إفطار جماعي في قندهار في أفغانستان
إفطار جماعي في قندهار في أفغانستان

سناء العاجي/

"نحن مجتمع يبحث عن المفطر في رمضان ليعاقبه، ولا يبحث عن الجائع طوال السنة ليطعمه". عبارة كنت قد قرأتها منذ مدة على مواقع التواصل الاجتماعي وظلت عالقة بذهني.

مع كل شهر رمضان، يبدأ نقاش الحق في الإفطار العلني في عدد من البلدان والمجتمعات التي تعاقب عليه إما قانونيا، وإما بشطط وعنف مجتمعيين.

الآن، لنفكر بهدوء وبدون انفعال: أولا، ليس هناك في القرآن ولا حتى في السنّة ما يدعو لمعاقبة مفطر رمضان بالسجن أو الضرب؛ كما أن مبدأ الصيام في الإسلام يبنى على قاعدة: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به". هناك، بالفعل، أنواع من الكفارة التي ينص عليها القرآن؛ لكنها تبقى في إطار علاقة المسلم بربه. لماذا إذن يقرر البعض، دولة أو أفرادا، أن يأخذوا مكان الله ليعاقبوا المفطرين في رمضان، بالسجن أو الضرب؟ ثم، أليست هناك آية أخرى تقول بأن "لا تزر وازرة وزر أخرى"، على أساس أن لا أحد يعاقب بـ "ذنب" شخص آخر؟

الأمر لا يتجاوز رغبة خفية في ممارسة الوصاية على من يفترض أنهم ينتمون لنفس ديننا

​​إن المسلم الصائم الذي يعتبر بأن تناول البعض لطعامهم في حضوره يزعزع إيمانه، عليه أن يراجع إيمانه بشكل جدي. إذا كان إيمانه هشا لهذه الدرجة، وإذا كانت مشاهدته للآخرين يأكلون تزعج صيامه، فهذا يعني أن إيمانه هش قابل للزعزعة لأبسط (وأتفه) الأسباب. ثم، لماذا لا ينزعج نفس الصائم حين يأكل أمامه أجنبي؟ ألأنه يعرف أنه ليس مسلما، وبالتالي فهو ليس مجبرا على الصوم؟

كذلك، كل أولئك الصائمين خارج رمضان (أولئك الذين يصومون لنيل ثواب أفضل أو لسداد دين إفطار أيام في رمضان)، لماذا لا ينزعجون حينها من مشاهد الآخرين يأكلون، ولا يزعجهم الأمر إلا في رمضان؟

إذا حاولنا الإجابة على هذه الأسئلة بموضوعية، سندرك أن الأمر لا يتجاوز رغبة خفية في ممارسة الوصاية على من يفترض أنهم ينتمون لنفس ديننا، والذين يفترض أن يفعلوا تماما مثلنا... وبالتالي، فنحن ننزعج من احتمال ممارستهم لحقهم في الاختلاف.

من جانب آخر، يعتبر البعض أن من حق الجميع أن يأكل في رمضان، لكن في بيته. حتى وزير حقوق الإنسان المغربي، مصطفى الرميد، كان قد أعلن خلال توليه وزارة العدل، بأنه من حق الجميع أن يأكل في رمضان، لكن في بيته. ألا يترجم هذا نوعا من العبث والكثير من الديكتاتورية؟ فهل يكون الفضاء العام حكرا على الصائمين فقط؟ أليس من حق غير الصائم ممارسة حريته في الفضاء العام؟

ثم، لنتذكر فقط أن هناك مسلمين في أوروبا وأميركا والهند وغيرها من الدول، حيث الأغلبية ليست مسلمة. ما بال هؤلاء يصومون وحولهم مواطنو بلدانهم يأكلون ويشربون المواد الكحولية ويلبسون ما يشتهون، دون أن يزعزع ذلك قناعاتهم؟ هل لنا أن نتخيل مثلا مسلما كنديا أو ألمانيا يطلب من زملائه أن لا يأكلوا بحضوره احتراما لصيامه؟

فهل يكون صيام وإيمان المسلم في بلد ذي أغلبية إسلامية أكثر هشاشة من صيام المسلم في بلد ذي أغلبية غير إسلامية؟ أليس الجواب الموضوعي عن هذا التساؤل يعيدنا مرة أخرى لخانة الرغبة في ممارسة الوصاية على من يفترض أن يشبهنا، في بلدان نعتبر أنها مسلمة ولا حق لأحد في أن يعتقد ما دون ذلك؟

لا قيمة للتدين، أي تدين، بدون حرية!

​​سيأتي علينا من يقول إن له زملاء في ألمانيا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة، لا يأكلون بحضوره في رمضان، "احتراما لمشاعره" (ولو أنه من العجيب أن نعتبر أن "المشاعر" تتأذى برؤية شخص يأكل). على كل، هذا سلوك لطيف من طرف شخص يحترم حق الآخر في الاختلاف ـ علينا أن ننتبه جيدا لهذا التفصيل ـ لكن، لنتذكر أنه سلوك اختياري! بينما المشكل، في معظم بلداننا، أنه يصبح بالإكراه!

هذا دون أن ننسى أن معظم سكان بلداننا لا يحركون ساكنا حين يتعرض شخص للسرقة أو الضرب، أو حين تتعرض امرأة للتحرش، أو حين تلوث النفايات شوارعنا... لكن معظمهم يتدخل لمعاقبة مفطري رمضان!

الحقيقة أنها ليست قضية تدين بقدر ما هي رغبة في ضبط سلوك الجميع وفي "توحيد الهوية": ما دمت أعرف أنك مسلم، فمن واجبك أن تشبهني في سلوكي وليس من حقك أن تختار أسلوب عيش أو قناعات مختلفة.

لقد قالها لامارتين ذات زمن: "لا قيمة للفضيلة بدون حرية". ولنكررها دائما: لا قيمة للتدين، أي تدين، بدون حرية!

اقرأ للكاتبة أيضا: افتحوا الحدود رجاء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A boat of the Iranian Revolutionary Guard sails, at undisclosed place off the coast of Bandar Abbas, Iran August 22, 2019…
زورق حربي إيراني عند سواحل بندر عباس

صراع جديد يتشكل في الشرق الأوسط، يختلف عن الحروب السائدة. على عكس الحرب الأهلية السورية التي طال أمدها، فإن هذه الحرب ليست صراعا على السلطة بين دكتاتورية علمانية راسخة وقوى إسلامية متنوعة. كما أنها ليست شد وجذب سياسي وحشي بين الميليشيات المتنافسة، كما أصبحت ليبيا ما بعد معمر القذافي. بدلا من هذه وتلك، هذه الحرب، هي تكثيف إضافي لحرب الظل المستمرة بين إسرائيل وخصمها الإقليمي، إيران؛ حرب بدأت تدور في الفضاء السيبراني.

في أواخر أبريل، عندما كانت إسرائيل مشغولة في الاستجابة لتداعيات وباء فيروس كورونا، تعرضت الهيئة الوطنية للمياه إلى هجوم إلكتروني واسع النطاق. تم تصميم العملية لاختطاف أنظمة التحكم الصناعية ومعالجتها وتدمير البيانات المهمة في المواقع المتعلقة بشبكة المياه الوطنية الإسرائيلية. إجمالا، تم استهداف ستة مرافق منفصلة مسؤولة عن إمدادات المياه وإدارة النفايات من قبل المخترقين، الذين تم تحديد مصدرهم على أنه إيران.

كانت الأضرار التي لحقت بشبكة المياه متوسطة في طبيعتها، ولم تشهد إسرائيل فشلا في نظامها المائي، من المستوى الذي يمكن أن يكون كارثيا بالنسبة لدولة تعاني من الإجهاد المائي في الشرق الأوسط الجاف. ومع ذلك، كان الوضع خطيرا بما يكفي لدرجة أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو جمع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية في البلاد، لمراجعة الوضع والتخطيط لاستراتيجية الرد.

الوقت فقط سيحدد ما إذا كان المجال السيبراني سيتحول إلى جبهة كاملة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني المتطور

في التاسع من مايو، توضحت الصورة وظهرت نتائج هذا الرد، عندما ضرب هجوم إلكتروني محطة شحن رئيسية بالقرب من ميناء بندر عباس جنوب إيران. تسبب الهجوم على منشأة شاهد رجائي في اضطرابات واسعة النطاق لحركة السفن والشاحنات استمرت لأيام. بينما لم تؤكد الحكومة الإسرائيلية تورطها، ربطت صحيفة واشنطن بوست بشكل قاطع القدس بالهجوم "الفعال للغاية".

تمثل الضربات الانتقامية المتبادلة، تصعيدا ملحوظا في تفاقم التوترات بين البلدين. على مدى العامين الماضيين، نفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية ضد أفراد ومنشآت إيرانية في جنوب سوريا في محاولة لإضعاف قدرات النظام الإيراني هناك. وفي الآونة الأخيرة، ركزت هذه الطلعات الجوية بشكل خاص على الترسانة المتزايدة من الأسلحة الموجهة بدقة والتي باتت في حوزة الوكلاء الإيرانيين؛ ويخشى المسؤولون الإسرائيليون أن ترك هذه الأسلحة من دون معالجة، سيؤدي إلى تعديل في ميزان القوى الإقليمي، وهو تعديل لن يكون لصالح عن بلادهم.

المواجهة المستمرة بين طهران والقدس أصبحت أكثر تعقيدا، وربما أكثر تقلبا من أي وقت مضى

يبدو أن هذا الضغط له تأثير كبير. قبل أن يغادر منصبه في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي المنتهية ولايته نفتالي بينيت علانية أن "إيران تقلل بشكل كبير من نطاق قواتها في سوريا وحتى تقوم بإخلاء عدد من القواعد" في الدولة البعثية نتيجة للضغط الإسرائيلي. (أكدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هذا التقييم الآن). وقد ترك بينيت منصبه، لكن من المتوقع أن يحافظ خليفته، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بيني غانتس، على الحملة الحالية في سوريا بل وربما يوسعها.

لكن نجاحات إسرائيل هي تحدٍ واضح لإيران. وسط تراجع الثروات الاستراتيجية في سوريا والأزمة الصحية المستمرة على الصعيد الوطني في إيران، تجد الجمهورية الإسلامية أنه من الملح أكثر من أي وقت مضى إظهار شجاعتها الإقليمية. كان هذا هو الأساس المنطقي وراء تحرش البحرية الإيرانية مؤخرا بالسفن الأميركية في مضيق هرمز ـ وهو حادث خطير بما يكفي لدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتهديد بالتصعيد العسكري. إنه أيضا السبب الذي يجعل طهران تحول اهتمامها الآن إلى الفضاء الإلكتروني وتسعى إلى عرض قدراتها وإمكاناتها التدميرية، ردا على نجاحات إسرائيل في ساحة المعركة.

الوقت فقط سيحدد ما إذا كان المجال السيبراني سيتحول إلى جبهة كاملة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني المتطور. ما هو واضح بالفعل هو أن المواجهة المستمرة بين طهران والقدس أصبحت أكثر تعقيدا، وربما أكثر تقلبا من أي وقت مضى.