إفطار جماعي لمتظاهرين سودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم
إفطار جماعي لمتظاهرين سودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم

بابكر فيصل/

ما تزال الثورة السودانية المستمرة منذ خمسة أشهر تشهد تطورات جديدة كل يوم مع إصرار الجماهير على مواصلة التظاهرات وعدم فض الاعتصام التاريخي أمام مبنى قيادة الجيش للمطالبة بضرورة انتقال السلطة من المجلس العسكري للحكومة مدنية. أحد أبرز تلك التطورات مؤخرا هو دخول زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أبو بكر البغدادي، على خط الثورة للمرة الأولى.

نشرت مؤسسة "الفرقان" التابعة لداعش في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي مقطع فيديو للبغدادي تحدث فيه عن خسارة مدينة الباغوز، آخر معاقل مقاتلي تنظيمه في سوريا، وتعهد بالانتقام للخسائر التي تكبدها التنظيم في المناطق التي كان يسيطر عليها، كما تطرق للثورات الجارية في الجزائر والسودان.

وقوع الثورة السودانية تحت رادار داعش يُنذر بشر مستطير

​​في إطار حديثه عن الجزائر والسودان قال البغدادي: "كذلك الحدث الأبرز هو سقوط طاغوت الجزائر وطاغوت السودان، ولكن من المؤسف ومن المحزن أن الناس لم يفقهوا إلى هذه اللحظة لماذا خرجوا وماذا يريدون، فما أن استبدلوا طاغوتا إلا وحل مكانه طاغوت أشد جرما وفتكا بالمسلمين. نحن نقول لهم ونذكرهم أن السبيل الوحيد الذي ينجع مع هؤلاء الطواغيت هو الجهاد في سبيل الله، فبالجهاد يكبت الطواغيت وبالجهاد يحصلوا على الكرامة وعلى العزة، لأن هؤلاء الطواغيت لن ينفع معهم إلا السيف، فعليهم أن يعودوا إلى الله عز وجل، وأن يسلكوا السبل الشرعية في تغيير الأنظمة والطواغيت وأن يكون الدين كله لله".

إن أية محاولة لتحليل الحديث أعلاه لا بد أن تأخذ في الاعتبار الربط الضروري بين أوضاع تنظيم داعش في سوريا والعراق بعد سقوط "دولة الخلافة" وخسارة التنظيم للأراضي التي كانت تحت سيطرته بصورة شبه كاملة، وهو الأمر الذي استتبع محاولة تغيير الاستراتيجية التي اتبعها التنظيم مخالفا النهج الذي سارت عليه الحركات الجهادية التي سبقته وعلى رأسها "القاعدة"، والتي تمثلت في السيطرة على بقعة جغرافية محددة تقوم عليها الدولة وتصبح مرتكزا للانطلاق للسيطرة على العالم.

وبالتالي، فإن القراءة الصحيحة لحديث البغدادي، الذي أثبت فيه مسؤولية تنظيمه عن التفجيرات الأخيرة التي استهدفت كنائس وفنادق في سريلانكا ثأرا لما أصاب التنظيم في سوريا، توضح أن داعش سيعود لتبني النهج المعروف لدى الجماعات الإسلامية والذي يجعل من العالم بأكمله مسرحا لعملياته المسلحة ولا يكتفي بالتركيز على بقعة جغرافية معينة.

وفقا لهذه القراءة فإن حديث زعيم داعش عن الثورة السودانية يمثل مؤشرا خطيرا لنوايا التنظيم المتطرف لإدخال السودان ضمن أجندته، فهو إذ يرفض التغيير الشعبي السلمي الذي أطاح بالجنرال عمر البشير إنما يدعو لتبني العنف في تغيير الأوضاع، وذلك عبر قوله إن "السبيل الوحيد الذي ينجع مع هؤلاء الطواغيت هو الجهاد في سبيل الله".

حديث البغدادي عن الثورة لا يهدف لتأييد الجماهير السودانية

​​وكما هو معلوم فإن الجهاد كما يفهمه داعش يتمثل في استخدام القوة لإزالة جميع الأنظمة، ذلك لأن الجهاد، كما يقول البغدادي، هو السبيل الشرعي الوحيد لتحقيق التغيير وضمان عزة وكرامة المسلمين وجعل الدين كله لله.

ومن ناحية أخرى، فإن مفهوم "الطاغوت" الذي تتبناه التنظيمات الجهادية الحربية، ومن بينها داعش، لا يعني فقط الحكام العسكريين أو الطغاة المستبدين، بل يمتد ليشمل جميع نظم الحكم بما فيها الديمقراطية باعتبار أن تلك النظم لا تحكم بما أنزل الله.

هذا المفهوم وجد تقعيده المبكر عند "سيد قطب" الذي قام بتكفير كل المسلمين ونفى وجود أية مجتمعات إسلامية سوى جماعته وأتباعه، وتبعه في ذلك العديد من قادة الفكر المتطرف كان من أبرزهم "أبو محمد المقدسي" أحد المنظرين الكبار لتنظيم القاعدة الذي قال إن "الله قد بعث الرسل لأجل أن يُعبد ويُجتنب الطاغوت" مستشهدا بالآية القرآنية: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".

يقول المقدسي إن الطاغوت هو الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فهو كافر "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا"، ويؤكد أن كل من يحكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت كافر، ومن ثم فكل حكام العالم الإسلامي اليوم كفار وطواغيت، وكل من أطاعهم وأيدهم فقد أطاع وأيد الطاغوت، وعبد غير الله فهو كافر واجب قتاله أيضا لقوله تعالى "الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت" وقوله "والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت".

إذن، حديث البغدادي عن الثورة لا يهدف لتأييد الجماهير السودانية التي خرجت لإسقاط الطاغية المدحور ونظامه الفاسد، بل يقصد لتجريد تلك الجموع من حقها في التغيير السلمي، ويشير إلى أن ذلك التغيير لا يعني شيئا بالنسبة لداعش سوى استبدال الوجوه والشخوص، فالجميع في نظر التنظيم المتطرف طواغيت بمن فيهم الثوار الذين ملأوا الشوارع مطالبين بقيام نظام ديمقراطي يسمح بتداول السلطة بشكل سلمي.

يرفض داعش التغيير الشعبي السلمي ويدعو لتبني العنف

​​إن داعش لا يخالف الجماهير السودانية في وسيلة التغيير فحسب، بل يتناقض معها كذلك في الهدف من التغيير، فهو لا يعترف بخيار تلك الجماهير المتمثل في الحكم المدني التعددي الذي يساوي بين الناس وتنبني فيه الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، بل يدعو لقيام الخلافة الإسلامية التي يتم فيها التمييز بين المواطنين على أساس الدين ولا تستطيع فيها المرأة شغل الولاية الكبرى ويتم فيها استرقاق البشر والمتاجرة بالسبايا بيعا وشراء كما حدث في دولة الخلافة التي أقامها التنظيم في سوريا.

خلاصة القول هي إن وقوع الثورة السودانية تحت رادار داعش يُنذر بشر مستطير، خصوصا وأن تنظيم الدولة بات يبحث عن أي موطئ قدم في العالم يستطيع عبره نشر أفكاره و ممارسة أنشطته العنيفة، وهو الأمر الذي يستدعي ضرورة بلوغ الثورة لمرحلة الدولة عبر تحويل السلطة من المجلس العسكري إلى الحكومة المدنية في أسرع وقت حتى يستطيع المجتمع تجاوز المرحلة الصعبة والمضطربة للانتقال من حالة الاضطراب التي أعقبت سقوط حكم الطاغية إلى الاستقرار المُفضي لقيام النظام الديمقراطي الذي يشكل أكثر أنظمة الحكم نجاعة في مواجهة التطرف العنيف.

اقرأ للكاتب أيضا: السودان: نذر المواجهة بين قوى الثورة والعسكر

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!