شبان وشابات يشاركون في مهرجان الألوان في منطقة أبي سمراء في طرابلس شمالي لبنان
شبان وشابات يشاركون في مهرجان الألوان في منطقة أبي سمراء في طرابلس شمالي لبنان

في استطلاعات رأي متتالية، جاء التقييم الإيجابي للولايات المتحدة لدى الأوساط السنية اللبنانية مرتفعا، وذلك على خلاف الأرقام المتدنية لدى أوساط سنية عربية أخرى. ولا شك أن قدر من هذا التباين يعود إلى التجاذبات السياسية الداخلية في لبنان، حيث أن العديد من اللبنانيين السنة يعتبرون أن واشنطن، بالإضافة إلى الرياض وباريس، تقدّم الدعم لرئيس الوزراء سعد الحريري في مواجهته المستمرة مع الفريق السياسي المدعوم من إيران والذي يقوده حزب الله. على أنه من الخطأ اعتبار هذا التماهي مع الولايات المتحدة مقتصرا على الأوجه العرضية.

ثمة قسم هام من اللبنانيين السنة، كما غيرهم من المواطنين اللبنانيين، يجد في الولايات المتحدة نموذجا إيجابيا من حيث القيم ونمط الحياة. ويستمر هذا التقييم لديهم رغم أن الرأي الغالب في رئاسة دونالد ترامب هو أنها متذبذبة ومعادية للغرباء، ورغم الامتعاض المستمر لانعدام التقدم بشأن القضية الفلسطينية.

غير أن هذا الموقف غير المعتاد من الولايات المتحدة يشكل إزعاجا للجهد الإعلامي والثقافي السياسي المصطف مع "محور المقاومة" والذي تقوده إيران، والناشط في لبنان والمنطقة. فهو يأتي مناقضا للمقولة التي تفترض بأن ما يحرّك القاعدة السنية هو الاندفاع المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل، حتى إذا كانت مواقف قيادات هذه القاعدة، بحكم ارتباطاتها على مستوى المنطقة، لا تعكس هذا المزاج. بل إن إعلام المقاومة غالبا ما حاول توظيف هذا التباعد المفترض بين مواقف القيادات وموقف القاعدة الشعبية للضغط على الوجوه السياسية السنية بالمزايدة في خطابيات المقاومة، وذلك بناء على افتراض تجاوب الجمهور السني مع الطرح المقاوم المواجه للإمبريالية، بقديمها وجديدها. أما في حال غاب هذا التجاوب، وخفّت حدّة خشية هذا الجمهور لخطر العدائية والتوسعية الصهيونية، فإن قدرة محور المقاومة على التأثير والتوظيف والاستقطاب ضمن الطائفة السنية سوف تتراجع.

ثمة قسم هام من اللبنانيين السنة يجد في الولايات المتحدة نموذجا إيجابيا

​​والأكثر تأزيما، من وجهة نظر محور المقاومة، هو أن انتقال المزاج السني من موقعه المرتقب إلى آخر مغاير يضرّ بصيغة الرسائل الإعلامية المتوازية والتي يعتمدها هذا المحور. فهذه الصيغة قائمة على توجيه المضمون الإعلامي المحقق للاستقطاب إلى كل شريحة من الجمهور وفق ما يناسبها، مع الإيماء في كل حالة أن ما يوجّه إلى الشرائح الأخرى هو وحسب لأغراض الكسب العملي وأنه بالتالي لا يعتمد عليه، فيما هو في الحالة المعنية صادق وطويل الأمد، ويعوّل عليه وإن جاوره التشويش الناتج عن الحاجة في الحالات الأخرى.

فالرسالة العامة الموجهة إلى الجمهور السني هي أن إيران ومعها حلفاءها ثابتة ومبدئية في مواقفها المعادية لإسرائيل، وتخصَّص هذه الرسالة وفق الهوى المفترض للشريحة السنية المستقطبة لتركّز على أن جهد إنهاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين يأتي انتصارا للفلسطينيين (كمجتمع سني شقيق)، أو دعما للعروبة في استمكالها لتحرير الوطن العربي الكبير، أو تحقيقا لكرامة الأمة الإسلامية. وعند حصول التجاوب من أي جانب سني، فإنه يوظّف تلقائيا في الرسالة الإعلامية الموجهة إلى الجمهور المسيحي من خلال إبراز التوجهات السنية القصوى، من الانشغال بالهويات العابرة للوطن، إلى ضعف الانتماء للبنان، مرورا بالميل الكامن للتشدد. وبالتالي في حال لم يستحصل إعلام المقاومة على التجاوب السني المطلوب فإن خسارته تكون مزدوجة.

في أسواق طرابلس، شمالي لبنان

​​وعليه فقد جاء تعامل وجوه إعلام المقاومة وسياسييه مع الحالة الفريدة التي يشكلها التقييم الإيجابي للولايات المتحدة في الوسط اللبناني السني، من خلال الإنكار أو اعتباره زعما قائما على التلاعب بالبيانات الاستطلاعية، أو إدراجه في إطار نتيجة جهد ترويجي يسعى إلى تحقيق الزعم. وقد نشط محور المقاومة كذلك بالتعويض من خلال إبراز الأصوات ضمن الوسط السني والخارجة عن هذا الرأي الغالب، بما في ذلك استدعاء أصداء المجموعات المسلحة التي كانت قد أنشأتها وموّلتها منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحروب اللبنانية الداخلية بين العامين 1975 و1990. ولكن محور المقاومة لم يتمكن، باتجاه اعتماد سرديته، من استقطاب أي من الشخصيات السياسية البارزة والحاضرة لتحدي زعامة الحريري في الأوساط السنية.

التأثير السعودي على لبنان لم يتضمن جهدا متعمدا لنشر السلفية

​​وبالتوازي مع أسلوب متابعة الحالة السنية هذه، فقد اجتهد إعلام المقاومة بإشهار مقولة الازدواجية في الموقف السني بين السر والعلن، والتي أنتجت هجمات إعلامية على الشخصيات السياسية السنية على أنها "داعش بربطة عنق". والواقع أن هذه الهجمات مبنية في عدد من الحالات على ما هو بالفعل صفقات وعلاقات مشبوهة أقدم عليها سياسيون لبنانيون سنة مع مجموعات متطرفة، وإن كان الغرض منها معالجة مسائل آنية وموضعية. ومن هذه الحالات توفير الأرصدة المالية للجماعات المتشددة والمتطرفة مقابل إخلائها مواقع وبلدات للزعيم المعني مصالح فيها. بل يمكن ويجب مساءلة عدد من الزعماء السنة المتنافسين على دورهم في تأجيج الصراع الدامي المتكرر بين باب التبانة وجبل محسن في طرابلس.

على أن هذه المناورات والخطوات من جانب الزعماء السنة، رغم ما تنضوي عليه من الأثمان وقصر النظر والازدواجية، ليست جديدة على السلوك السياسي اللبناني عامة، ولا توازي بتاتا جسامة ما أقدمت عليه قيادات محور المقاومة نفسها، في الكثير من الأحيان مع المجموعات المتطرفة نفسها. ولكن في الرسالة الإعلامية الضمنية لمحور المقاومة وسيلة للتملص، إذ تصوّر أي تواصل بين جانب المقاومة وهذه المجموعات على أنه مرحلي آني لخدمة غاية نبيلة، فيما أية علاقة بينها وبين الزعماء السنة هي دليل كاشف على انغماس الطائفة السنية بالتطرف والتشدد.

والقدرة على تسويق هذا الطرح الأخير في أوساط عدة داخل لبنان وخارجه يتطلب الوضوح في تبيان موطئ القدم المتحقق للتشدد في الوسط السني اللبناني، وذلك على حد سواء لتفنيد مزاعم إعلام محور المقاومة وللكشف عن الشروخ الحاصلة ضمن الطائفة السنية وإمكانيات توظيفها.

التدين والالتزام بالشعائر والتوجه الاجتماعي المحافظ هي من السمات البارزة للحياة الدينية والاجتماعية على مدى الأوساط المختلفة طبقيا ومناطقيا والتي بمجموعها تشكّل الطائفة السنية في لبنان. تختلف التقاليد وأنماط الحياة داخليا في بيروت وطرابلس وصيدا، وهي المدن الرئيسية التي تحتضن حجما سكانيا سنيا كبيرا، وذلك وفق التوزيع الاقتصادي الاجتماعي، كما تختلف إزاء الأرياف والأقضية التي تحوي بدورها حضورا للبنانيين السنة. ولكن، في جميع الحالات، يبقى الدين وأثره الاجتماعي حاضرا، وإن اختلف بين بيئة وأخرى. ومع هذا، فإن الصورة الذاتية في معظم أوساط الطائفة السنية مبنية على الانفتاح والاعتدال والوسطية، باعتبارها القيم التي تعبّر بصدق عن جوهر الدين.

تاريخيا، شهدت الأوساط السنية في المشرق دعوات متكررة إلى التدين، وذلك لموازنة الاستقطاب المتواصل باتجاه المحيط الثقافي التعددي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. ولا تختلف بهذا الصدد البيئة السنية عن مثيلاتها المتعددة، إسلامية ومسيحية ويهودية. فالدعوة إلى التدين والالتزام بالتقاليد، والصادرة من شخصيات دينية علمائية وروحية كانت تهدف لمواجهة السيل الوافد من نماذج السلوك والاستهلاك الجديدة. وكان في طليعة هذه الدعوة رجال المؤسسة الدينية الرسمية، من مفتين وقضاة وشرعيين، بالإضافة إلى الزعماء الروحيين غير الرسميين، من أئمة المساجد وشيوخ الطرق. وهؤلاء وأولئك شكلوا معا ما يشبه الطبقة الدينية التي تؤطر حياة المؤمنين وتوفّر لهم التوجيه والخدمات. على أن دعوات التدين هذه شهدت ضبطا لجماحها ولا سيما من جانب الطبقة التجارية في المدن، بما هي عليه من تواصل ومصالح مع المحيط الثقافي التعددي. وكان على الزعامات في هذه المدن، وهي بدورها متعددة، أن تحكم وتوازن بين التوجهين المتعارضين.

الدعوة لتشريع الزواج المدني الاختياري تنال موافقة ما يقارب من خُمس الجمهور السني

​​وقد شهد القرن العشرين تبدلا جوهريا في طبيعة الحضور السني في لبنان. فردة الفعل التلقائية للزعماء والأعيان السنة يوم إعلان دولة لبنان الكبير كادت أن تكون الإجماع على الرفض. على أنه سرعان ما تبين لكل من الطبقتين السياسية والدينية فوائد الانضمام إلى هذا الوطن الصغير. فبعد أن كان دورها يقتصر على الهامش في السياق العثماني الزائل، أصبحت هاتان الطبقتان شريحة النخبة في الإطار الوطني الجديد، وشرعت كل منهما باستنساخ الأشكال المؤسساتية المعتمدة لدى الطائفة المارونية. وكانت هذه الطائفة، كما الطائفة الدرزية، قد طورت هذه الأشكال على مدى القرون السابقة.

على أنه بقي للطائفة السنية في لبنان خصوصية على أكثر من مستوى. فخلافا للطوائف المارونية والدرزية والشيعية، ليس للسنة في لبنان عمق ريفي خاص بهم، في حين أن أكبر تجمعاتهم هي في المدن. وهذا التوزيع المناطقي أسّس بدوره للتشظي السياسي، إذ قبل رفيق الحريري في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن بوسع أي زعيم سني أن يطمح للوصول إلى مقام زعيم كافة السنة في لبنان، وإن نال البعض منهم التقدير خارج منطقته. رفيق الحريري هو أول من تمكّن من جمع الطائفة سياسيا، وذلك من خلال التفوق على خصومه، كل في منطقته، بالخدمات والتعويضات. وما جرى بعد اغتياله وتغييبه المفاجئ عام 2005، من سعي وسط الفوضى إلى تنصيب ابنه سعد الحريري كزعيم هو شاهد على نجاحه في التغلب على منافسيه أو دمجهم بتياره.

مبادلة أوعية بلاستيكية بحلويات، في إطار مبادرة أطلقها صاحب محل الحلويات للحد من النفايات البلاستيكية في طرابلس

​​السياسة في لبنان هي فعل موازنة بين الإقطاع الجديد في الداخل والولاء الجزئي في الخارج. فزعماء الطوائف ينشطون لتحقيق التحالفات (غير المتوازنة) مع القوى الخارجية النافذة، وذلك للحصول على المنافع التي يُمكنهم من خلالها كسب جمهورهم الداخلي، فيما يعملون على التخفيف من وطأة النفوذ الخارجي لكل من القوى التي يقيمون لها الولاء من خلال تنويع مجموعها. وحيث أن الطائفة السنية حديثة العهد نسبيا، ولكثرة الجهات السنية النافذة في الجوار والمتنافسة على التأثير والنفوذ في لبنان، فإن هامش المناورة لزعامات السنة في لبنان كان ضيقا في العديد من الأحيان، دون أن يكون معدوما. وعلى وجه الخصوص، فقد كان لمنظمة التحرير الفلسطينية حضورا هاما لدى الشرائح الاجتماعية والاقتصادية الدنيا، ولكنها لم تتمكن من استقطاب أي من كبار زعماء السنة، بل كان تعويلها على زعامات درزية وشيعية. أما الزعماء السنة، فتنقلوا في سعيهم لمعادلات الدعم والولاء بين مصر وسوريا والسعودية، إلى أن حسم رفيق الحريري هذا الترحال لصالح السعودية في التسعينيات.

الطائفة السنية تمكنت بالفعل من مقاومة الضغوط المتعددة باتجاه التطرف والتشدد

​​وقد كانت العلاقة بين الحريري والسعودية تحالفا، وإن لم يصل إلى الندّية، بين طرفين كل منهما صاحب قرار. أما مع مقتل رفيق الحريري، فقد تحولت العلاقة إلى حالة وصاية توجّه الرياض من خلالها أبويا سياسات الحريري الابن.

على أن التأثير السعودي على لبنان لم يتضمن جهدا متعمدا لنشر السلفية. بل بالرغم من أفول التأثير السياسي لمصر منذ السبعينيات، فإن الطبقة الدينية السنية اللبنانية قد حافظت على علاقات مميزة مع الأزهر وكامل المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، واستمرت في اعتماد الوسطية الأزهرية في منهجها الديني. غير أن السلفية، والتي تركن إليها وتروّجها المؤسسة الدينية في السعودية، قد وجدت كذلك السبيل إلى لبنان من خلال الجمعيات الخيرية الأهلية، والتي ملأت فراغا في المناطق المهمّشة، ولا سيما في الشمال اللبناني، وخاصة بعد خروج منظمة التحرير.

ومع ذلك، فالظاهر أن غالب اللبنانيين السنة يبتعدون عن التوجهات المتزمتة والمتشددة للسلوك الديني والتي تدعو إليها السلفية، رغم تماهيهم المرتفع مع السعودية. ويفيد المقربون من المؤسسة الدينية الرسمية في لبنان أن الحضور السلفي في الطائفة لا يتجاوز الخمسة بالمئة. وقد يكون هذا الرقم صحيحا بالنسبة للمساجد التي يحضر فيها السلفيون أو يمسكون بها علنا. ألا أن السلفية، والجهادية المشتقة منها، قد ازدادت حضورا ونفوذا مع ارتفاع الامتعاض في أوساط سنية واسعة إزاء الهمينة والغطرسة من جانب حزب الله، بتبعيته الصريحة لإيران. بل إن هذه التوجهات تزداد حدة مع انتشار أخبار مظلومية السنة خارج لبنان، في كل من سوريا والعراق.

وقد تمكنت الحركات الإسلامية القطعية المتشددة من كسب عدد من اللبنانيين السنة، من الشرائح الوسطى والميسورة، بما في ذلك أحد الطيارين الذين نفّذوا اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. أما تأثير هذه الحركات على الشرائح الدنيا فهو أقرب إلى الصفقات والتعاقد، حيث يحصل المعوزين والمهمشين على المعنى والهدف، وتنال الجماعات الجهادية، من دولة إسلامية وقاعدة ونصرة وغيرها، على سيل متواصل من المقاتلين. ولكن العقيدة السياسية الإسلامية، بأشكالها القطعية والتوفيقية، لم تحقق الإنجاز الجدي في الوسط السني اللبناني. والصيغة اللبنانية من حركة الإخوان المسلمين، والتي تلتزم موقفا سياسيا ولائيا محافظا، هي طرف سياسي صغير مندرج بالكامل في الإطار السياسي اللبناني ومشارك بالأسواق الانتخابية.

الزعم الحالي بأن الطائفة السنية هي بيئة حاضنة للتشدد والقطعية هو زعم كاذب

​​غير أن القطعية قد وجدت لنفسها حليفا غير متوقع، وذلك ضمن المؤسسة الدينية الرسمية، إذ تبالغ بالدعوة إلى التدين في سياق اعتراضها على ازدياد القبول في الوسط السني بالتوجهات المؤسساتية العلمانية. والمثال على ذلك هو في مسألة الزواج المدني الاختياري. فالزواج في لبنان، كما سائر الأحوال الشخصية، هو من اختصاص المحاكم الشرعية للطوائف. على أن الدعوة لتشريع الزواج المدني الاختياري تنال موافقة ما يقارب من خُمس الجمهور السني، وفق تقديرات الجهات المطلعة. ومن شأن تشريع الزواج المدني أن يطال عائدات المؤسسات الدينية لدى كل الطوائف اللبنانية. وقد أخذ مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان، وهو رأس هرمية المؤسسة الدينية السنية، على عاتقه مهمة الاعتراض على مناقشة موضوع الزواج المدني، بعبارات تخرج عن معايير الوسطية والاعتدال والتي تفاخر بها مؤسسته.

دريان شدّد على الرفض المطلق لفكرة الزواج المدني، وإن الاختياري، على أنها انتهاك للشريعة الإلهية وهدّد من يؤيدها أو من يتزوج مدنيا بأنه خارج عن الملة ولا يدفن بمقابر المسلمين. ودريان في هذه اللهجة المرتفعة يجاري ما أقدم عليه المفتي السابق للاعتراض على الزواج المدني، ما يؤصّل هذا التوجّه وينفي عنه صفة الكلام العرضي العابر. كما أن المفتي دريان قد تولّى أخيرا، نيابة عن العديد من المرجعيات الدينية، الاعتراض الصارم على إبطال العمل بتجريم المثلية ودعا إلى إجراءات أمنية متشددة لمنع المثليين من الحضور العلني في الوسط العام.

والواقع أن الطائفة السنية اللبنانية، والتي تشهر صفات الانفتاح والعصرية، قد تمكنت بالفعل من مقاومة الضغوط المتعددة باتجاه التطرف والتشدد، وذلك نتيجة بناها الذاتية الداخلية وتواصلاتها الاجتماعية الاقتصادية مع الطوائف الأخرى. أما الزعامات السنية، والتي تعرضّت لقدر جديد من التشظي بعد اغتيال رفيق الحريري، فهي لم تواكب الجهد الأهلي في مقاومة هذه الضغوط.

لا شك أن السبب هو أن هؤلاء الزعماء يواجهون صعوبات مشهودة وتحديات متواصلة لمواقعهم، ولكن التعويل على الدفاعات الداخلية للطائفة السنية لن يكون كافيا لمواجهة السعي القائم من جانب محور المقاومة لوسم الطائفة بالتطرف ولدفعها إليه. الزعم الحالي بأن الطائفة السنية اللبنانية هي بيئة حاضنة للتشدد والقطعية هو زعم كاذب، غير أن انسياب التطرف إليها، سواء من خلال مبالغات خطابية صادرة من المؤسسة الدينية أو عبر إقدام جهات متشددة، سلفية وجهادية، بتوفير الخدمات للأوساط المهمشة، من شأنه أن يجعل هذا الزعم صادقا بعد حين.

من الضروري التأكيد على دور المفتي كموجّه روحي، لا كصانع قرار

​​العديد من زعماء السنة في لبنان لا يقدّمون أنفسهم على أنهم قادة لطائفتهم، بل يسعون جهارا إلى موقع الزعامة الوطنية. فهم يجمعون في طواقمهم الكفاءات على أساس الخبرة، لا الانتماء الطائفي، ويمتنعون نهائيا عن الخطاب الفئوي. فللبناء على ذلك، ما قد يكون واجبا ومفيدا هو ترجمة المواقف المبدئية إلى خطوات عملية. ليس المطلوب من هؤلاء الزعماء تقديم خطاب عقائدي بديل عمّا يطرحه محور المقاومة، غير أنهم بوسعهم، والعديد منهم من رجال الأعمال الناجحين، أن يقدموا البدائل بما تراه العين، لا بما تسمعه الأذن، من خلال إظهار أن السبيل للتقدم هو المبادرة الحرة والتواصل مع العالم، لا الكلام الثوري والممارسات الشمولية. فاستطلاعات الرأي تفيد للتوّ بأن هذا هو بالفعل رأي القاعدة الشعبية.

ومن الضروري كذلك، مع كامل الاحترام لشخص المفتي، التأكيد على دوره كموجّه روحي، لا كصانع قرار. من واجب المفتي أن يقدم الموقف الديني من المسائل المطروحة، وللمؤمنين فرادى أن يلتزموا بفتواه طوعيا، ولكن الفتوى ليست القانون. خلافا للنظم الأبوية السائدة في المنطقة، يلحظ النظام الجمهوري في لبنان أن صياغة القانون وإقراره والعمل به جزء من دورة تبتدئ من المواطن بصفته صاحب السيادة. فالأجدى بالزعامات السنية في لبنان التأكيد على هذا المبدأ وحمايته.

حسن منيمنة هو محرر مساهم في منتدى فكرة ومدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.