طريف ولفروف خلال مؤتمر صحافي مشترك في موسكو
طريف ولفروف خلال مؤتمر صحافي مشترك في موسكو

فارس خشّان/

غداة توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول الست، التقينا كمجموعة أصدقاء في مقهى باريسي. كان بيننا صديقة من أصل إيراني.

بطبيعة الحال، فرض الاتفاق نفسه على "جدول الأعمال".

كلّ أدلى بدلوه. هذا أشاد وهذه رفضت. ذاك تفاءل وتلك تشاءمت.

وانتبهنا بعد طول أخذ ورد أن صديقتنا الإيرانية الأصل، كانت تشاركنا بالاستماع فقط، فأجمعنا على وجوب الاستماع الى رأيها، فهي بالنتيجة الأكثر أهلية بيننا لتقديم قراءة قريبة من الواقع.

واشنطن سترفع من وتيرة الضغط، في محاولة لمنع إيران من "شراء الوقت"

​​صديقتنا هذه لها أقارب وأنسباء ومعارف في طهران. والدها كان سفيرا على عهد الشاه، وحين انتصرت الثورة، لبّى وزوجته استدعاءه إلى طهران ولكن ابنته ـ صديقتنا ـ بقيت في باريس حيث كانت قد استهلت أولى سنواتها الجامعية في معهد العلوم السياسية.

كانت، في مستهل مداخلتها، مصرّة على إبداء مشاعر متناقضة، فهي فرحة بالاتفاق ولكنها حذرة جدا. بالنسبة إليها فهذه الخطوة هي محكومة بحتميتين، فإمّا تكون فاتحة خير وإمّا تكون رفعا للغطاء عن "صندوق باندورا".

وأرادت أن تختم كلامها هنا، ولكنّ حديثها عن "صندوق الويلات والنوائب والمصائب" دفعنا إلى تحريضها، بجملة أسئلة، على الاستفاضة، فقالت:

ـ هذا الاتفاق جرى توقيعه بين إيران وقوى دولية. القوى الإقليمية المؤثرة مستاءة منه، وتحديدا إسرائيل ودول الخليج تتقدمها المملكة العربية السعودية.

وسألناها:

ـ مشكلة إيران الأساسية تكمن في العقوبات الدولية وليس في العقوبات الإقليمية؟

ابتسمت وأجابت:

ـ مشكلة إيران الأساسية ليست العقوبات إنّما ما سبق وجرّ عليها العقوبات وتاليا فإن السؤال المستقبلي يتمحور حول نقطة واحدة: هل ستعود الظروف التي تسبّبت بالعقوبات إلى فرض نفسها؟

طلبنا منها أن تفصّل، فعلت:

ـ إنّ التدقيق بأدبيات أهم دولة موقعة الاتفاق أي الولايات المتحدة الأميركية يبيّن أنها فعلت ما فعلته على خلفية توفير أمن إسرائيل واستقرار المنطقة ولا سيما منها دول الخليج، وهذا يعني أن مستقبل الاتفاق منوط برضى إسرائيل ودول الخليج التي تملك قدرة تأثير هائلة، عبر قوى الضغط المتنوّعة، في الرأي العام الأميركي. فعلى فرض أن هاتين القوتين الإقليميتين أخذتا استياءهما الحالي إلى مستوى الغضب، فماذا يمكن أن يحصل؟ ومن يضمن عدم عودة الأمور إلى نقطة الإشكالية، وفي هذه الحالة لماذا لا تنشب حرب، خصوصا وأن التاريخ يعلّمنا أن حرمانك مما حصلت عليه أقسى بكثير من اعتيادك طويلا على هذا الحرمان؟

وقال لها أحدنا:

ـ ولكن أيعقل أن يكون المسؤولون الإيرانيون قد أهملوا، وهم يذهبون إلى هذا الاتفاق، حسبان عواقب الاستياء الإقليمي؟

أخذت نفسا عميقا، وجرعة من المياه الغازية التي كانت قد طلبتها، وقالت:

ـ إنّ فصل الاتفاق النووي عن رؤية إقليمية شاملة هو نقطة الضعف الأساسية في هذا الاتفاق. مشكلة الإقليم المركزية مع إيران ليست القنبلة النووية بل "القنبلة البشرية"، فـ"حزب الله" مشكلة والنظام السوري مشكلة واليمن مشكلة والعراق مشكلة والبحرين مشكلة وحتى بعض مناطق السعودية مشكلة والحبل على الجرّار. وإذا كان المستوى الساسي في إيران، ممثلا بوداعة الرئيس حسن روحاني وابتسامة الوزير محمد جواد ظريف، يريد معالجة هذه الأمور، إلا أن الدولة العميقة في إيران، ممثلة بتشدّد مرشد الجمهورية علي خامنئي و"كشرة" الحرس الثوري، يستحيل أن تقبل بالمس بعناصر القوة هذه، بصفتها ركيزة تنفيذية لعقيدة تصدير الثورة.

التطورات التي حصلت بعد لقائنا أثبتت صوابية رؤية صديقتنا الإيرانية الأصل التي تعمل حاليا باحثة في أحد أهم مراكز الأبحاث الأوروبية.

وفي كل مرة كنّا نعود ونلتقي كانت تقدّم لنا أسبابا إضافية لمخاوفها.

قبل أيام التقينا. كان السؤال الذي يشغل بال غالبيتنا: هل المنطقة تتجه الى الحرب؟

أجابت:

ـ واشنطن لا تريد الحرب ولكنها تتصرف كما لو أنها لا تأبه بحصولها. إيران كمن يصفّر وهو يسير بين المقابر للإيحاء بأنها غير خائفة. لهذا أنا أعتقد بأن النيات لا تُضمر حربا، ولكن "قانون الفوضى" يحتّم علينا أن نتوقع الأسوأ دائما، فالمنطقة مزدحمة بالنار والبارود، ولا أحد يضمن ألا تهب الرياح فتحمل شرارة نار إلى مخازن البارود. الجميع مقتنع بأن الإدارة الأميركية تريد أخذ إيران إلى طاولة المفاوضات بما يتفق مع رؤية دولية ـ إقليمية للحل، والقيادة الإيرانية تريد أن تكسب ما أمكنها من وقت حتى تدخل الولايات المتحدة الأميركية في انتخاباتها الرئاسية، على أمل ألا يعاد انتخاب دونالد ترامب، وإلا فلكل حادث حديث.

وكان السؤال الاستلحاقي:

ـ ومن الآن حتى تلك الساعة، ماذا يمكن أن يحصل؟

على طريقة الأستاذة الجامعية قالت:

أولا، على المستوى الإيراني الداخلي، مزيد من القمع لأي بوادر تمرد في القواعد الشعبية التي تعاني الأمرّين.

ثانيا، على المستوى الإقليمي، اضطرابات تذكيرية، بحيث تبيّن إيران قدرتها المتواصلة على الإزعاج، من دون أن تُثير غضبا يقود الأمور إلى ردود فعل لا يمكن ضبطها.

ثالثا، على المستوى الدولي، رفع وتيرة "حشر" الأوروبيين، من أجل توكيد نظرية الدولة العميقة باستحالة الرهان على فصل أوروبا عن الولايات المتحدة الأميركية.

سيزيد النظام الإيراني من القمع لأي بوادر تمرد في القواعد الشعبية التي تعاني الأمرّين

​​رابعا، على مستوى أدوات إيران في المنطقة، مثل "حزب الله"، توفير مناخات الصمود لتقطيع هذه المرحلة، من دون إقحام هذه الأدوات في خطوات قد ترتد سلبا عليها، مثل التسبّب بحرب مع إسرائيل.

في المقابل، فإن واشنطن سترفع من وتيرة الضغط، في محاولة لمنع إيران من "شراء الوقت"، فيما دول الخليج ستحاول الاستفادة من المرحلة لتخفيف وطأة أدوات إيران على مصالحها الوطنية والاستراتيجية، في حين أن إسرائيل ستأخذ مداها في تعزيز نقاط قوتها لتحقيق مزيد من الأهداف التي سبق لها ورسمتها.

انتهى اللقاء وكل منّا يسأل عن تلك الرياح التي يمكنها أن تحمل النار إلى مخازن البارود...

اقرأ للكاتب أيضا: قاطعو الرؤوس!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.