حفلة ذكر صوفية بمناسبة ذكرى وفاة جلال الدين الرومي
حفلة ذكر صوفية بمناسبة ذكرى وفاة جلال الدين الرومي

عمران سلمان/

من المثير أحيانا أن يرصد الإنسان ردود الفعل في العالم العربي على القضايا الخلافية أو الجدلية، حيث تظهر ردود الفعل هذه حقيقة الاتجاهات العامة في المنطقة، بصورة أدق مما تظهره استطلاعات الرأي على قلتها، وأكثر مما يروج له الإعلام من صور وانطباعات أقل ما يقال عنها أنها مبالغ فيها.

حملة شرسة غير مبررة

لقد أمضيت عدة ساعات على الإنترنت وأنا أتابع الهجمة الشرسة التي امتدت على مدى أشهر على مسلسل الحلاج الذي كان يعتزم تلفزيون أبوظبي بثه خلال شهر رمضان الحالي.

والحقيقة أن هذه الحملة التي أظهرت حجم انتشار أفكار التشدد والغلو والتكفير على نحو مخيف، شارك فيها دعاة سلفيون وإسلاميون متطرفون وناشطون يشاطرون تنظيمي داعش والقاعدة وغيرهما، نفس الأفكار والمعتقدات، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

يقدم الحلاج نموذجا إنسانيا وروحانيا شاملا لفهم طبيعة الإنسان وعلاقته بالخالق

​​ـ أن الحلاج كافر وزنديق ومحتال ولا يجب الترويج له، ناهيك عن إنتاج مسلسل يحكي قصة حياته.

ـ إن الهدف من تلميع صورة الحلاج وتقديمها في شكل معاصر هي محاولة لإشاعة أفكاره ومعتقداته وبالتالي تخريب عقول الشباب وتضليلهم.

ـ إن الحلاج شخصية نبذها المتصوفة أنفسهم وهو يستحق المصير الذي واجهه.

ـ إن التاريخ الإسلامي حافل بأسماء شخصيات وعلماء وفقهاء فلماذا يجري التركيز على الحلاج؟

ـ إن الغرب ضالع في مؤامرة ضد الإسلام عبر دعم التصوف كبديل للإسلام في قراءته المتطرفة ويستشهدون في ذلك بدراسة لمعهد راند الأميركي.

طبعا لا حاجة لي للرد على هذه النقاط أو الدخول في مهاترات وجدل عقيم لا معنى له، ولكن الملاحظة الأساسية التي أمكنني رصدها هي حالة الخوف التي تلبست هؤلاء من مجرد فكرة المسلسل أو انتشار أفكار ومعتقدات الحلاج.

نموذج إنسان وروحاني شامل

بطبيعة الحال ينبغي للإنسان أن يتساءل، لماذا كل هذا الغضب على المسلسل وعلى شخصية الحلاج، ولم هذا التشدد تجاهه وهو قد مات وشبع موتا!

السر يكمن في أن أفكار الحلاج وجلال الدين الرومي وابن عربي وغيرهم من المتصوفة الإنسانيين، العابرين للأديان والطوائف والانتماءات الضيقة، لها جاذبية خاصة ولا سيما في عصرنا هذا. هذا العصر الذي شهدنا فيه أشكالا من التطرف والتوحش الذي كشفت عنه التنظيمات الإسلاموية، والعصر الذي انتشرت فيه أيضا الصراعات الدينية والطائفية على نحو بغيض ومتخلف. وهو العصر الذي اتضح فيه إفلاس وتهافت شعارات الجماعات الإسلامية وعجزها عن إنتاج شيء ذي قيمة.

كيف الخلاص من كل ذلك؟

يقدم الحلاج نموذجا إنسانيا وروحانيا شاملا لفهم طبيعة الإنسان وعلاقته بالخالق. وكما أوضحت في مقال سابق عنه على هذا الموقع، أن أفكار الحلاج تستوعب جميع الأديان والمعتقدات وأنه لا اختلاف بينها من حيث الجوهر، فهي كلها بمثابة فصول في كتاب واحد. أو كما يقول هو ".. إن الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف". كما أن الله ليس ملكا حصريا لأحد كي يحتكره أو يدافع عنه أو يقتل باسمه، وأن الإنسان حر في أن يعبد الله بالطريقة التي يشاؤها أو لا يعبده أيضا.

الدين تجربة فردية

هذا الفهم الذي يركز على المسؤولية الفردية والتجربة الشخصية في التعامل مع الدين، يحل إشكالية الانتماءات الدينية ويخرج الإنسان من جدل وصراعات الأديان والطوائف، كي يجعل تركيزه في النهاية منصبا على الله وحده بغض النظر عن التسمية التي يطلقها عليه البشر، وعلى إصلاح مجتمعه وتدبير أمور حياته وتكريس نفسه لخدمة الإنسانية جمعاء.

اتضح في هذا العصر إفلاس وتهافت شعارات الجماعات الإسلامية وعجزها عن إنتاج شيء ذي قيمة

​إن هذا بالطبع يتناقض مع الصورة التي يرسمها المتعصبون المسلمون (وباقي المتعصبين في الأديان الأخرى أيضا) للإنسان ودوره في هذه الحياة. هذه الصورة التي تريد أن يظل الإنسان أسيرا لمعارك لا تنتهي بين أتباع الأديان لإثبات أيها أفضل وأيها صحيح وأيها باطل وأيها أحق بالاتباع.. إلخ.

ولإدامة هذا النمط من التفكير لا بد من خلق أعداء وهميين يحاولون الانقضاض على هذا الدين والعمل على تخريبه، ليدخل الإنسان إثرها حالة من الصراع العبثي والذي لا ينتهي ضد خصوم مفترضين داخل المجتمع وخارجه.

هذا التصور هو الذي يسعى المتعصبون لإدامته، كي يظلوا هم في مواقعهم. ومن نافلة القول إنهم سوف يحاربون كل من يحاول تقويض منطقهم هذا أو مساعدة الناس على التحرر من قبضتهم، حتى وإن كان شخصية عاشت قبل أكثر من ألف عام مثل الحلاج.

اقرأ للكاتب أيضا: الزعماء الملتصقون في كراسي السلطة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.