تظاهرات أرمينيا 2018
تظاهرات أرمينيا 2018

مصطفى فحص/

لم تتعامل النخبة الروسية الوطنية والقومية مع سقوط الاتحاد السوفييتي من منطلق عقائدي فقط باعتباره سقوطا للمنظومة الشيوعية، بل اعتبرته خسارة روسية فادحة للمصالح الجيوسياسية للدولة الروسية التي تبدأ من جمهوريات الاتحاد السوفييتي وصولا إلى دول المنظومة الاشتراكية مرورا بأنظمة الحرب الباردة التي شكلت جزءا مهما من الحضور السوفييتي ـ الروسي في مرحلة صراع القطبين خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

استطاعت هذه الأنظمة الاستبدادية الحفاظ على استقرار نظامها السياسي القائم على مركزية الدولة وحكم الفرد بوصفه القائد الأوحد للأمة، وتمكنت من الاستمرار لسنوات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وهزيمته في الحرب الباردة، حتى ظهور ما بات يعرف في علم الاجتماع السياسي بالثروات الملونة التي أطاحت بعدد من الأنظمة، القاسم المشتركة بينها أنها كانت جزءا من المنظومة الاشتراكية أو تقع ضمن المجال الحيوي الروسي.

أزمة روسيا مع فكرة التعددية السياسية تعود إلى سيطرة النخب الأمنية والعسكرية على القرار

​​بدأ سقوط الأنظمة، على غرار مبدأ حجارة الدومينو، في يوغوسلافيا نهاية سنة 2000 وانتقلت بعدها إلى جورجيا سنة 2003، فأوكرانيا 2004، ثم قرقيزستان 2005، والحركة الخضراء في إيران 2009 حتى ثورة الياسمين في تونس 2011 والتي انتقلت عدواها إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا. ثم أتت الموجة الثانية، التي بدأت في أرمينيا 2018 وتبعتها الجزائر والسودان وفنزويلا في 2019، ولم تزل ارتداداتها المتقطعة والعنيفة النتائج تمثل تهديدا جيوسياسيا لروسيا باعتبار أنها سمحت بوصول أحزاب ذات ميول غربية إلى السلطة في الأماكن التي نجحت فيها بتحقيق تحول سياسي كامل، الأمر الذي استدعى تدخلا عسكريا روسيا في بعض البلدان التي تشكل خطرا مباشرا على الأمن القومي الروسي على غرار ما حدث في جورجيا التي خسرت أجزاء من أراضيها وكذلك في أوكرانيا إضافة إلى احتلال كامل لسوريا، الذي اعتبره وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قد حقق "هدفا جيوسياسيا" بتوقيف "سلسلة ثورات ملونة في الشرق الأوسط وأفريقيا".

عوارض الرهاب الروسي المزمن من الثورات الملونة أو ثورات الربيع العربي يظهر المعلومات الواردة من مصادر عدة عن وجود مرتزقة روس يعملون إلى جانب قوات الأمن السوداني التابعة للرئيس المخلوع عمر البشير لمساعدتها على قمع التظاهرات التي دعت إلى إسقاط نظامه.

تزامن هذا الخبر مع إعلان موسكو رسميا إرسالها أكثر من 100 خبير عسكري وعتاد إلى العاصمة الفنزويلية كراكاس لدعم موقف الرئيس مادورو الذي يتعرض، بحسب الخارجية الروسية، إلى مؤامرة خارجية تديرها الولايات المتحدة تهدف إلى إسقاط نظامه الشرعي وفقا لتعريف الكرملين، الذي يعتبر فنزويلا آخر موطئ قدم له خارج امتداداته القارية وتمثل قاعدة متقدمة له هي الأقرب إلى حدود الولايات المتحدة، وهي عامل أساسي في إطار استراتيجية موسكو في استعادة دورها الدولي الذي تعتبره مفتاحا لعودة التوازن للمصالح الدولية.

هاجس حماية المصالح الجيوسياسية لم يكن المبرر الوحيد لموسكو للوقوف بعنف بوجه الثورات الملونة، وتحديدا الموجة الثانية منها والتي عرفت بثورات الربيع العربي، فالخوف من انتقال عدواها إلى داخل روسيا كان أحد أبرز المبررات التي دفعت الكرملين إلى مواجهتها، خصوصا عندما اتهمت موسكو مجلس الأمن الدولي بخداعها عندما وافقت على استخدام القوة لحماية مدينة بنغازي من عملية عقاب جماعي قد يقوم بها نظام القذافي سنة 2011، حيث فسرت الدول الكبرى القرار الأممي بأن يسمح لها بضرب قوات القذافي في كل لبيبا، ما ساعد على سقوط طرابلس بيد الثوار؛ وتصر موسكو أنها لو منعت التدخل في ليبيا لما وصلت التظاهرات إلى سوريا، ولو لم تنجح في تحقيق أهدافها في دمشق لكانت انتقلت إلى طهران ومنها إلى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وباتت على أبواب موسكو. هذا التبرير جاء مباشرة على لسان الرئيس الروسي فلادمير بوتين سنة 2014 الذي اعتبر أن المجتمع الدولي يستخدم التطرف كأداة جيوسياسية لإعادة تشكيل مناطق النفوذ، وأن "على موسكو بذل كل ما في وسعها للتصدي للتطرف والحيلولة دون وصول الثورات الملونة إلى أراضينا، ويجب أن نفعل كل ما بوسعنا حتى لا يحدث شيء مماثل على الإطلاق في روسيا".

الخوف من انتقال عدوى ثورات الربيع العربي إلى داخل روسيا كان أحد أبرز المبررات التي دفعت الكرملين إلى مواجهتها

​​وعليه، فإن مرض عمى الألوان الذي يصيب القيادة الروسية يمكن توصيفه طبيا بأنه مرض جيني وراثي انتقل من جيل سياسي في الحكم إلى آخر، تعود على رؤية لون واحد من الألوان في الحكم، الأمر الذي أدى إلى تعثر رؤية طيف واسع من الألوان المختلفة لدى صناع القرار في الكرملين.

فأزمة روسيا مع فكرة التعددية السياسية في هذه المرحلة تعود إلى سيطرة النخب الأمنية والعسكرية على القرار، وهي تواجه معضلة عدم قدرتها على إعداد البديل الذي يؤمن استمرار السلطة بشكلها الحالي، والتي كانت متاحة سابقا عبر العائلة المالكة التي تؤمن استدامة طبيعية للسلطة، واستمر في المرحلة الشيوعية عبر العائلة الحاكمة السوفياتية في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي كان يختار أحد أعضائه أمينا عاما للحزب الحاكم ليتسلم مقاليد السلطة، وهذا ما لم تسطع النخب الحالية تحقيقه، وهي متوترة مستقبلا من فقدان السيطرة إذا فشلت في إنتاج البديل.

اقرأ للكاتب أيضا: السلوك المدني للنجف... الاستهداف الممنهج

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.