الممثل دانييل كريغ
الممثل دانييل كريغ

مالك العثامنة/

أنا من "الدقة القديمة" كما يقولون مجازا، وفي نعمة ثورة تكنولوجيا المعلومات التي وفرت لنا القدرة على استرجاع القديم بمنظومة بصرية رقمية ومنصات تلفزيونية مثل موقع يوتيوب، فإنني كثيرا ما أعود إلى ما أعتبره أنا الزمن الجميل في الإنتاج التلفزيوني، خصوصا الإنتاج الأميركي لبرامج الكوميديا.

هنالك فرق كبير أيها السيدات والسادة بين الأمس "وهو ليس بعيدا جدا" واليوم "وهو بعيد جدا عن إدراكي لكل التسارعات فيه".

نحن أمام "مكارثية" الطرف الآخر الذي اضطهدته المكارثية ذات يوم، لتتحول الضحية إلى جلاد

​​قبل أيام، كنت أقرأ مقالا يتحدث عن سلسلة "جيمس بوند" والتي أعتبر نفسي من الشغوفين بها، وفي المقال "الإلكتروني" كان الجدل حول إمكانية تعديل شخصية العميل 007 الإنكليزي بحيث يخضع لأحد الاحتمالات؛ أن يكون من غير العرق الإنكليزي الأبيض، أو يكون امرأة "حسناء أو غير حسناء" لا رجلا وسيما، أو يكون مثليا جنسيا! الأدهى أن هناك تفكير له مريدوه بأن تتشكل الشخصية من الاحتمالات الثلاث مرة واحدة، فيصبح جيمس بوند، امرأة سمراء البشرة ومثلية!

هل يستحق الأمر مقالا؟

نعم يستحق، فنحن برأيي أمام إرهاب فكري وثقافي هائل القدرة والمقدرة يستهدف بشرا كثيرين مثلي على هذا الكوكب، وهذا الإرهاب بدأ ربما في مطلع التسعينيات بما تم التعارف عليه بالتصحيح السياسي (Political correctness)، والتي عصفت بالكثير من حريتنا الفكرية والاجتماعية تحت مسمى الحرية نفسها.

كنت قبل عام، كتبت هنا، عن تلك الحركة العالمية "الغريبة والغامضة" التي تفضي بنا كبشر بكل ما نحمله من اختلافات وتعددية نحو صورة قاتمة مؤدية إلى متحف "إنسانيات"، وكنت حينها أعلق على حفل جوائز غولدن غلوب لتلك السنة، التي أعقبت وتزامنت مع حركة مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي في هوليود، وهي ظاهرة مقيتة وجرمية بلا شك، لكن وجدت تلك الحركة العالمية "النيوليبرالية" طريقا لتشقه وتستولي على الظاهرة بأدبياتها العجيبة والمتطرفة، وهو ما رسخ عندي قناعة ما بأن البشرية تسعى، وقد بلغت ذروة مدنيتها، إلى تفتيت تلك المدنية وتجزيئها إلى هويات إنسانية ضيقة جدا، باسم القيم الأخلاقية التطهرية ضمن منظومة مفاهيم نيوليبرالية.

نعم، بلا شك هناك مفاهيم بشرية كان لا بد من تصحيحها، وهذا جزء من صيرورة التاريخ كتعاقب أيديولوجي للأحداث حسب التعريف الهيغلي للتاريخ، لا باعتباره تتابع اعتباطي للأحداث، لكن "التصحيح السياسي" صار يتدخل في مجرى سير التاريخ باعتباطية متتابعة ومتسارعة لفرض منظومة أخلاقيات وأدبيات خاصة به تؤثر على كل ما نريد سماعه أو مشاهدته أو قراءته وحتى كل ما نرغب التفكير به.

♦♦♦

لا أفهم أين يمكن أن نذهب بكل قصائد الغزل والحب إذا تمادت مرحلة النيوليبرالية الاجتماعية (وحركة التصحيح السياسي) إلى حد اعتبار الغزل بكل أدبياته الشعرية والروائية تحرشا جنسيا؟

ولا أتصور أن نحرق "كما تفعل داعش مثلا" مئات بل آلاف الأفلام السينمائية الجميلة والخالدة لأن سكارليت أوهارا في "ذهب مع الريح" لم تقع في حب شخصية من أصل أفريقي يؤديها العظيم الخالد سيدني بواتييه مثلا، أو لاتيني مثل المدهش أنتونيو بانديراس!

أو أن نحاكم دستويفسكي وماركيز وهمنغواي لأن قصصهم العظيمة كانت تخلو من إشارات تنصف المثليين جنسيا. فهل يعقل أن نصل إلى مرحلة إعادة لكتابة "الشيخ والبحر" الأسطورية ليكون الصياد العنيد "سانتياغو" مرتادا لمقهى مثليين على الشاطئ فتصبح الرواية مقبولة؟

تاريخيا، حاول منتجو سلسلة أفلام "الأبطال الخارقين" أن ينتجوا النظير النسوي لهم، فكانت المرأة الخارقة نظير "السوبرمان" لكنها لم تلق نجاحا، وكذلك المرأة القطة التي واجهت بأنوثتها الرجل الوطواط لكنها انتهت إلى أيقونة مثيرة أتقنت أداءها المثيرة "ميشيل بفايفر"، فلقت الشخصية نجاحا أكثر كشخصية مساندة ومثيرة.

فهل تكفي تلك التجربة "التاريخية والصادقة" لنتفهم معنى التعددية وأصولها الإنسانية؟

نحن أمام "مكارثية" الطرف الآخر الذي اضطهدته المكارثية ذات يوم، لتتحول الضحية إلى جلاد.

♦♦♦

دوما أكرر لمن هم حولي، أنني رجل ليبرالي سياسيا، ومحافظ اجتماعيا، وهذا حقي ضمن تركيبتي الشخصية كما هو حق لكل من هو نقيضي في تركيبته الشخصية، ولأنني أعيش وأعمل في مجتمع ديمقراطي ودولة مؤسسية، فإن توجهي السياسي كناخب في الانتخابات القادمة في أيار/مايو القادم لن تكون مرتبطة بالتوجه التقليدي للمهاجرين العرب في "دول الرفاه الاجتماعي" عموما، بل ستكون ضمن إطار توجهي السياسي الشخصي القائم على ما أؤمن أنا به، وهو ما يجعلني أتوجه لأحزاب يمين الوسط غالبا، إذا كانت برامجها تحقق ما أريده في مجتمعي الذي أعيش فيه وأتعايش معه.

نحن برأيي أمام إرهاب فكري وثقافي هائل القدرة والمقدرة يستهدف بشرا كثيرين مثلي

​​وهذا يعني ضمن ما يعنيه كله، أنني أبحث عن التعددية في الجوهر، لا فرض اللون الواحد وتنميط أفكاري ضمن منظومة تحاول القضاء على ذائقتي الفنية أو توجهاتي الفكرية التي تؤمن بالإنسان، والإنسان هنا لا يمكن أن يكون برأيي حالة تكرار بقدر ما هو حالة تعدد وتنويع ليس فيها أي نوع من أنواع الإقصاء.

اتركوا جيمس بوند كما هو، ذلك الإنكليزي بكامل وسامته الذكورية الفاتنة للنساء الجميلات، فخيالات إيان فليمنغ وكل المبدعين ليست تحت طائلة المحاكمات الأخلاقية ما دامت لا تصطدم مع الإنسانية ولا تصدم الإنسان.. ذلك المتعدد لا المكرر.

اقرأ للكاتب أيضا: عن الأردن والملك والدولة والمخابرات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.