رسم توضيحي لسجناء نائمين للفنان ياسين محمد، وهو معتقل سياسي سابق في مصر
رسم توضيحي لسجناء نائمين للفنان ياسين محمد، وهو معتقل سياسي سابق في مصر

منى فياض/

لم نتفاجأ أن تكون أولى مطالب التظاهرات السودانية التي انطلقت منذ نهاية العام الماضي هي إطلاق سراح المعتقلين. لقد تحولت البلدان العربية إلى سجن كبير يقمع الحريات ويكمم الأفواه ويصادر الحقوق ويعيش في ظل قوانين الطوارئ. هذا إذا لم يتعداها إلى حالة الاستثناء؛ أي حكم المستبد الأوحد خارج نطاق أي قانون.

اندلعت الثورات في هذا الإطار من مصادرة الحريات، وعقب أفعال تأسيسية رمزية اعترضت على ذلك القمع تحديدا. تراوحت بين حرق بوعزيزي نفسه في تونس اعتراضا على سلوك الشرطية مرورا بحادثة تعذيب وقتل خالد سعيد التي اتهم بها رجال الأمن في مصر، إلى تعذيب أطفال درعا في سوريا.

عادت الآن إلى الواجهة نغمة أن المعارض هو خائن

​​وفي هذا السياق، أقامت مؤسسة أمم للتوثيق والأبحاث، على مدى يومين، ندوة بعنوان "السجن المصري ثقافة وممارسات". وبما أن الندوة جرت في "سبيل منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية"، وكون المشاركين متعددي الاختصاصات والاهتمامات وينتمون إلى عدة بلدان، كان من البديهي أن يتوسع النقاش فيشمل ميادين ومحاور وتجارب عدة منها البحثي ومنها الفني ومنها النضالي.

نعلم جميعا الدور الإيجابي الذي لعبته وتلعبه منظمات حقوق الإنسان في تاريخنا الحديث، بعد أن أكدت شرعة حقوق الإنسان أن هذه الحقوق مطلقة تتجاوز الأمكنة والأزمنة والخصائص الثقافية والعقائد الدينية والأنظمة السياسية والاجتماعية. فاكتسبت المنظمات شرعية قانونية؛ فمن دون نشاط تلك المنظمات لما أمكن الحديث عن وضعية السجون والسجناء المنسيين والانتهاكات الممارسة بحقهم.

لكن للأسف، وبعد أن تطور الموقف من المناضل الحقوقي بعد الثورة مباشرة في مصر فتحسنت النظرة إليه ولم يعد الناشط في هذا المجال "عميلا" كما كان قبلها؛ عادت الآن إلى الواجهة نغمة أن المعارض، حتى ذلك المنفي أو الهارب إلى الخارج، هو خائن وأن ليس من حقه التدخل في شؤون بلاده لأن ذلك يعد خيانة.

هناك إذا تدهور ملموس للحريات والحقوق بعد التحسن الذي طرأ. ذلك أن الأنظمة صار لديها مناعة وحصانة ضد الجمعيات الحقوقية وأساليبها. كما أنها أوجدت منظمات رسمية موازية من المفروض أنها تدافع عن حقوق الإنسان، لتقوم مقام تلك المغضوب عليها. لكننا نعلم أن دورها يظل شكليا ولذر الرماد في العيون لأنها تلعب دور الوسيط غير المحايد بين المنظمات غير الحكومية والمساجين. وذلك للتغطية على ممارسات الأنظمة تجاه المساجين وإخفاء الانتهاكات من أجل تهدئة مطالبات المنظمات الحقوقية الدولية المتابعة لبعض الحالات.

وفي غياب خطاب معارض في مصر كون الإعلام ممسوكا ومسيطرا عليه بالكامل؛ صارت الحقوق التي يسمع عنها الناس عموما تقتصر على اللبس والخلع والتحرش والمثلية الجنسية والخروج عن الأعراف المتعلقة بالجنس.

من هنا خفتت فعالية هذه المنظمات وتراجع دورها الذي صار يكتسب صبغة روتينية. وظهر مفهوم "ناشطون في العمل الحقوقي"، الذي أصبح هو الوحيد المتاح للعمل في مواجهة قمع النظام. وصار على الناشط الحقوقي في شؤون الانتهاكات أن يتعلم اللغة المتعارف عليها حاليا في كتابة التقرير الحقوقي، بالإضافة إلى استخدام اللغة الإنكليزية في كتابة التقارير التي تتطلب من الناشط الحقوقي الدخول في إطار منظومة ثقافية ولغوية محددة تتبع مرجعيات سلطة ثقافية غربية، تختلف عن مرجعياته الثقافية.

بات على المعنيين إثبات معاناتهم فتغيب فكرة أن لديهم حقوقا ينبغي احترامها

​​نجد أن لغة التقارير تظل حبيسة إطار محدد لا تخرج عنه. فهي تكتب بلغة محايدة وغير مؤدلجة سياسيا. والمقصود أن تكون لغة غير فعالة تستخدم ألفاظ مناشدات وإدانة واستنكار. إنها لغة فاترة يفرغها فتورها من حمولة الشحنات العاطفية والانفعالية؛ ما يضعف تأثيرها. كما أن لهذه اللغة استعمال آخر يفصل بين من يعاني المشكلة وبين من يعملون لأجله. فلقد تم إدخال وسيط بينهم هو الناشط من أجل حقوق الإنسان. يأخذ المشكلة ويعبر عنها بأسلوبه ولغته؛ فتفقد دورها السوي وتفقد وظيفتها لتصبح معيارية.

وهذا ما يمكن اعتباره آلية ضبط تستخدم عملية إفراغ الخطاب الحقوقي من مضمونه الأيديولوجي وتعمل على فصل الأمور عن بعضها البعض؛ فيفصل بين أنواع الحقوق ويتحول الاعتقال لإخفاء قسري ويتركز الاهتمام على حق معين لفئة منها دون الاهتمام ببقية الحقوق، ما يمنع المشكلة من الخروج عن سياسة الضحية والجلاد. يصبح على المعنيين إثبات معاناتهم فتغيب فكرة أن لديهم حقوقا ينبغي احترامها، ما يُنتج تزاحما بين الاستضعاف والمظلومية. إن التركيز على إبراز المظلومية بدل المطالبة بانتزاع الحق هو أحد العوارض التي تطفو مع اشتداد الظلم.

كما ينبغي عدم إغفال التطور في اللغة الحكومية وفي الخطاب، ليجعلها متسقة مع الخطاب الحقوقي؛ كأن يستخدم حجة أن حقوق الإنسان ليست عالمية وأن لدينا خصوصيات ثقافية ودينية علينا احترامها. وهناك خطاب أكاديمي يستخدم هذا النوع من الذرائع.

كل ذلك على خلفية المشهد المعقد الذي تتزاحم فيه الدول الغربية، حاملة شعار حماية القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقتنا وفي العالم. فنفس هذه الدول التي تستثمر في حقوق الإنسان؛ تعمل على الاستثمار فيما يسمى بـ "الاستقرار". وتعمل في هذا الإطار على تسليح الأنظمة للمحافظة على الاستقرار الذي يعني مكافحة منظمات الإرهاب النشطة؛ ناهيك عن حفظ الحدود ومنع موجات الهجرة لطلب اللجوء إلى الغرب. وهي مخاطر يشكل وجودها أفضل غطاء وذريعة لممارسات الأنظمة القمعية.

من هنا صمت الحكومات الغربية عن الممارسات مقابل حفظ الحدود ومنع اللجوء ومكافحة الإرهاب. فتعمل على تقوية وتسليح الجيوش والأجهزة الأمنية نفسها التي تمارس الانتهاكات وتضطر للتغاضي عنها.

التركيز على إبراز المظلومية بدل المطالبة بانتزاع الحق هو أحد العوارض التي تطفو مع اشتداد الظلم

​​بالإضافة إلى أن من مصلحة الحكومات الغربية حماية مصالحها في مجال تسويق الأسلحة وبيعها في سياق تجارة السلاح العالمية. ولا يغيب عن بالنا موقف الحكومة الألمانية من موضوع بيع الشركات الألمانية لغاز الخردل وسائر المواد الكيماوية السامة التي استخدمها الأسد ضد شعبه؛ فكان ردها أن هذا متعلق بحرية التجارة ولا يمكنها التدخل.

الأمر الذي يعطي الانطباع وكأنها (الحكومات الغربية) تستخدم حقوق الإنسان كمضاد حيوي لما يخرج عن السيطرة في ممارسات الأجهزة الأمنية؛ كالمبالغة في التعذيب أو انفضاح أمر.. ما يشكل تخطيا لعتبة التغاضي والتسامح المقبولتين. ينتج عن ذلك غياب الضغط المستمر والعمل فقط على حالات خاصة وفردية.

يوجد هنا جدلية وميزان قد يستمران إلى ما لا نهاية: استثمار متواصل في موضوع حقوق الإنسان ولكن مع ضبط مؤسساته العاملة كي لا تخرج عن الإطار المرسوم لها بحيث تصبح نداءاتها روتينية مكررة دون فاعلية.

اقرأ للكاتبة أيضا: هل يستعيد الكسل مجده في عصر الذكاء الاصطناعي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.