربونية، في حين قد يتمّ إرجاء أي تنقيب مستقبلي في منطقة أقرب إلى الخط الملاحي المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل إلى أجل غير مسمى. 

ومن الناحية النظرية، تتمتع هذه المنطقة باحتمالات جيدة نسبيا للاكتشافات نظرا لقربها من حقلي "تمار" و "ليفياثان". ومع ذلك، تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل (إلا أن احتياطات كلا الدولتين لا تزال ضئيلة مقارنة باحتياطات دول الخليج العربي).

وتضاءلت جاذبية مصر لشركات الطاقة الأجنبية في الآونة الأخيرة بسبب انخفاض الأسعار وضعف الطلب المحلي، إلا أن هذا الوضع يجب أن يتحسن خلال الصيف بسبب الحاجة الشديدة إلى أجهزة تكييف الهواء والمراوح.

وعبر البحر، لا يزال على تركيا العثور على الغاز في المناطق البحرية التي تطالب بها على الرغم من تعريفها الواسع لمدى امتدادها. وفي محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، أفادت بعض التقارير أن القراءات التركية قالت إنهما وافقا على "مواصلة السعي لتحقيق الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط". وانصب تركيزهما الرئيسي في هذا الصدد على ليبيا، حيث تدعم تركيا الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس ووافقت على حدود بحرية متبادلة بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد.

يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي

وفي الواقع، أضاف النزاع الليبي بُعدا آخر لثلاث منافسات شرق أوسطية متعددة الأوجه: مصر ضد تركيا، اليونان/قبرص في مواجهة تركيا، وإسرائيل ضد لبنان. ويبدو أن العديد من النزاعات المعنية مستعصية على الحل، ولكن هذا لا يعني بالضرورة استحالة حلها.

على سبيل المثال، في الوقت الذي تتمتع فيه إسرائيل بصداقتها مع اليونان وقبرص، إلا أنها لا تزال تحافظ على علاقات تجارية كبيرة مع تركيا، على الرغم من جو عام من التوتر السياسي بين البلدين. وتجلت إحدى الإشارات على الرغبة المتبادلة لأنقرة والقدس في الحفاظ على علاقات عمل بينهما الأسبوع الماضي، عندما غادرت طائرة شحن تابعة لشركة "إل عال" الإسرائيلية إلى إسطنبول لحمل معدات خاصة بفيروس كورونا لتسليمها إلى الولايات المتحدة. 

وكانت شركة الطيران الإسرائيلية قد أوقفت رحلاتها إلى تركيا في السنوات الأخيرة بسبب خلاف حول الترتيبات الأمنية، على الرغم من استمرار رحلات [شركات الطيران] التركية من إسرائيل وإليها (على الأقل إلى حين [بدء] إجراءات الإغلاق الأخيرة المتعلقة بانتشار الوباء).

وبشكل عام، يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي ـ تلك التي تُعزى إلى حد كبير إلى الدبلوماسية الأميركية. يجب استمرار الانخراط الأميركي إذا كان هناك رغبة في التغلب على الصعوبات الحالية واستفادة المزيد من الدول [من الوضع القائم].

المصدر: منتدى فكرة